قراءة في مجموعة درفتين ومدى للشاعر مارون الماحولي – حسام المقداد

Your ads will be inserted here by

Easy Plugin for AdSense.

Please go to the plugin admin page to
Paste your ad code OR
Suppress this ad slot.

حسام المقداد
حسام المقداد

إن التصدي لإنجاز قراءةٍ فوق مجموعة أدبية ضابطها اللغة وحاكمها النص عملية انتحار قرائي مشروع، قد تسقط القارئ وقد تكون أداة نجاة لثالوث القراءة: القارئ والنصّ والناصّ.

وتلك القراءات ذات اللغة الأنقى، أقبلها راضياً من باب تعلم الشيء بالشيء.. فكيف إذا كان المقروء كلاماً يقوله الكلّ، لكنّ واحداً يستطيع اختزاله بألفاظ أقرب إلى القلب في بلاغةٍ صوريةٍ ومحكي أنيقٍ ليحقق به معيار الشعرية والإبداع وعلمنة الألفاظ وسعيها إلى ما وراء ما كتبت له..؟

هنا تبدو مهمة القراءة أصعب سيما وأن الغوص يحتاج إلى مفاتيح قولية قد تخرج عن ميكانيزم القراءة المعتادة وفنون النقد..

ولعلي أقول سحر القول ودهشة الكلمة وما وراء اللفظ ثم الثقافة الفكرية هي ما حبا بي للكتابة، ثم المحبة لرجلٍ التقيته لوقتٍ قلّ عن اثنتين ساعة قبل سنة، لكنه ما زال بسحره متربعاً على عرش قلبي، هذا وأشياء أخر جعلني أقف قارئاً يحاول كشف شيءٍ قد يرضي البعض، لكنه قد لا يكون مدعاةً لرضى كثيرين..

درفتين ومدى.. ومائة وخمسون صفحة من القطع المتوسط، غلاف أنيق وورق قريب للعين ملمساً ولوناً

(لكل أيد بتفتح درفة من هالكتاب بهديها المدى)

هكذا قال مارون في الإهداء، وهنا انفتاحٌ أولي للجمال يهديه المدى، والمدى أبعد ما تراه العين والغاية والمنتهى والاتساع، أوليس في هذا جمال يشي بتلمس الجمال والإحساس بالأشياء؟!

خمسة وتسعون انفتاحاً بين درفتين يتراوح بين القصر والطول تلك هي أسفار الكتاب ومحطات توقفه..

عيونك أول النصوص، و جنةٌ بلا شيطان آخرها، وبينها الكثير..

وبرأيي: أفضل الحلول لمعالجة الاختلافات، هو قراءة الشيء، كما هُوَ، وليس كما نرغب. ولهذا وحسب اجتهادي أقول: يمكن تعريف قصيدة المحكي بأنها حكاية شعرية تعتني بالرمز والكثافة لبث صورة مغايرة عن المألوف تسهم في خلود القول.

فهي نصٌّ مفتوحٌ على الشعر، والسرد، يعتني بالأنواع، يميل إلى البنية الصوتية الكميّة المنظمة، يمتلك إيقاعاً داخلياً مغايراً أقرب إلى الروح من خلال الضبط الشكلي للكلمة غير المألوفة معجمياً لكنها ماثلة في ذهن المتلقي.

ومارون ماحولي واحدٌ من أولئك الذين جعلوا من المحكي قصيدة:

(عاقَدْ ما حلوين عينيكي..

خايف أنا يتكبروا عليكي)

أي ذكاء هذا بل أية موسقة للكلمة لنقول بعد السماع مرتاحين: الله.

الولوج لمجموعة (درفتين ومدى) للأستاذ مارون ماحولي مدخلاً مهماً نحو الكتابة المحكية والتي حلا لكثر تسميتها بحال قصيدة المحكي المنظومة باللهجة العامية أو الدارجة، غير المتقيدة بقواعد إعراب اللغة وصرفها، ولا ببحور الشعر. وليست كل كتابة محكية نصّاً مشرقاً وبعضها وقليل منها قد يعدل كثير قصائد فخمة.

درفتين ومدى أصابتني كقارئٍ بتعب مر لكنه لذيذ، يشبه البدء بالكشف عن حضارة غمرتها الدهشة، واحتاجت للمنقب الماهر ذاك وأنا أقف أمام مشاهد تشبه تنقلات النحل فوق جميل الزهر، وهذا بحد ذاته ما جعلني أغامر برحلة مليئة بالوجع اللذيذ، وجع سببه خشيتي من عدم الإحاطة بالمعنى، ولذة هي المغامرة في ارتكاب جرم القراءة فوق فكر شاعر ذكي يحاكم نصه ويعتني به عناية شديدة، كيف لا وهو محام الاستئناف في محاكم بيروت.

أستمر بالقراءة لأصاب بانتكاسة غير متوقعة عند قراءتي لـ كِلّك

(إيدي شمس بتشلّحك ظلّك..

وتمي هوا ببوّسك كلّك..)

أية صورة هذه وأي رمز، بل أي غرق في بحر العذوبة؟ في النص السابق قيامة واشتغال في الاستهلال واشتغال في القفلة، وهما تجزآن عن النص وفكر كثير وبتلك تكون بنى القصيدة.

وهذا ومثله أجده في أغلب نصوص الكتاب، فقد اهتم المارون بالتكثيف والعناية وتحفيز الفكر والاهتمام باللفظ ليصنع نصاً مشرقاً في الحواس كلّا ص15:

(طعم الورد مسموع عاتمك..

رمشو صبيعي وما لحقت شمك)

تكثيف أنيق بلفظ ذكي مرتفع ليعبر عن الحواس الخمسة، التقاطة شعرية تجزئ عن كثير يقال..

في الوقت ص16نصٌّ ذكي ساحر هو محاولة العيش خارج الوقت واعتراف المارون بأن الحب قد يجعل من الحياة استمراراً لا يكون معه موت:

(جاع الوقت… عم ياكل الأيام..

ضلك معي.. بركن تعب بينام

وحدو الوقت بيختير الحبقة..

بيمحي الحبر.. عن طعجة الورقة…

ليقول: قومي اسهري شقيت جفني شوي..

بركي بشقة ضو بتفوتي

تقفّي معي سكوتي…

ضلك معي ما بتكبري ويمكن م بتموتي…)

محاكمة أنيقة للأشياء لتبرز إلى الذهن صورة المحامي الذي يمتلك القدرة على الدفاع ورفع التهمة عن موكليه، القادر على إقناع القاضي ببراءة الأشياء.

في آدم بعد حوا فكر افلاطوني يُعنى بتراتبية الأشياء:

( كانت قبل هالكون ما ضوا…

Your ads will be inserted here by

Easy Plugin for AdSense.

Please go to the plugin admin page to
Paste your ad code OR
Suppress this ad slot.

الله خلق حوا بعد آدم،

وشعري خلق آدم بعد حوا…)

حواء مبعث سحر واختلاف، والآدم الماروني مختلف وعمّ سحره ليفوق تلك الحواء ويكون مبعث شغف لها.

اجتزاءات لغوية وذكاء ماروني:

إنتِ … وأنا بقرا … وبتخلص الفكرة ص30

مافي وقت: بحبو مَ عندي وقت تاقلو.. وقتي الو كلو ص36.

في الله ص21 :(حلوة أنا؟ قديش؟ وتشدي

حلوه متل حرفين ــ عليو متل ايدين.. لامين بين ال آه والشدة..)

كم هو جميل رائع هذا التصوير! وكم هي جذابة فاتنة هذه التشابيه وهذه الحالة من التجلي.

في الكتاب كثير كهذا، حيث يعتمد المارون المشهدية وابتكار الصورة كما يفعل ممتهني الرسم والنحت وأصحاب قصيدة التفعيلة..

شظايا تخالج روح القارئ هذا ما أودعه المارون بين درفتين..

نصوص يقفز فيها الإيمان بأن لكل شيء نهاية مع أننا نعيش الأمل:

( فتحتو سما بالبال ومرقتو..

قلبي أنا مشتاق.. ما شتقتو.

لما الوقت ياخد معه هالكل..

يمكن معن بيفل..

حتى الوقت بدو يجي وقتو…)

في النصوص جاءت الصورة متعاملة مع التشابيه المختلفة الملتفة التي تحتاج لإعمال الفكر بعيداً عن التوغل في الإبهام والغموض في تعامل مع العادي والمألوف، واستحضار البيئة لتشكيل معالم الجمال والدهشة، قصائد منسابة عفو الخاطر بسلاسة وممتزجة بالعاطفة المشبوبة بالحس، ومحلقة مع طيور الخيال، ومنسجمة مع إيقاع الشعر وموسيقاه، فتجعلك تتفاعل معها فتتأثر بفلسفة بسيطة واضحة يندرج أسلوبها تحت مُسمَّى -السهل الممتنع- المتسم بألفاظ ومعانٍ بعيدة عن الرمزية المغرقة بالغموض، وإن كانت متواشجة بائتلاف وتناغم فتؤدي دلالاتها بالاستقراء والاستنتاج المعبر بعمق عن جوهر المضمون.

في النصوص حب ووطن وبشر مغايرون: مار انطونيوس – مريم – أحد البركة – الإمام الحسين – عشتار – جيش لبنان – كفرشيما – عاليه – طير دِبّا – جويا – مشغرة المقاومة – ملحم بركات – صباح.. والكثير من الأشياء التي تعني للقارئ الكثير.

وفي نصه تلويح إلى واقع الجمال والحب والحرية والإخلاص لوطن يعيشه حد الرهق:

(الماضي مضى.. وحدو النصر مسموح..

وباب القبر.. وسع القبر مفتوح

قام البطل زت الكفن عنو..

زاح الحجر.. خاف الرمح منو

وسيفو البرق.. كل ما مرق شي ليل..

عارقبة العتمات بيسِنّو..)

عموماً: إن محاولة وضع قراءة أدواتية لديوان أو مجموعة ما تختلف عن الرسائل البحثية الأكاديمية التي يستعملها الطلبة في الجامعات لنيل درجة. لذا من غير الممكن أن يتناول قارئ ما نصوص أي مجموعة يقرأها ليوظفها داخل مقال قرائي، لكنه يستطيع أن يشير إلى نماذج تمثل هذه المجموعة دون أن تكون هذه النماذج هي الأكثر شعرية داخلها. بل إنه مجرد اختيار لا على التعيين.

وأخيراً الجميل مارون ماحولي كاتب يكتب من واقع إيمانه بأن الكلمة تبلسم جراح المتعبين، تؤسس بحروفها فضاء محبة لبشر يسعون نحو الخير والحب والجمال ووطن أجمل، هي رجل يكتب مهنته أبجدية ليصنع الفرح وملامح الحق في وجود القارئين، مؤمناً بأن الأدب قبل الكتابة أدب، فجاءت عباراته بعيدة عن الفحش والبذاءة اللفظية شأن من يعتقدون بأن الكتابة المحكية هي انغماس في الشهوة والكفر والشتم والخروج عن المألوف.

بقي أن أؤكد أن هذه الرحلة ما هي إلا تعريف بكاتب وكتاب، وهي رحلة لا تغني عن قراءة الديوان «درفتين ومدى» للفائدة والاستمتاع بكل ما يحتويه بين دفتيه من وحي ونبوغ يتجلى في قصائد محكيّة، لشاعر مؤمن بأسرار كلماته، وانعتاق خيالاته حين يعانق السماء والغيوم، فيقطر الغيث، وتلوِّح المناديل لموسيقا الشتي، وتعلن عرس المطر..

(دخلك ي الله!

كيف خلقت اللون

تِرسم ورد وعيون

وسع الكون

ويلون النجمات تبديعك

يمسح صبيعك

بالسما ومن هون

قوس القدح.. من لون صابيعك…).

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: