في الطّريق إلى شجرة الشّعر – هاني نديم

في الطّريق إلى شجرة الشّعر – هاني نديم

هاني نديم
هاني نديم

ـ من أين أتيت بالشّعر أيّها الشّاعر؟
ـ لا أعرف، من وادي عبقر.

وادي عبقر حيث جنيّات الشّعر وشياطينه.. نعم، يُنسب الشّعر للجنّ طالما أنّه ليس كلاماً عاديّاً، حتّى إّنهم سمّوا أصحاب الشّعراء وقرائنهم من الجنّ، فصاحب النّابغة الذّبيانيّ كان اسمه هاذر بن ماهر، وصاحب امرؤ القيس هو لافظ بن لاحظ، وكان مدرك بن واغم صاحبَ الكُميت…. وهكذا.

وككلّ شيءٍ، انبرى النّاس لتعريف هذه الكتلة الكلاميّة، واتّفق العرب على الشّعر بتعريفٍ شاعَ جدّاً وما زال، إذ قالت إنّه: كلامٌ موزونٌ ومقفّىً.
طيّب، إذن هل عليّ أن أفهم أنّ قول الشّاعر: “كأنّنا والماء من حولنا… قوم جلوسٌ حولهم ماء” هو شعر!، لا أظنّني .

من منظور “ابن منظور” يرى أنّ الشّعرَ هو منظوم القول، إنّما تغلّب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كلّ علم شعراً.
ويقول الجرجانيّ: “أنا أقول إنّ الشّعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطّبعُ والرّواية والذّكاء”.

اللّعنة تلو اللّعنة تلو اللّعنة، تصنع شعراً.
الحبّ تلو الحبّ تلو الحبّ يصبح أغنيةً.

حسناً، الكتابة عن الشّعر كالكتابة عن الله، وتعريفه يحدّه ويهدّه، ويأخذه باتّجاه وهو خارج أيّ اتّجاه، إنّما في حقيقة الأمر يمكننا القول إنّ الشّعر هو مجنون القرية! يقول ما يريد، ويفعل ما يشاء، دون الالتفات للحكماء أو الانتباه للأعراف وهذا ما يجعله عصيّاً عن الحصر والتّمثيل.

وفيه يقول المظفّر بن الفضل: “أمّا الشّعرُ فإنه ديوان الأدب، وفخر العرب، وبه تُضرَب الأمثال، ويفتَخِر الرّجالُ على الرّجال، وهو قيدُ المناقبِ ونظامُ المحاسنِ، ولولاهُ لضاعت جواهر الحِكَم، وانتثرت نجوم الشّرف، وتهدّمت مباني الفضل، وأقوت مرابِع المجد، وانطمست أعلام الكرم، ودرست آثار النِّعم. شرفه مخلّدٌ، وسؤدده مجدّدٌ، تفنى العصور وذكره باقٍ، وتهوي الجبال وفخره إلى السّماء راقٍ، ليس لما أثبته ماحٍ، ولا لمن أعذره لاحٍ”.

Dimitra Milan

يا للهول ..
الشّعر ليس كلّ هذا!، ألا يكفي أن يكون شهقة عاشقٍ لرؤية فستان حبيبته الأصفر..

إنّ هذا الإصرار اللّغويّ على ترفيع “شرف” الشّعر أقصاه! إنّما أيضاً ومن الجهة المقابلة، المبالغة فيتبسيطه وإقحامه في اليوميّ والمعاش، نزل به إلى مقام الكلام بل والهلوسة أحياناً كثيرةً.
كما أنّ الشّعر يتكوّن، وبحسب العرب أيضاً من خمسة عناصرَ، هي: العاطفة والخيال والأسلوب والفكرة والنّظم.

وإن اختلفنا حول ماهيّة النّظم وشكل الشّعر وثبت لدينا شكله النثريّ اليوم مع وجود شعراء نثرٍ كبار، كالماغوط وأدونيس وأنسي الحاجّ وشوقي أبي شقرا وسعدي اليوسف وغيرهم، إلّا أنّنا أبداً لن نختلف على البنود الخمسة السّابقة.
إذن، البحث عن الشّعر اليوم رغم أنه مضنٍ، إلّا أنّه ماتعٌ بدلالاته ولقطاته.

إنّ الوصول للشّعر اليوم هو من أجمل الاكتشافات حيث يدخل الشّاعر نحو القصيدة وهو ممتلئٌ باللّاشيء، لا يعرف ماذا سيكون، ويخرج وهو محملٌ باللّآلىء والجواهر. ألم يقل هوميروس أنّالشّعر هو رحلة صيدٍ ليليّةٍ؟ ألم يقل أيضاً: على الله أن يلهمنا البيت الأوّل.. وعلينا أن نكمل.

أتذكّر دوماً وأنا في الطّريق نحو شجرة الشّعر، أنّني قد لا أجد ظلالاً.. ولكن لا يهمّ.. إنّها رحلةٌ مستحقّة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: