قِيْدَ أُنمُلة – قصة قصيرة – رغد جديد

قِيْدَ أُنمُلة – قصة قصيرة – رغد جديد

رغد جديد
رغد جديد

شخصٌ آخر يُضاف اليوم إلى القائمة السوداء التي ستتحول إلى حمراء لكثرةِ الدماء التي ستُراق، سوف أقتلهم، سوف أرقصُ فوق جثثهم، هل أُحرِقهم؟ هل أشنقهم؟ لا أدري، المهم أنني سأُبيدهم من خارطةِ الزمن التي جعلتنا نسكنُ الحيّزَ الجغرافيَّ نفسَه.

لنبدأ من ذلك الوسيمِ ذي العيون اللوزيةِ الذي يتصدر القائمة، سأتفنن في تعذيبهِ وأجعل كلَّ شبرٍ من جسده – ما عدا عينيه طبعاً – يستميتُ توسّلاً، سأفتحُ رأسه وأضع دماغه في ثلاجة الموتى عسى أن تنكمشَ تلافيفه المسطّحة فتتدفقَ ينابيع الذكاء منها، الآن بعد أن أردتُ إعطاءَ ما نشعر به فرصةً يتصرف على هذا النحو؟! لقد أصبحتُ أضحك على دعاباته السخيفة، أصبحت أتعمد الانسحابَ من الجلسة عندما ينفرد بأحاديثَ جانبيةٍ مع فتاةٍ أخرى، أصبحتُ أتأخر على موعد درس الرسم كي أبقى معه أكثر وأبكّرَ من موعد مبادرته واعترافهِ بحبه، ولكنْ كلُّ ما أصبحتُ عليه لم يمنعه ممّا أمسى عليه من تجاهلٍ؛ تجاهلٍ في السلام، في الكلام، في الاهتمام، أما أكثر ما يقتلني ولا أقوى على قتله فهو تجاهلُ عناق أعيننا.

ها هو ذا قلمُ صديقتي يعانقُ خاصرتي كي أستيقظَ من عناقي لأحلامي الورديّةِ المحمرّةِ بدماء أبطال قائمتي وأنتبهَ إلى ملاحظات أستاذ الرسم، سحقاً لها… لقد وخزتني بقوّةٍ وكأنها تعلمُ أنها أحد هؤلاء الأبطال، حسناً… بما أنّ الشيءَ بالشيءِ يُذكرُ سوف أتحدّثُ عن دور بطولةِ صديقتي:
لم تستطع التماسَ أيِّ عذرٍ لاعتذاراتي المتكررة، أعلمُ جيّداً أنّ تدهور وضعِ عائلتي المادي صار يؤثّر على المستوى المادي لنشاطاتنا الأنثويّة شبهِ اليوميّةِ من تسوّقٍ وتسكّعٍ في المقاهي وارتيادٍ لصالونات التجميل، فبُتُّ أرى نفسي أنزلقُ على الخطِّ البيانيِّ الذي يوضحُ مكانتي لديها لتتسلّقَ هي – على نحوٍ مقابلٍ – سُلَّمَ قائمتي درجةً تلو أخرى.
يا لعلوِّ مكانتك يا صديقتي! لم أكن أعلمُ أنك بارعةٌ في تسلُّقِ شيءٍ آخر غير فواتير تلك النشاطات.

أقسمُ إنني أتحدث اللغةَ العربيةَ بطلاقةٍ، إنها لغتي الأمّ إنْ لم تكن تعلم يا أستاذي العزيز، هيا… انتقل إلى فكرةٍ أخرى فلقد فهمتُ جيداً الخللَ في قياسِ أنف عجوزي بالنسبة إلى وجهه المفلطحِ، أم أنّ عشقَك للرسم جعلكَ ترسم دوائرَ في موضعٍ واحدٍ لا تبرحهُ، لا تظنّه تهديداً ولكنْ أخشى عليك من عنادك الذي سيحوّلُ هذه الدوائرَ إلى خطوطٍ مستقيمةٍ تطير بك إلى رأس القائمةِ.

حقاً لا أدري ما السر الذي يجعلني أصعد درجاتِ سُلَّم صوته الموسيقية لأتربّعَ عرش أحلامي الإجراميةِ فأبدأَ التخطيطَ وتوزيعَ ضحاياي على عرش القائمة بتسلسلٍ وترتيبٍ مُحكمَيْن، بدأ شرودي يتكرر كثيراً في الآونةِ الأخيرة وأخشى أن… ما الذي يجب أن أخشاه؟! الحقُّ على سكان الكرة الأرضية، هُم مَن فتحوا أبواب الجحيم في جوفي، بالتأكيد ما كنتُ لأصنع أية قائمةٍ لولا إصرارُهم على إبادة آخر فردٍ من معشرِ اللطفاء؛ وهو أنا.

أخيراً… انتقل أستاذي إلى فكرةٍ أخرى، وأنا أيضاً أنتقلُ إلى التفكيرِ في ذلك العضو الجديد الذي أضفتُهُ اليوم إلى قائمتي، بصراحة… أنا حزينةٌ لإضافته ولكنْ ما باليد حيلةٌ، فهو المُلامُ الوحيد على إضاعته ما منحتُه من فرصٍ: “دوكي” كلب جارتنا الأبيض الجميل، كم أحب ملمسَ فرائه وحنانَ نظرته ودفءَ نباحه حين يراني، لا… لا… لن أضعُف، أليسَ هذا الدفءُ هو الذي حرمكِ دفءَ الفراش يومين كاملين؟ أجيبي… حسناً… تابعي تتابعَ السلسلة: نباحٌ طوال الليل… استيقاظٌ طوال الليل… شرودٌ طوال الدرس… قائمةٌ بدأت تطول… إذاً لا بدّ من التخلص من “دوكي” لكيلا أفقد سيطرتي على مَن حولي وأضيفَهم في لحظةِ غضبٍ طائشةٍ قد أندمُ عليها لاحقاً.
ما أكثر هذه اللحظات عندما لا أنامُ جيداً فما أحوجني إليك الآن يا “دوكي” لأحقُن الدماء!

سلفادور دالي

– “كيف تستطيعين نسيانَ شيءٍ مهمٍّ مثل هاتفك؟!… خذي… لقد نخر رأسي لكثرة رنينه”.

استقبلتني أختي بتذكيري بأكثر شيءٍ لا يهمني قاطعةً سيلَ اهتماماتي الحنونة التي كنتُ أوزّعها على سكان الحيِّ في طريق العودة: “أبو همام” وبِقالتُه ذات الأسعار المضاعفة، “حمودة” الذي يتعمّد أن يصيبني بالكرة كلّما اضطرِرتُ إلى العبور فيضطر الصّبيَةُ إلى إيقاف لعبهم؛ الصبية أعضاء الفريق وليس هو، “أم تحسين” الراعية الرسميةُ لأية كلمة (مرحبا) أقولها لشابٍّ في الحيّ من خلال شركتها… أقصد شرفتَها التي لا تبرحها أبداً… مهلاً… كلمتان جوهريتان فقط قالتهما أختي: “كثرة رنينه”… حقاً!!!
سارعتُ إلى تفقدهِ، لم يهاتفني أحد، يا لَلمفاجأة!! إشعاراتٌ كثيرةٌ على عدد الإعجاباتِ والتعليقاتِ التي نالها آخر (بورتريه) نشرتُه على صفحتي الشخصيّة، ما هو الشيءُ المختلفُ في هذا البورتريه حتى تكونَ له حصّةُ الأسد ويظِلمَ إخوتَه السابقين الذين لم يحصدوا أكثر من بضعة إعجابات؟

– “يا لَلمفارقة الجميلة…مبدعة”
– “فنانة يا دمدووم”
– “وااااو… استمري ولا تستسلمي أبداً، كوني كهذه الطفلةِ تماماً”
– “نبتسمُ رغم الحزن…جميلٌ جداً”
فرحتُ جداً لهذا التفاعل الذي نالته لوحتي على نحوٍ غير معتادٍ لكنني لم أستطعْ كبحَ جماحِ الشك في أن تكونَ هذه التعليقاتُ قد ضلّت طريقَها إلى منشورٍ آخر أو لوحةٍ أخرى فيها دموع على الاقل، أين الدموع في وجه طفلتي التي تكادُ ابتسامتُها تمزّقُ طرفي اللوحة؟
دفعني الشك إلى تفقّد لوحتي من جديدٍ… لا دموع… تفقّدتُ الصورةَ التي التقطتُها لها… ما هذا؟!… هناك دموعٌ تسيلُ من عين الطفلة اليمنى!
هل علمَ أحدُ أبطال قائمتي بمصيره فسَحرني؟ أيُّ جنونٍ هذا!! لم أرسم دمعةً واحدةً فمن أين جاء هذا الخطُّ البدائيُّ الذي يخلقُه رضيعٌ إذا طُلِب منه أن يرسم دموعاً؟
دقّقتُ في الصورةِ أكثر… لا أصدّق… ضحكتُ كثيراً حتى انهمرت دموعي أنا… غير معقول!!… كان هذا الخطُّ رتلاً أحاديّاً لبضع نملاتٍ تهافتنَ بانتظامٍ على حبات السكر التي سقطَت مني وأنا أتناولُ قطعةً من الشوكولا بينما كنت أرسم، يا لَهذه المصادفةِ التي أسقَطَت حباتِ السكر تلك تحت عين طفلتي تماماً!! خطٌّ صغيرٌ من النملاتِ لا يتجاوزُ قِيد الأنمُلة صنع هذه المفارقةَ اللطيفةَ التي صنعت بدورها لوحةً جديدةً أجمل من الاصلية بل ذاتَ دلالةٍ أعمق، قيد أنمُلة فقط، هذا هو مقدار التغيير أو بالأحرى هذا هو مقدارُ التحرك من أجل خلقِ التغيير… القائمة… نعم، مقدارٌ كبيرٌ جداً لم يخلق لي التغيير الذي أريد في حياتي لأنه استنزف – لِكبَرِه – تفكيري به فغلبتِ الوسيلةُ الغايةَ، قيد أنمُلة فقط، أنظرُ إلى الصورة المُلصقةِ على الجدار فوق سريري؛ صورة الجمجمةِ التي شكّلتها أجسادُ سبع فتياتٍ عارياتٍ وإلى جانبها يقف الرسامُ الإسباني “سيلفادور دالي” صاحب فكرةِ هذه الصورة الفوتوغرافية، إبداعٌ يطمرُ فكرة القائمة السوداء حتى أنني شعرتُ في هذه اللحظة بمدى تقليديّتِها، أضحك من جديدٍ إلى أن تنهمر دموعي أنا من جديدٍ، من الصعب أن أغيّرَ مخططاتي الشريرةَ بين لحظةٍ ومُعقِبَتِها بَيْدَ أنني قلتُ لكِ تحركي بأفكاركِ قيد الأنمُلة التي رسمَتْها تلك النملاتُ لا قيد جمجمة… قيد أُنمُلةٍ فقط.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: