قراءة في كتاب لغز عشتارللكاتب فراس السَّوَّاح – يونس سلامة

قراءة في كتاب لغز عشتار

للكاتب فراس السَّوَّاح

يونس سلامة

يونس سلامة

ربَّة الحياة وخصب الطّبيعة، هي الهلاك والدّمار وربَّة الحرب.
في الّليل عاشقةٌ، وفي النّهار مقاتلةٌ ترعى المواقع وتغشى المذابح. هي الأمّ الرّؤوم الحانية، وهي البوّابة المظلمة الفاغرة لالتهامِ جثثِ البشر. هي ربَّة الجنسِ وسرير الّلذّة، وهي مَن يسلب الرجالَ ذكورتَهم. هي القمرُ المنير، وهي كوكب الزُّهرة. هي النّور، ورمزُها الشّعلة الأبديّة، وهي العتم والظّلمة وما يخفى. هي القاتلة، وهي الشّافية. هي العذراء الأبديّة، وهي الأمّ المنجبة. هي البتولُ، وهي البغيُ المقدّسة. هي ربّة الحكمة، وهي سيّدة الجنون. هي الإشراق بالعرفان، وهي غيبوبةُ الحواس وسباتُها. التقتْ عندها المتناقضاتُ وتصالحتِ المتنافرات. هي عشتار. يقول الباحثُ فراس السّوّاح في مقدّمة كتابه لغز عشتار (الألوهة المؤنّثة وأصل الدّين والأسطورة): “في البداية كنتُ أطمحُ إلى تقديمِ بحثٍ وافٍ عن شخصيّة الآلهة الأمّ، أو الأمّ الكبرى في النّسق الميثولوجي السّوري-البابلي، ومتوازياتها في الثّقافات الكبرى المجاورة. ثمّ اكتشفتُ تدريجيّاً أنّ الحيّزَ الثّقافي والمدى الزّمني، الذين حدّدتهما إطاراً للبحث، قاصران عن الإحاطةِ بالموضوع. كان تتبّع الأمّ الكبرى يوغلُ بي زمنيّاً إلى ما وراء حدودِ التّاريخ، حيث وجدتُ نفسي أودّع النّصوص المكتوبة مجتازاً عتبة ما قبل التّاريخ، حيث لا شواهد ولا علامات تدلّني سوى الأدوات الحجريّة وأعمال الإنسان الفنّيّة الأولى. وكان اقتفاء أثرِ قدميها على الأرض يأخذني في الاتّجاهات الأربعة، حتّى درت المعمورة راجعاً إلى نقطة المبتدى. وشيئاً فشيئاً كنتُ أتبيّن أنّ البحث في ميثيولوجيا الأمّ الكبرى ليس بحثاً في موضوعٍ محدّدٍ، بل هو بحثٌ في جوهر الأسطورة ومبدئها وغاياتاها، لأنّه المحور الأساسيّ الذي دارت حوله أساطير الثّقافات البشريّة وعنه شعت وتفرّقت”.

يبدأ الكاتب بحثه في هذا الكتاب بالعودةِ إلى عصورِ ما قبل التّاريخ، منذ نهايات العصر النيوليتي وظهور أوّل المدن في تاريخ البشريّة في منطقة سوريا الطّبيعيّة حوالي عام 4500 قبل الميلاد، وهو التّحوّل الذي أُطلِق عليه الثّورة المدنيّة، حيث كانت أولى المجتمعات قائمةً على النّظام الأمومي وليس كما مجتمعاتنا اليوم الذّكوريّة. وكانت القوّة الرّئيسيّة التي ميّزت المرأة ووضعتها في تلك المكانة هي قوّة الخصبِ والقدرة على استمرارِ الحياة عبر الولادة. يقول السّوّاح: “إنّ التّجمّع الإنساني الأوّل لم يؤسَّس بقيادة الرّجل المحارب الصّياد، بل تبلور تلقائيّاً حول الأمِّ التي شدَّتْ عواطفَها وحدبها ورعايتها الأبناءَ حولها في أوّل وحدةٍ إنسانيّةٍ متكاتفةٍ هي العائلة الأموميّة، خليّة المجتمع الأموميّ الأكبر”. ومن هنا فقد كان وجود الآلهة المؤنّثة نتاجاً طبيعيّاً لتلك المجتمعات، وتجلّت هذه القوّة الأنثويّة المطلقة في صفاتِ الآلهة عشتار أو أيّ أسمٍ آخر لها ظهر عبر الحضارات المختلفة. ثمّ يستعرض لنا مختلف الآثار التي عثر عليها والتي ترمز لهذه الإلهة الأنثى الأمّ، حيث كانت في البدايةِ منحوتاتٍ أو رسوماتٍ بسيطةً تركّز على منطقةِ الحوض (الرّحم) دِلالة على الولادة، ومن ثمّ كيفيّة تطوّرها والتّفنّن في تصويرها والذي كان نتيجته بعض المنحوتات الفائقةِ الجمال لعشتار التي وصلتنا اليوم.

أخذتْ عشتار أوجهاً متشابهةً أحياناً ومتناقضةً أحياناً أخرى، والأبرز منها ما يلي:
-عشتار القمر: حيث يفسّر المؤلّف العلاقة بين عشتار والقمر من خلالِ الرّبط بين حياة المرأة الفيزولوجيّة والسيكولوجيّة وبين طبيعة القمر وإيقاعِهِ المتغيّر، نظراً لارتباطِ ذلك بالدّورةِ الشّهريّةِ للمرأة التي تقابلها دورةُ القمرِ.
-عشتار الخضراء: عشتار أيضاً ربّة الزّراعة ودورة حياتها مرتبطةٌ بدورةِ الطّبيعة، إنّ موت النّباتات في الخريف وحياتها في الرّبيع هو غياب عشتار روح الخصوبة الكونيّة وعودتها حيّةً قويّةً متجدّدةً، ويُعزا إليها الفضل في منحِ الإنسان هبة القمحِ ودورة حياته هي دورة حياتها، حيث نراها في كثيرٍ من الأيقوناتِ وهي تحمل حزمةً من السّنابلِ، وفي أيقوناتٍ أخرى نراها عشتار حاملةُ الشّعلة، في رمزيّةٍ لأنّها من يعطي النّور والخير للبشرِ جميعاً.
-عشتار الجنس واللّذة: فهي المرأة العذبة الفاتنة التي يضطّرم جسدُها بالحبّ والشّهوة، وهي كذلك السّيّدة القويّة المسيطرة، ربّة نفسها وربّة جسدها. وهنالك الكثير من المنحوتات التي تمثّل عشتار كأيقونةٍ للجنسِ، وما طقوس البغاء المقدّس التي كانت تمارسها كاهنات عشتار في معابدها إلّا تأكيداً على ذلك.
-عشتار ربّة الموت السّوداء: المتعطّشة دوماً إلى مزيدٍ من الدّمِ ومزيدٍ من القرابين، والتي إنْ غضبت على أحدٍ ما أو مدينةٍ ما دمّرتها بأكملِها، وكانت أيضاً سيّدةُ النّزعةِ التّدميريّةِ الّتي تُداهم سير الحياة من الدّاخل، من أعماق النّفس الإنسانيّة. وإن جنوح الإنسان إلى الحرب منذ بداية تشكيل الجماعات البشريّة إلى يومنا هذا، هو أوضح تجلّيات النّزعةِ التّدميريّةِ الذّاتيّة، وليست الحرب إلا اندفاعاً لا شعوريّاً نحو الموت وتلبيةً لنداءٍ داخليٍّ بإيقاف الحياة، نداءٌ يصدر عن عشتار السّوداء التي رفعها الإنسان إلهة للحرب وأسقط عليها ميوله التّدميريّةِ الكامنة.

يُكمل الكتاب مناقشة الحياة اللاهوتيّة السّائدة في الحضارات القديمة وتبدلاتها تبعاً للتّغيرات التي طرأت على تلك المجتمعات، حيث أنّه مع تطوّر الحياة الاجتماعيّة وتوسّعها، وسيطرة النّزعة الذّكوريّة أكثر فأكثر عليها، نرى ذلك وقد انعكس أيضاً بدوره على مكانةِ عشتار كإلهة أنثى واحدة في الكون، ويبدأ ظهور تمّوز إلى جانبها شيئاً فشيئاً. تمّوز حبيبها الّذي ولدته وزوجها الّذي تقتلهُ كلّ سنةٍ وترسلهُ في رحلةٍ إلى العالم السّفليّ لتعيد إحياءه من جديد. لكنّه يبقى باستمرار تابعاً لها، عاشقاً ولهاناً، وزوجاً مخلصاً، يأتمرُ بأمرها هيَ سيّدة الكون والكائنات.

إلا أنّ تمّوز وتعبيراً عن سيطرة الرجل الذكر على الحياة السياسيّة والإقتصاديّة، يبدأ بالانفصالِ عن عشتار ويتبوّأ مكانةً أكبر مع الزمن، حيث نرى في سيرة الإله بعل الأوغاريتي كيف أنّه قد خطا خطوةً نحو بناء شخصيّته المستقلّة الخاصّة ذات الطّابع المسيطر القويّ، ومن ثمّ يتمّ الانفصال التّام بل والسّيطرة الإلهيّة الذّكوريّة في سيرة الإله إيل الكنعاني سيّد السّماء المتعالي عن الأرض والطّبيعة والإلهة الأمّ. ومن بعدها الدّيانة اليهوديّة ذات الصّبغة الذّكورية الخالصة والتي لا نرى فيها أيّ وجودٍ للإلهة الأمّ، والتي استمرّت عصوراً، إلى أن وجدت ديانة الأمّ الكبرى وابنها الوليد الإلهيّ، أبهى تعبيرٍ لها عبر الدّيانة المسيحيّة.

رندة تفاحة

رندة تفاحة

في خاتمةِ الكتاب نرى كيف أنّ خصائص عشتار المخلصة التي كانت تضحّي بنفسها في سبيل البشر قد انتقلت إلى ابنها، ويتجلّى هذا الانتقال في أبدعِ صورِهِ في سيرةِ المسيح يسوع المخلّص. ويلاحظ مدى تشابه دورة حياة يسوع المخلّص مع حياة الآلهة الأبناء المخلّصين في الحضارات القديمة أيضاً (تمّوز وبعل)، رغم أنّ موت يسوع وبعثه لا يتّخذ طابعاً دوريّاً سنويّاً كما هو شأن آلهة الخصب، لكن الاحتفال بتجسيده وميلاده وموته ثمّ بعثه عبر السّنةِ الميلاديّة، يجعل من دورةِ حياتِهِ سلسلةً من الأحداث الحاضرة أبداً، المتكرّرة إلى يومِ الدّينونة. ولا يمكن إنكار الدّور الكبير للسّيّدة مريم العذراء في دورةِ الحياة تلك، مما يجعلها شريكةً كاملةً للإله الابنِ في سرّ الخلاص والفِداء، فبدونها لم يكن ممكناً لملحمةِ الخلاص أن تتمّ وتستكمل شروطها، وبهذا .. تكون السّيّدة مريم العذراء آخر تجلّ للألوهةِ المؤنّثة في ضمير الإنسان، ويبدو أنّها باقيةٌ معه على مرِّ الأزمان.

ويروي الكاتب كيف ما تزال تأثيرات عشتار وعصر الأمومة مستمرّة في حياتنا حتّى اليوم، ولو بأشكالٍ غير واضحةٍ كنسبة الأولاد لأمّهاتهم في بعض القرى، وطقوس الرّقص والدّبكة في الأعراس.

لغزُ عشتار، الأمتعُ بين كتب الميثولوجيا السوريّة، هو لغزٌ محيّر لطالما استدعى أفكاراً تنقض ما كنّا نعرفه أو تبني عليه باتّجاهٍ أشمل، أفكارٌ تثير الجدل عن تداخل الأساطير بالأديان، وعن سرّ هذا التّشابه الكبير بينَ ما هو قديمٌ جداً، وبين ما نعيش تجلّياته في وعينا الجمعيّ كمجتمعاتٍ شرقيّة، أنتجت كلّ أسس حضارتها وقيامها، وجعلتْ فيه سببَ فنائها وتدميرها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: