قصائد حبٍّ سومريّة من الألف الثّالث ق. م. – فراس السّوّاح

فراس السواح

فراس السواح

جاء فنّ الكتابة الّذي ابتكره السّومريّون في جنوب وادي الرّافدين خلال الفترة الانتقاليّة من الألف الرّابع إلى الألف الثّالث قبل الميلاد، تلبيةً لحاجاتٍ عمليّةٍ تتعلّق بإدارة شؤون المعبد وأملاكه الواسعة، وإدارة شؤون القصر الملكيّ. كما أفاد منها التّجّار وأصحاب الإقطاعيّات الكبيرة. أمّا استخدام الكتابة في الأدب فلم يتمّ إلّا في سياق النّصف الثّاني من الألف الثّالث قبل الميلاد.

والأدب الّذي نتحدّث عنه هنا ليس الأدب الدّنيويّ الّذي لم يظهر إلّا بعد ذلك بألفين من السّنين لدى الإغريق، ولكنّه الأدب الدّينيّ الّذي بقيت موضوعاته محصورةً بالأساطير والملاحم والصّلوات والتّراتيل حتّى نهايات تاريخ الشّرق القديم. إلّا أنّ أولئك الكتبة العاكفين على تدبيج الأدب الدّينيّ كانوا كغيرهم من البشر مضطرمين بالعواطف والانفعالات الإنسانيّة الّتي لوّنت أدبهم أحياناً بطابعٍ دنيويٍّ، وعبّروا من خلاله عن أوضاعٍ إنسانيّةٍ مُسقطةٍ على العوالم القدسيّة، شأنهم في ذلك شأن المتصوّفة الّذين استخدموا مجازات العشق الدّنيويّ المكبوت في التّعبير عن العشق الإلهيّ.

يتّضح هذا الإسقاط عند الشّاعر السّومريّ في سلسلةٍ من القصائد الّتي تتحدّث عن الحبّ الّذي نشأ بين الإلهة إنانا، كوكب الزّهرة وإلهة الخصب والحبّ الجنسيّ، والإله دوموزي الّذي يمثّل روح النّبات. وكما سنلاحظ من سياق النّصوص الّتي سنعرضها فيما يلي، فإنّ إنانا لا تبدو هنا كامرأةٍ ناضجةٍ وسيّدةٍ خبيرةٍ، ولا يعكس سلوكها العامّ دورها كإلهة للسّماوات (وهو لقبها المعتاد)، وإنّما تبدو كفتاةٍ يانعةٍ يخفق قلبها بالحبّ الأوّل، وتسلك سلوك البنت الصّغرى في العائلة؛ وكذلك الأمر فيما يتعلّق بدوموزي الّذي يبدو في عزّ الشّباب مشغولاً بملاحقة إنانا ومحاولة إغوائها.

هذه الصّورة هي في الواقع أمرٌ ضروريٌّ من أجل استكمال مشهد الحبّ الإلهيّ الّذي ترسمه الأسطورة، باعتباره نموذجاً لكلّ حبٍّ أرضيٍّ ولكلّ خصبٍ ونماءٍ على المستوى الطّبيعانيّ، لأنّ الشّباب عنصرٌ ضروريٌّ لرفع أيّ مشهدٍ غراميٍّ إلى مستوىً جماليٍّ استاتيكيٍّ مؤثّرٍ.

لم يتمّ العثور على هذه القصائد في تسلسلها الأصليّ، ولكنّ التّسلسل الّذي سأعرضها من خلاله يبدو الأكثر منطقيّةً، وهو يبدأ بمشاهد اللّقاء السّرّيّ بين الحبيبين بعيداً عن الأعين، ثمّ إعلان الخطوبة، فليلة الزّواج. ونستدلّ من بعض المقاطع الواردة في هذه النّصوص أنّها كانت تتلى في احتفالات عيد الرّبيع السّنويّ ويجري تمثيلها دراميّاً، عندما تولد الطّبيعة في كلّ سنةٍ عقب اللّقاء الجسديّ بين إلهة الحبّ وروح النّبات.

في المشهد الأوّل يطول اللّقاء السّرّيّ بين الحبيبين، وتحاول إنانا التّملّص من ذراعيّ دوموزي لتهرع عائدةً إلى البيت قبل أن تكتشف أمّها غيبتها الطّويلة، ولكنّ دوموزي يقترح على إنانا بعض المعاذير الّتي تسوقها لأمّها ممّا تختلقه الفتيات إلى يومنا هذا، فغيبتهنّ دوماً مع هذه الصّديقة أو تلك، وثمّة أمرٌ ما ألهاهنّ حتّى نسينَ كم مضى من الوقت:
في اللّيلةِ الفائتةِ عندما، أنا الملكةُ، كنتُ أشعّ نوراً.
في اللّيلة الفائتةِ عندما، أنا ملكةُ السّماواتِ، كنتُ أشعّ نوراً.
عندما كنتُ أشعّ نوراً وأرقصُ.
عندما كنتُ أترنّمُ بأغنيةٍ لاقترابِ اللّيلِ.
(والإشارة في الأبيات السّابقة إلى إنانا كنجمةٍ للمساء).
هوَ التقى بي، هوَ التقى بي.
الرّبّ كولي آنا التقى بي (أي دوموزي).
الرّبّ وضعَ يدهُ في يدي.
أوشوم غالانا عانقني وضمّني إلى صدرِه (أي دوموزي).
-هيّا أطلِقْني أيّها الثّورُ البرّيّ فأهرعُ إلى البيتِ.
كولي إنليل (دوموزي) أطلِقْني فأهرعُ إلى البيت.
كيفَ أحتالُ بالقولِ على أمّي؟
كيفَ أحتالُ بالقولِ على أمّي ننجال؟
-دعيني أخبركِ بما تسوقهُ البناتُ من معاذيرَ:
قولي لقد صحبتني صديقتي إلى السّاحةِ العامّة،
حيثُ تسلّينا بالرّقصِ والموسيقا،
أنشَدَتْ لي أحلى وأعذبَ الألحانِ،
وفي بهجةٍ غامرةٍ أمضينا الوقتَ هناكَ.
بهذهِ الأكذوبةِ تأتينَ إلى أمّك.
فدعينا نطلقُ العنانَ لأنفسنا في ضوءِ القمرِ.
سأُعدُّ لكِ سريراً نقيّاً وهنيّاً.
فنقضي الوقتَ في لهوٍ ومتعةٍ.

الفنانة فاليا أبو الفضل

الفنانة فاليا أبو الفضل

في النّصّ الثّاني نجد إنانا عائدةً من لقائها بدوموزي، وهي تنشد أغنيةً تدلّ على قرب خطوبتها منه:
جئتُ إلى بوّابةِ أمّي،
أقفزُ في بهجةٍ وحبورٍ.
جئتُ إلى بوّابةِ ننجال،
أقفزُ في بهجةٍ وحبورٍ.
سوفَ يقصدُ أمّي وينطقُ بالكلمةِ المُنتَظَرة،
سوفَ يرشّ زيتَ السّروِ على الأرضِ.
هو الّذي يتضوّع عطراً،
وتبعثُ كلماتُه في قلبي السّرور.
سيّدي هو الجديرُ بالحضنِ المقدّسِ،
أو ماشوم غال آنا، صهر الإله سن: (والد إنانا)،
الرّبّ دوموزي هوَ الجديرُ بالحضنِ المقدّس.

في ليلة العرس يقصد دوموزي بيت إنانا في عربته الملكيّة ووراءه رتلٌ من الحيوانات والعبيد محمّلين بمختلف أنواع الثّمار ومنتجات الأرض، وهدايا زواجٍ نفيسةٍ. وهذا المشهد محفورٌ على فازٍ حجريٍّ عُثِر عليه في موقع مدينة أور السّومريّة ويعود بتاريخه إلى نحو عام 3100 ق.م. وبينما ينتظر دوموزي بفارغ الصّبر على البوّابة، تكون إنانا مشغولةً بحمّامها وزينتها:
الرّاعي أتى بالزّبدةِ إلى البيتِ الملكيّ.
وأمامَ البابِ نادى:
“افتحي البابَ سيّدتي، افتحي البابَ.”
أمّ إنانا قالَت لابنتها:
“أي بنيّتي، الفتى سيكونُ لكِ أباً،
أي صغيرتي، الفتى سيكونُ لكِ أمّاً،
فافتحي البابَ بنيّتي، افتحي البابَ.”
إنانا، نزولاً عندَ رغبةِ أمّها،
أنهَت حمّامها وتضمّخت بالزّيتَ العَطِرِ.
وضعَت عليها الرّداءَ الملكيّ الأبيضَ،
وجهزّت بائنتَها.
وبيدِها حملَت ختمَها،
بينما دوموزي عندَ البابِ فارغَ الصّبرِ.
وعندما فتحَت لهُ المصراعَ،
شعَّت من داخلِ البيتِ أمامَه
مثلَ ضوءِ القمر.

بقيّة هذا النّصّ مليئةٌ بالتّشوّهات والفجوات، ولكنّنا نعثر في نصٍّ آخر على هذه الحواريّة الّتي تكمّل بقيّة المشهد؛ وفيها يمزج الشّاعر بين جسد إنانا والأرض الّتي تطلق من باطنها الخيرات:
-“فرجي قرنُ الهلالِ،
فرجي قاربُ السّماءِ،
ملؤهُ رغبةٌ كالقمرِ الجديدِ،
وأرضي متروكةٌ بلا حرثٍ.
فمَن لي أنا إنانا
بمَن يرثُ لي فرجي؟
مَن لي بمَن يفلحُ لي حقلي؟
مَن لي بمَن يحرثُ أرضيَ الرّطبة؟”
-“أي سيّدتي العظيمةَ.
أنا دوموزي الملكُ من سيحرثُ لكِ فرجَكِ.”
– “إذن احرث فرجي يا رجلَ قلبي،
احرثْ لي فرجي.”
في حضنِ الملكِ ارتفعَ الأرْزُ
ومن حولِهما نما الزّرعُ عالياً
من حولِهما تدافعَ القمحُ سامقاً
وازدهرَ كلّ بستان.

في لقاءات شهر العسل التّالية بين الإلهين يعود الشّاعر في النّصّ التّالي إلى المطابقة بين الأرض وإنانا الّتي نراها عقب اللّقاء تطلق الزّرع والحبوب من رحمها أمام حبيبها:
لقد جاءَ بي، لقد جاءَ بي.
إلى البستانِ أخي قد جاءَ بي.
تمشّيتُ معهُ بينَ الأشجارِ المنتصبة.
وقفتُ معهُ عندَ الأشجارَ المنحنية.
وعند شجرة التّفّاح قرفصتُ بالوضعِ المناسب،
وأمامَ أخي القادمِ بالأغاني،
أمامَ الرّبّ دوموزي الّذي تقرّب منّي،
الّذي من شجرِ الطّرفاء تقرّب منّي،
الّذي من نخلاتِ عذوقِ التّمر تقرّب منّي،
دفقتُ الزّرعَ مِن رحمي،
وضعتُ الزّرعَ من رحمي، دفقتُ الزّرعَ أمامَه،
وضعتُ الحبوبَ أمامَه.

ولدينا مجموعةٌ أخرى من النّصوص نفهم منها أنّ اتّحاد إنانا ودوموزي على المستوى الماورائيّ، يُحفزّه اتّحادٌ جسديٌّ آخر يجري على المستوى الدّنيويّ خلال أعياد الرّبيع، يجري بين الملك السّومريّ والكاهنة العليا لمعبد إنانا. أمّا الفكرة الميثولوجيّة الكامنة وراء هذا الطّقس الدّينيّ فهي أنّ الإلهين يحلّان حقّاً وصدقاً في الملك والكاهنة في زواجهما المقدّس هذا، ويقومان من خلال وكيليهما بتجديد الحياة في الطّبيعة والإنسان والحيوان.

من هنا نجد أنّ الإله والملك يتبادلان الأسماء في سياق النّصّ، حيث يُدعى الملك باسمه أحياناً وبالاسم دوموزي أحياناً أخرى. ولسوف أركّز فيما يلي على ثلاثة نصوصٍ تصف طقس الزّواج المقدّس هذا.

من عصر الملك إدين درجان نحو عام 2000 ق.م، وصلتنا ترتيلةٌ طويلةٌ مرفوعةٌ إلى الإلهة إنانا، يرد في آخرها وصفٌ للزّواج المقدّس. وهذا ما بقي منها:
في رأسِ السّنةِ، في يومِ الطّقوسِ،
أُعدَّ لمليكتي مخدعاً لنومِها،
عطّروه بجرارٍ مليئةٍ بدهنِ الأسلِ والأرْزِ
وضعوهُ لمليكتي، لسريرها،
وعلى المخدعِ نشروا حلاوةً،
حلاوةٌ تبهج القلبَ وتضفي على السّريرِ عذوبةً.
مليكتي تستحمّ على الحضنِ المقدّسِ،
تستحمّ على حضنِ إدين داجان.
إنانا المقدّسةُ تغتسلُ بالصّابونِ،
ويُرشّ لها زيتُ الأرْزِ العطِرِ على الأرضِ
والملكُ يمشي رافعَ الرّأسِ إلى الحضنِ المقدّس.
أموشوم جال آنا (دوموزي) اضطجعَ معها،
ولاطفَ بحبٍّ حضنَها المقدّس.
وبعدَ أن لاذَت الملكةُ طويلاً في حضنِه المقدّس
غمغمت قائلةً: يا إدين داجان…
(البقيّة مفقودة).

ولدينا من فترة حكم الملك شولجي نحو عام 2100 ق.م، نصٌّ يصف رحلة هذا الملك إلى معبد إيَّانا المكرّس لإنانا في مدينة أوروك، وهو يحمل الهدايا لخطب ودّ الإلهة ودعوتها على الزّواج:
شولجي، الرّاعي المخلصُ الأمينُ، انطلقَ بقاربِه.
حطّ الرّحالَ عندَ رصيفِ كولاب (في أوروك)
فأخذتهُ روعةُ ناموسِ الملوكيّة، ملوكيّةُ سومر وأكّاد.
أتى معه بثيرانٍ جبليّةٍ ضخمةٍ تُساقُ بالأذرعِ،
أتى معهُ بنعاجٍ وماعزَ تُشدّ بالأيدي،
أتى بجداءٍ مرقّطةٍ وجداءٍ ملتحيةٍ تُحمَل إلى الصّدورِ،
إلى إنانا أتى بها في حرمِ إيَّانا المقدّس.
(وبينما شولجي يرتدي عباءته الطّقسيّة ويستعدّ للقاء إنانا، كانت الإلهة تُنشد في مخدعها وهي تضع اللّمسات الأخيرة على زينتها:)
بعدَ أن أستحمّ من أجلِ الرّبّ، من أجلِ الثّورِ البرّيّ.
بعدَ أن أزيّنَ أعطافي وأطلي بالعنبرِ ثغري،
بعدَ أن أُكحّلَ بالإثمدِ عينيّ،
بعدَ أن يحتوي خصري براحتَيهِ المليحتين،
بعدَ أن يضطجعَ الرّاعي دوموزي إلى جانبي،
بعدَ أن يمسّدَ حضني باللّبن والقشدة،
بعدَ أن يضعَ يدهُ على فرجي،
بعدَ أن يضمّني في الفراش إليه.
عندها سأعانقُ سيّدي وأرسمُ له قدراً طيّباً.

هذا القدر الطيّب الّذي ترسمه إنانا لملك البلاد، يصوّره نصٌّ آخر من الفترة نفسها، يركّز على تعداد الخيرات العميمة الّتي ستنتج عن زواج إنانا من الملك. فبعد مقدّمةٍ نجد فيها أنّ سرير إنانا قد تمّ تطهيره بالنّار من قبل إله النّار جيبيل، وأنّ الملك قد قرَّب قرابينه وانتهى من كلّ الإجراءات الطّقسيّة، تأتي ننشوبور وصيفة الإلهة وتقودها إلى عريسها ملتمسةً إيّاها أن تهبه حكماً وطيداً تفيض خلاله الخيرات على البلاد وتعمّ الوفرة:
لعلّ الرّبّ الّذي قرَّبته إلى قلبك،
لعلّ الملكَ تطولُ أيّامُه في حضنِك الإلهيّ.
امنحيهِ حكماً وطيداً ومجيداً،
امنحيه قدرةً على تسييرِ شؤونِ الرّعيّة،
من حيثُ تشرقُ الشّمسُ إلى حيثُ تغربُ،
من شمالِ البلادِ إلى جنوبِها،
ومنَ البحرِ الأعلى إلى البحرِ الأدنى،
على جميعِ سومرَ وأكّادَ امنحيهِ الصّولجانَ والمحجن،
فيرعى أهلَها أينما كانوا.
وكما يفعلُ الفلّاحُ فليضاعفْ غلالَ حقولهِم.
وكما يفعلُ الرّاعي فليُكثّر ماشيةَ حظائرِهم.
في أيّامِ حكمهِ ليكُن هناكَ زرعٌ وحبوبٌ،
وفي الأنهارِ فلتغزُر المياهُ،
وفي الحقولِ فلتكثُر المحاصيلُ،
وفي السّبخاتِ فلتُسمَع زقزقةُ الطّيورِ وصخبُ السّمكِ،
وفي الدّغلِ فليرتَع القصبُ القديمُ والجديدُ معاً،
وفي البراري فلتتناسل الغزلانُ والماعزُ البرّيّ،
وفي الحدائقِ فليجرِ الخمرُ والعسلُ،
وفي مساكبِ البساتينِ فليطلعِ الخسُّ والرّشادُ،
وليفضْ الماءُ في دجلةَ والفرات،
ويعلُ العشبُ على الضّفافِ ويملأُ المروجَ،
وملكةُ المزروعاتِ تكوّم الحبوبَ تلالاً.
أي مليكتي، يا ملكةَ السّماءِ والأرضِ، المحيطةَ بهما،
فليهنأ بأيّامٍ طويلةٍ في حضنِكِ المقدّس.

المراجع :
1– S.N. Kramer، The Sacred Mariage Rite ، Indiana University Press، 1969.
2– S.N. Kramer، Sumerian Sacred Mariage Rite : in : James Pritchard ، Ancient Near Eastern Texts ، Princeton ، New Jersy ، 1969.
3– D. Wolkstein and S.N. Kramer . Inana ، Harper ، New York ، 1982.
4– Th . Jacopsen ، The Treasures of Darkness : A History of Mesopotamian Religion ، Yale University ، 1978.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: