قوة المكان – بوزينون الحكيم

بوزينون الحكيم

1ـ البيت:

بانتقال الإنسان إلى الاستقرار من مرحلة الالتقاط والتنقل صياداً، باحثاً عن أسباب عيشه، كان الكهف المكانَ الثابت الأول الذي احتضنه، والحيـّزَ الذي وفـّر له الدفء والأمان والحلم.

قبل ذلك لم يكن المكان أكثر من سجل بيولوجي وجيولوجي لأحقاب وعصور طويلة. كان حيزاً حيادياً في غياب لغةٍ إنسانية تمنحه سمتاً واسماً وهوية مكانية، النشاط الإنساني أنـْسنه، واللغة بما تختزن من مفردات ومعان تنفتح على رموز ودلالات وآفاق شاسعة، تموسقتْ أحاسيس ومشاعر وانفعالات منحت الأمكنة سيمياء وهويات واقعية ومجازية تضفي عليها خصوصية وتميّزاً، وبالتالي حضوراً واقعياً جديداً وجاذبية نابضة بحياة، فيها يمتزج الزمان بالمكان في وحدة كيانية، قابلة للقراءة أوالاستقراء.

بداية كان الصوان وشظايا العظام قلماً يحفرفي الجدران الصخرية، ودماءُ الحيوانات وألوان عناصرالتراب حبراً، على جدران كهفه بأدوات بدائية ولغة تصويرية بسيطة عبّرالإنسان الأول عن أفكاره وانفعالاته وواقعه، وعن عالم خفيّ تزدحم فيه الصور والأخيلة. بالصلصال جسّد تصوراته عن الآلهة وقوى الطبيعة وكائناتها، ثم استمرت نزعة التصويروالنحت والحفر إلى اليوم، وتطورت إلى فنّ ومذاهب ومدارس تطبع المراحل التاريخية بطابعها الخاص، فأضحت تشكيلاً جمالياً أصيلاً، متداخلاً في صميم تشكيل المعابد والبيوت والمعالم العمرانية الأخرى.

موضوعتنا البيت ـ مستقلاً عن شكل محدد ـ البيتُ، الخلية ُالمكانية الأولى، الراسخة في الزمان، والمكانُ الحميميّ الذي تستقرّ فيه أجسادنا في حالة عميقة من الاسترخاء والهناء. وهويومياتنا وشريك أعمارنا وإنجازنا ونشاطنا الجسدي والعقلي بمحبة منشودة، وشريك أملٍ وتأمّل عميق في الحياة والإنسان والكون.

بالتجربة التاريخية الطويلة تمدد البيت محتفظاً بإلفته ورمزيته كحضن دافئ، إليه نأوي وفيه تتعززعلاقاتنا ومشاعرنا الإنسانية. إن نسبة ليست متواضعة من الناس تتشارك مشاعرحميمية في أماكن، هي بالنسبة إليهم البيت الثاني؛ البيت المعبد كملاذ هانئ للروح، والبيت مقرّ العمل بما يوفرمن تواصل ونسج علاقات إنسانية منتجة، والبيت الحقل ومرابع الاستجمام واللقاءات السعيدة… إلى ألوان ِبيوت أخرى، بما تحوزمن رموز ودلالات تمنح المرء حصة من السعادة.

بالإنسان والفعالية الإنسانية يأخذ المكان اسماً، فيه تتواشج الأحداث واللغات والمدلولات، يتأنسن، ويحمل هوية وملامح وذاكرة جديدة تنمووتتوسع أفقياً وشاقولياً، في أركانه تتسكع أنفاس وأرواح وأصداء وظلال، وتسري قوة هي قوة الإنسان والحياة التي غرسته في وجود، فضاءاته الفسيحة تتفتق ببراعم المعاني، وتتفتح فيما ورائه أزهاراللاوعي، أحلامٌ وأحلام يقظة ورهافة ُ صورتتموسق، وأصوات منبعها الأعماق، وخيالات ملونة في شفافية الأثير وسحره تتردد.

إن أكثر البيوت تواضعاً وفقراً، وأشدها إسرافاً في البذخ ووسائل الراحة يتشاركان رمزية حمايتنا وبث الطمأنينة في دواخلنا، بذكرياتنا العميقة بالغةِ القدم ننشرأجنحة الحنين وفضاءات التوق والخيال، مرتحلين إلى البيت الغابرالأول، وبوجداننا وذاكرتنا القريبة والبعيدة ننغمرفي حميمية بيوتنا، مترعين بنشوة تستوطن وعينا بوجودنا أطفالاً ويافعين، ثم مكتملي النمو الجسدي والعقلي والنفسي.

للبيوت أرواح تأنس بأرواح وظلال وأنفاس ساكنيها، من قضوا ومن بقوا أحياء، منها يستمد المكان قوته وجاذبيته وسرَّ الحنين المندمج بأزمنة انقضت، لكنها تبقى حاضرة بقوة في الآن، وتستمر في المستقبل ما دام المكان شامخاً راسخَ الجذور، منغرساً في انتمائه الأصيل. بشاعرية عذبة وخيال مجنح يضفي على البيت ألوان السحر والجمال نحتفظ بذكرياتنا الماضية، ونحتفي بها كطقس مقدس.

يمنح الإنسانُ البيتَ/المكانَ هوية، فلا يلبث أن يتعشقها ويتماهى بها، كينونتان تندمجان فتشكلان كينونة أكثررسوخاً، وأفصحَ تجلياً في الحضور. في العراقة الزمن لا يموت، ول ايهمس إلينا بالحلم فحسب، بل باسترجاعه نعبرمحطات عمرية ومواقف محفورة في تلافيف أدمغتنا، نتفقد تثبيتاتِ أزمنة ِ وفواصل مراحل عيشنا. في العراقة يغرس الحاضر جذوره، يستبطن إشراقتين، إشراقة الماضي بشاعريته وهنائه، وإشراقة المستقبل بآماله وعنفوانه، إنها قوة الحضوربأبعاده الشاعرية في “جماليات المكان” لباشلار، ارتباطاً بقيم الجمال كماعبّرعنها :

“البيت جسد وروح، وهو عالم الإنسان الأول… الوجود أصبح الآن قيمة. الحياة تبدأ بداية جيدة، تبدأ مسيجة محميّة في صدر البيت……. إن الشاعر يعرف جيداً أن البيت يحمل الطفولة ـ ساكنة بين ذراعيه. يقول ريكلة:

“البيت قطعة المرج، يا ضوء المساء

فجأة تكتسب وجهاً يكاد يكون إنسانياً”….

ومايزال الاقتباس من باشلار: “أنت قريب منا للغاية، تعانقنا ونعانقك… إن البيوت المتعاقبة التي سكناها جعلت إيماءاتنا عادية، ولكننا نندهش حين نعود إلى البيت القديم، بعد تجوال سنين، أن نجد أدق الإيماءات وأقدمها تعود للحياة”.

2 ـ البيت حين يتسع كوناً:

إن مقاربتي هذه لا تنوي الغوص في مؤلف باشلار، بل هي محاولة مقاربة بعجالة للبيت ـ المكان من حيث حيازته ورُسوخه وتجذ ّره التاريخي، وبالتالي تجذرالإنسان في انتمائه الزمكاني، ورسوخه كقيمة ورموز تاريخية حضارية وثقافية جامعة، وبأبعادها الإنسانية العميقة، ومن حيث الانتماء والهوية التبادلية بين المكان والإنسان، المانح الأول للهوية…

وتنفتح بعجالة أيضاً على “موضوعة الهوية المكانية والإرهاب العالمي، الإرهاب ـ الداء العضال وفق مفهومين:

ــ المفهوم الأول مفهوم “الاقتلاع” في مؤلف “تجذ ّر” للفرنسية سيمون فايل”، وفيه تطرح الفيلسوفة مفهوم الاقتلاع لوافدين أغراب إلى أوربا (الصناعية) إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، بكل ما رافق شتات هؤلاء المهاجرين من مشاعر الغربة والافتقار إلى مجال جغرافي ـ حيوي حميم، يعوضهم عن حالة الفقد والارتحال بعيداً عن الجذور، بما تكتنف من أبعادنفسية وروحية عميقة، وبالتالي افتقارهم إلى ذاكرة مشتركة للمكان.

ــ المفهوم الثاني مفهوم الاجتثاث في “الإسلام المعولم لألفييه روا”، وآخر تجلياته في الحركة الوهابية بعقيدتها القائمة على تدمير المكان ومحوه من الجغرافية والذاكرة، بدءاً بتدمير الأضرحة والمزارات، حتى لأضرحة الصحابة الأول، وليس انتهاء بـ “الأوثان” وبالمواقع الأثرية، وهذا النهج التدميري سيقود في النهاية إلى فك الارتباط بالمكان، وصولاً إلى “أمة الإسلام اللامحددة بمكان محدد”. فعلى نهج الإسلام في مرحلة النشوء، القائم على الهجرة كما لفـَتَ الدكتور سعيد ناشيد، تقوم فلسفة اللاانتماء المكاني. في الوهابية الانتماء العقائدي هو الأساس والحاكم. الهجرة الأولى في مرحلة نشوء الدعوة الإسلامية، من مكة إلى المدينة، والتقويم الهجري الذي يرسخ هذا الإيمان يحفران عميقاً في اللاوعي الجمعي، وهذا ما تجلى في طابع تشكيل المجاميع الإرهابية “الجهادية”من كل جهات الأرض ومن كل الأعراق، في ظاهرة إرهاب (متنقل)، جناحاه إرهابيون إسلاميون، ودوائرغربية استعمارية وصهيونية تستنبط لهم المسوّغ والعناوين والأهداف الزائفة. النتيجة مأساوية، والبحث في النتائج بعيداً عن جوهرالمعضلة ل ايقدم حلولاً، سيما وأن الإرهاب الإسلامي الوهابي وملحقاته من الإخوان المسلمون وغيرهم أضحى بين عشية وضحاها جائحة وتهديداً وجودياً لكيانات الدول والشعوب التي تضرب في الشرق العربي.

ومن يتتبع جذورالمشروع الوهابي والهدف منه، تلازماً وتكاملاً وعولمة ًمتوحشة، هي إلى الآن الحلقة الأخيرة في حقبة ما بعد الحداثة بنزعاتها التفكيكية ـ التقويضية وصولاً إلى عالم من الفوضى، محكومٍ بعدمية، يتحوّل الإنسان فيها إلى كائن مستلب هشّ، مغترب عن نفسه وعن عالم سقطت منه المقولات الفلسفية الكبرى، التي شادت وسادت الفكرالأوربي منذ عصرالفلسفة الإغريقية الذهبي إلى عصر الحداثة، من يتتبع ذلك يدرك أن شعوب العالم الإسلامي والسلطات الحاكمة شبه غائبة عن الوعي بالنزعات الغربية الراهنة، من شعار حوار الحضارات الملتبس، إلى صراع الحضارات، إلى نهاية التاريخ.

لقد دشّن الإنسان عصرما بعد الحداثة بويلات الحرب العالمية الأولى، فودع العقلانية الحداثوية بثورة في الفنون والأدب والنظرة الفلسفية للعالم، وصولاً إلى عالم نيتشوي أبّن فيه الإله بغموض حمّال أوجه، ونعى فيه هايدغر ودريدا العقلانية التي “لم تكن على يقين ولا وضوح كما ادعى الحداثويون أو العقلانيون”.

حين نستذكرالحرب الباردة ومآسي الشعوب المستضعفة في أتونها، تنتصب التغريبة الفلسطينية مأساة ًبحجم شعوب، وهزيمة أخلاقية للفكر والسياسة بحجم أمم، مأساة كان فيها العالم المتحضر الشريكَ وشاهد الزورعلى أعمق تراجيديا إنسانية في التاريخ الحديث. التغريبة العراقية والتغريبة السورية كانتا التغريبتين الضروريتين لاستكمال المشروع الاستيطاني الشامل في فلسطين.

لقد بدّل ااستعماريّو العولمة أقنعتهم وقفازاتهم الحديدية، ولم يبدلوا في طبيعتهم وفي أهدافهم.

فالشرق القديم الحضاري، بما هو أبو حضارة العالم القديم يجب أن يزول بهويته الحضارية، تأسيساً لعالم العولمة المنشود، ولا يزول إلا بمسحه من الجغرافيا والتاريخ والذاكرة، وتفيض عن التوثيق والاستقراء والخيال إنجازات الإرهاب بوجهه الإسلامي المعولم، من مسح مدن أثرية من الوجود واقتلاعها من جذورها، وازدهارمهنة الإتجار بالآثار المسروقة وبالسبايا والأطفال وبالأعضاء البشرية.

إن حجم الدمار وتشتت الملايين جراء التغريبات الثلاث في أصقاع الأرض، و(الحبل على الجرّار)، وما يرافقها من تدمير نفسي وروحي، إن تلك الفلسفة التدميرية العدائية بهدف تجريد المكان من قوته بكل جمالياتها، إن ذلك من أدعى الأسباب التي تقول بالاعتراض على “تبئير” ظاهرة الإرهاب، التي أضحت جائحة، وحصرها (وفق رؤية سيمون فايل) بتجمعات مهاجرين يقطنون هوامش المدن الأوربية، متجاهلة المشكلة الأساس، وتلازم مشروع الإسلام السياسي بكل مسمياته بالمشروع الاستعماري الغربي /الصهيوني، والذي لا يخفي أهدافه في إقامة دولة إسرائيل الكبرى كمشروع استيطاني /إحلالي، وتحققه رهن بتدمير الإنسان والمكان /الذاكرة والتاريخ، وما تحقق له في غضون ثماني سنوات خلت، من تهجير جماعي وجرائم إبادة جماعية، ومن إبادة للمكان التاريخي ليس إلا امتداداً لاستكمال مشروع التغريبات الثلاث آنفة الذكر.

إن حالة النكران والتملص الغربي من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن دمارمستمرومتصاعد لدول وشعوب في المشرق العربي، وتسويق الإرهاب الوهابي/الإخواني مقترناً بديموقراطية شوهاء، تنتهك أبسط حقوق الإنسان في العيش بحرية وكرامة وأمان، إن ذلك لا يعفيها من المسؤولية التاريخية أمام العالم.

الأرض بيتنا الكبير(our great home):

يقول باشلار: “لقد اكتشفتُ للتوّ الدلالة الأنثوية لعش قائم فوق مفترق غصنين، واتخذ الحرش دلالة إنسانية. الشجرة التي نالت شرف استضافتة انخرطت في سره”.

يا لها من دعوة إنسانية غامرة جديرة بالاحترام، في وجه زيف عولمي لوّث الفضاء، وسدّ منافذ الأفق!

وكما أن التاريخ الإنساني حافل بالطغاة، فإنه غني بإلإنسان عالميّ النزعة والفكرفي مختلف العصور.

ففي القرن الثاني قبل الميلاد عاش الشاعرالسوري “ميلياغروس”، هو في نظر أغلب النقاد الأب المؤسس للشعر السوري، عاش حالماً بعالم يتسع بحبّ للجميع، وبكونٍ هو كون الإنسان العالمي. يقول ميلياغروس: “إننا نعيش في بلد واحد هو العالم.”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: