فلسفة الجسد – حيّان ديب

حيان ديب
حيان ديب

Nude Light أو التّصوير العاري بالعربيّة و (НЮ) “بالرّوسيّة”

كما هو الحال مع جميع أنواع التّصوير وتكويناتها، يعتبر هذا النّوع من التّصوير عنصراً مهمّاً من عناصر الفنون الجميلة المتعلّقة بالتّصوير الضّوئيّ. وهو يخضع لنفس القواعد العامّة للتّكوين مثل قاعدة الأثلاث، حيث يمكن تطبيقها على التقاط الصّور في هذا النّوع من التّصوير، فهذه القواعد هي المسؤولة تقريباً عن كلّ شيءٍ في خلق شعورٍ من التّناغم البصريّ ضمن الإطار.

ومن ناحيةٍ أخرى يمكننا أن ننظر إلى الأشكال أو العناصر الّتي تقع تحت الضّوء بطريقةٍ مختلفةٍ، حيث يمكننا أن نحيّد في بعض الأحيان بعضاً من هذه القواعد، فمن الممكن إنشاء الصّور الجيّدة الّتي لا تلتزم بالضّرورة بها.
الشّيء الأكثر أهميّةً هو أن ننظر من خلال عدسة الكاميرا بطريقةٍ صحيحةٍ وأن نتّخذ زاوية تصويرٍ مناسبةٍ، حيث أنّ أدنى تغييرٍ لهذه الزّاوية يمكن أن يحدث فرقاً هائلاً في تكوين الصّورة.

مع توافر جميع العناصر المناسبة من مكانٍ مناسبٍ وإضاءةٍ ممتازةٍ يتمّ توظيفها جيّداً لإخراج صورةٍ ذات توازنٍ ضوئيٍّ جيّدٍ وبجودةٍ عاليةٍ، يتبقّى لدى المصوّر عقَبَةٌ واحدةٌ وخصوصاً في بلادنا أو مجتمعاتنا، ألا وهي إيجاد نموذجٍ على استعدادٍ ليكون عنصراً للالتقاط هذا النّوع من الصّور في التّصوير الفوتوغرافيّ العاري، ولعلّه ربّما يكون واحداً من أكبر التّحدّيات الّتي تقف في وجه المصوّر، فسيكون محظوظاً إذا وجد شريكاً على استعدادٍ لتولّي هذا الدّور.

إنّ هيمنة فكرة المماثلة مع شخصيّات الواقع في فنّ التّصوير تجعل من الصّعوبة التّعامل مع الصّورة الفوتوغرافيّة باعتبارها واقعةً شيئيّةً، ورغم أنّها تجعل الأمر يحمل قدراً نعتقده ضخماً من المكاسب، فهي في الوقت ذاته تجلب قدراً ضخماً كذلك من الصّعوبات المقابلة، لذلك نحاول طرح هذه الفكرة بصورةٍ متواترةٍ، رغم صعوبة تقبّل فكرة الشّيئيّة من قطاعاتٍ واسعةٍ من الوسط الفنّيّ للفنّ التّشكيليّ مبدعين ومتلقّين، إلّا أنّ عزاءنا الكبير يتمثّل في محافظتنا على ما أنجزنا من عمل.
نعتقد، ونأمل أن يكون مختلفاً في حقل (النّقد التّشكيليّ) عمّا هو سائدٌ لدينا من كتاباتٍ تنتمي أحياناً إلى سوسيولوجيا الفنّ، وأحياناً إلى تاريخ الفنّ، وفي أسوأ الحالات إلى الصّحافة.

للجسد فلسفته الخاصّة، حيث أنّه اعتُبر في الفكر المعاصر أحد الوسائل الأساسيّة للتّعبير عن الذّات عبر تخارجها، إذ أنّه “عن طريق جسدي أفهم ذاتي والغير، وأدرك الأشياء”، وبالتّالي تدمج فلسفة الجسد الذّات والموضوع في آنٍ معاً.

الجسد هو ما يجعل الذّات ذاتاً وموضوعاً في الوقت نفسه، كما أنّه يعين أداة الأنا على فرض جوهرها كذاتٍ وموضوعٍ عبر تصوّراتها في الخارج، بل وتغيير شروط واقعها بتجلّياته المختلفة لتستطيع مواجهة مستجدّات تناقضاتها عبر هذا الواقع المتغيّر في كلّ حينٍ، من هنا ترتبط تعبيريّة الجسد البشريّ بسلوك هذا الجسد نفسه وحركاته، ووظائفه من جهةٍ، وبينهما وبين الجنسيّة واللّغة من جهةٍ أخرى، فهو إذن موطن المعنى ومكان ولادته، كما أنّه أداة الدّلالة الّتي تُخرِجُ الذّات من ذاتها وتضعها في عالمٍ بيّنٍ ذاتيٍّ تصبح فيه علاقةً ورمزاً (لغويّاً، فنيّاً،…… الخ) لوجودهما الخاصّ.

ويعتبر (ميرلو بونتي) أنّ أجسادنا ليست مستقلّةً عنّا، بل هي وسائلنا الّتي نعبّر بها عن أنفسنا بشكلٍ طبيعيٍّ، ويستعير عبارة مارسيل الشّهيرة: “أنا جسدي”، وبما أنّ أجسادنا تحيلنا بشكلٍ دائمٍ إلى العالم والآخرين، فإنّ خبرة أجسادنا وخبرة جسد الآخر هي ذاتها، جوانبٌ لوجودٍ واحدٍ، وهكذا نتكلّم مع الآخر رغم أنّنا لا نتعامل إلّا مع أنفسنا، ويفرّق (ميرلو بونتي) بين الأجسام الطّبيعيّة وجسم الإنسان، هذا الجسد الذّاتيّ الّذي يطلق عليه الفنومنولوجيّ، ومن أجل فهم هذه الخبرة الفنومنولوجيّة كما حدّدهما فيلسوفنا، والّتي تعني لديه بداية الجوهر.

ويرى (ميرلو بونتي) أنّه إذا كان علم النّفس الكلاسيكيّ قد قام بتحليل دوام الجسد الشّخصيّ لاستطاع هذا أن يقوده إلى الجسد، ليس باعتباره موضوعاً للعالم، ولكن وسيلةً للاتّصال به. ويستعين (ميرلو بونتي) بجدل السّيّد والعبد عند هيجل ليوضّح علاقة الجانب الجنسيّ كأحد أعراض الجانب الوجوديّ دون أن يهمل الجانب الميتافيزيقي ّ_ القول “لديّ جسدٌ” هو إذن طريقةٌ للقول بأنّه يمكنني أن أكون مرئيّاً كذاتٍ، وأنّ الآخر يمكنه أن يكون سيّدي أو عبدي، بشكلٍ يجعل الحياء وعدم الحياء يعبّران عن جدليّة تعدّد الوعي وأنّ لديهما معنىً ميتافيزيقيّاً.

الجسد المشرّح:
لعلّ القرن الحادي والعشرين هو القرن الّذي سيحتلّ فيه الجسد في الدّراسات الإنسانيّة اهتماماً كبيراً، وذلك بعد إدراك المدارس الفكريّة المختلفة لمدى تغييبه في العصور الماضية، ولعلّ ظهور جمعيّات حقوق الإنسان واهتمام المنظمّات الدّوليّة بأمره، يبرهن على مدى ما حظي به الجسد الإنسانيّ من ردّ الاعتبار خاصّةً في ظلّ ممارسات الحداثة الغربيّة أخيراً، والّتي أحالته إلى كمٍّ مُهمَلٍ في إطار الفوضى الكونيّة والأداتيّة.
من هنا أصبح الاعتماد على الجسد هو عبارةٌ عن إعادة الحلقة المفقودة بين الذّات والفرد الفاعل، بينما تشكّل الفرقة بينهما لبّ الأزمة، ومرض الحضارة الحديثة.
فمع تقدّم علم التّشريح خاصّةً على يد الطّبيب البلجيكيّ فيسال، انزاحت القداسة عن الجسد وأصبحت عمليّات تشريحه تتمّ على الملأ في السّاحات أمام جماهير غفيرةٍ من البشر، ومع تقدّم فنون الرّسم والتّصوير تقدّمت علوم الطّبّ، وكان كلاهما يستكشف الجسد الإنسانيّ بطريقته الخاصّة، وكانت دراسة علم التّشريح وكذلك كلّ لوحةٍ جديدةٍ بمثابة الحلّ الخاصّ لتعطّش المشرّحين والفنّانين للوعيّ والمعرفة والفهم واليقين، واستمرّ هذا التّعطّش منذ ذلك التّاريخ حتّى الآن، استمرّ عبر تاريخ العلوم كافّةً، وعبر تاريخ الفنون كافّةً.

إبداع الجسد:
ازدهر الجسد العاري في الفنّ في المائة عامٍ الأولى من عصر النّهضة الكلاسيكيّ، عندما تداخلت الشّهيّة الجديدة للتّحليل القديم مع عادات العصور الوسطى في التّرميز والتّشخيص، وقد بدا وقتها أنّه لا يوجد مفهومٌ مهما كانت عظمته لا يمكن التّعبير عنه بالجسد العاري، وليس هناك شيءٌ مهما كانت تفاهته لا يمكن تحسينه عند إعطائه شكلاً بشريّاً، فمن طرفٍ نجد الحساب الأخير لمايكل أنجلو، ومن طرفٍ آخر نجد مقابض الأبواب والشّمعدانات، حتّى مقابض الشُّوَك والسّكاكين، فبالنّسبة للأوّل ربّما يكون الاعتراض كما هو الحال في معظم الحالات أنّ العريّ ليس مناسباً لتقديم المسيح وقدّيسيه، أمّا الاعتراض الّذي يثيره الاستخدام الثّاني وهو ما يحدث في أغلب الحالات فهو أنّ شكل فينوس العاري ليس هو ما نحتاجه في أيدينا عندما نقطّع طعامنا أو ندقّ على بابٍ، وهو ما أجاب عليه أحد الفنّانين بقوله: إنّ الجسد البشريّ هو أكثر الأشكال جمالاً وكمالاً، ولهذا فلا يمكن أن نملّ من رؤيته، وبين هذا وذاك توجد غابةٌ من الأجساد العارية المرسومة أو المحفورة بالجصّ أو البرونز أو الحجر ممّا ملأ كلّ مكانٍ خالٍ في عمارة القرن السّادس عشر.

وليس من المحتمل أن يعود هذا النّهم للجسد العاري، فقد نبع من امتزاج مجموعةٍ من المعتقدات والتّقاليد والأحاسيس البعيدة جدّاً عن عصرنا، عصر الجوهر والتّخصّص، ومع ذلك فإنّه حتّى في المملكة الجديدة الّتي يتوّج فيها الإحساس الجماليّ بالجسد العاري، فقد جعله الاستخدام المكثّف له من قبل الفنّانين العظماء نموذجاً لكلّ الأبنية الشّكليّة، وهو لا يزال وسيلةً لتأكيد الإيمان بوجود الكمال المطلق. فيكتب سبنسر في (نشيدٌ على شرف الجمال): “لأنّ الرّوح هي الشّكل وهي ما يقدّمه الجسد” وهو بهذا يردّد كلمات الأفلاطونيّين الجدد، ومع ذلك لا يوجد دليلٌ في الحياة يؤكّد هذا القانون إلّا أنّه ينطبق بشدّةٍ على الفنّ، فالجسد العاري يظلّ أعظم مثالٍ على تحويل المادّة إلى شكلٍ، وليس من المحتمل أيضاً أن نرفض الجسد مرّةً أخرى كما حدث في تجربة الزّهد والتّقشّف في مسيحيّة العصور الوسطى، فلم يعد يمكننا أن نقدّسه ولكنّنا تصالحنا معه وتقبّلنا حقيقة أنّه يصاحبنا طوال حياتنا.

وبما أنّ الفنّ يهتمّ بالصّور الحسّيّة، لا يمكننا بسهولةٍ أن نتجاهل توازن الجسد وإيقاعه، فمجهودنا المستمرّ ضدّ اتّجاه الجاذبيّة الأرضيّة من أجل الحفاظ على توازننا في وضعٍ قائمٍ على السّاقين، يؤثّر في كلّ حكمٍ على التّصميم بما فيه مفهومنا عن الزّاوية الّتي نسمّيها بالزّاوية الصّحيحة، كما أنّ إيقاع تنفّسنا ودقّات قلوبنا هو جزءٌ من الخبرات الّتي نقيس بها العمل الفنّيّ، والعلاقة بين الرّأس والجذع تحدّد المقياس الّذي نقيّم به النّسب الأخرى في الطّبيعة، كما ترتبط مواقع الأماكن في الجذع بأكثر خبراتنا وضوحاً، وهكذا تبدو الأشكال المجرّدة مثل المربّع والدّائرة ذكريّةً وأنثويّةً، والمحاولة القديمة الّتي قامت بها الرّياضة السّحريّة بتحويل المربّع إلى دائرةٍ هي مثل رمزٍ للاتّحاد الفيزيقيّ، وقد تبدو الأشكال البيانيّة بتخطيط نجمة البحر الّتي رسمها منظّرو عصر النّهضة سخيفةً ومثيرةً للسّخرية، لكنّ المبدأ الحسّيّ يحكم أرواحنا، وليس من قبيل المصادفة أنّ الجسد ذا الشّكل المتعارف عليه بأنّه الإنسان الكامل قد أصبح الرمز الأعلى للإيمان الأوروبيّ، فيجب أن نتذكّر أنّه قبل صلب المسيح لمايكل أنجلو، كان الجسد العاري أكثر موضوعات الفنّ جدّيّةً، حتّى أنّ أحد دعاة الوثنّية قد كتب: “أصبح الإنجيل لحماً ودماً، وعاش بيننا مليئاً بالجمال والحقّ”.
نعود عبر التّصوير إلى علانيّة الجسد، تلك العلانيّة الّتي مُورست في أندية العراة، وفي طفولة البشريّة، وفي حفلات التّعذيب وسط الجماهير المتلذّذة بتقطيع أوصال الجسد بهدف تحقيق المرحلة التّالية، “الهدف الّذي بدأت تتعاون فيها على الجسد المجتمعاتُ الانضباطيّة المعقلنة، الموصوفة بالتّعذيب النّاعم والهادئ والصّامت والمقنّن بدقّةٍ، والموزّع بعدالةٍ ومعرفةٍ سواء في جغرافيّة الجسد الخارجيّة أو جغرافيّته الدّاخليّة (الرّوح)”.

وهذا الانتشار الشّامل للانضباط (السيطرة والرّقابة) في كافّة الفعاليّات في العصر الحديث طال جماليّات الجسد بشكلٍ مماثلٍ حيث قنّنت مقاسات الجسد بشكلٍ دقيقٍ وبنموذجٍ أوروبيٍّ كنموذجٍ أو كذائقةٍ..

و بهذا يمكننا أن نخلص إلى أنّ تصوير الجسد هو عملٌ غير حياديٍّ.. يجب أن يكون متلصّصاً بشكلٍ استثنائيٍّ، وأن تشمل هذه السّمة كلّ فنّ التّصوير من أجل اكتشاف الزّاوية واللّقطة الاستثنائيّة (التّلصّص والكشف)، فقد كان (ميرلو بونتي) يقارن في كتابه (العين والمخ) 1960، بين العلم وفنّ التّصوير الزّيتيّ بأنّ العلم ينظر إلى الأشياء من أعلى في حين ينغمس فنّ التّصوير في عالم الرّؤية، ففتحة صندوق الكاميرا هي أكثر من فتحةٍ لتقنين دخول كميّة الضّوء، فقد كان يتحدّث عن جسد العالم الحيّ ولحمه، الجسد الّذي هو “تفاعلٌ تبادليٌّ بين الضّوء والظّلّ” (عصر الصّورة ص 102).

و بتشبيهٍ مجازيٍّ سريعٍ فإنّ تلصّص السّجن هو نظرةٌ محدّقةٌ تراقب تحرّكات الجسد اجتماعيّاً باعتبار السّجن جزءاً من نظامٍ اجتماعيٍّ شاملٍ للمراقبة، بينما يختلس الفوتوغراف النّظر إلى سحنة الواقع (الجلد) وثنياته، وطيّاته الخبيئة، وعبر ملايين الكاميرات المنتشرة حول العالم (أداة رؤيةٍ كلّيّةٍ)؛ فكان واحداً من أهمّ مهامّها اتّخاذها الجسد موضوعاً للرّؤية، فهي إذن كذلك منظومةٌ شاملةٌ لمراقبة الجسد وتسجيل حركاته وسكناته في مشروعٍ لمراقبة جلد العالم وجلد الجسد بطريقةٍ كلّيّةٍ.

ملحق العدد: ألبوم فلسفة الجسد – تصوير: حيان ديب

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: