كارل غوستاف يونغ: الرّسم كمدخل إلى العالم النفساني وإدراك الذات – ترجمة: فادي أبو ديب

كارل غوستاف يونغ: الرّسم كمدخل إلى العالم النفساني وإدراك الذات – ترجمة: فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

تنويه: النصّ الأصلي مأخوذٌ من فصلٍ ضمن كتاب كارل غوستاف يونغ Modern Man in Search of a Soul
الصفحات 65-70، 71-72 (مع حذفٍ قليلٍ من المقاطع غير المتصلة بالموضوع مباشرةً)
(العنوان من اختيار المترجم).

هنالك أمرٌ يمثّل أهميةً بالغةً بالنسبة إليّ وهو أن أعرف كل ما أستطيعه عن علم النفس البدائيّ والميثولوجيا وعلم الآثار وعلم الأديان المقارَنة، وذلك لأنّ هذه المجالات تمنحني تشابهاتٍ analogies لا تقدّر بثمنٍ أتمكن بواسطتها من إغناء قدرة مرضاي على تكوين الارتباطات [بين العناصر الحُلمية وما ترمز إليه].

وبعملنا سوياً نستطيع حينها أن نكتشف أنّ ما يبدو في الظاهر، غير ذي صلةٍ وعديم الأهمية هو في الواقع مليءٌ بالمعنى ويزيد بشكلٍ هائلٍ فعالية الحلم، ويكون بالتالي الولوج إلى حيّز الاختبار المباشر ذا قدرةٍ تحفيزيةٍ عند أولئك الذين حققوا أقصى إمكانياتهم على الصعيدين الشخصي والعقلاني في الحياة ولم يتمكنوا بعد من إيجاد أي معنىً أو شعورٍ بالاكتفاء في هذه الإنجازات. بهذه الطريقة أيضاً تغيّر الوقائع الملموسة والأمور العادية ملامحها لا بل قد تكتسب سحراً جديداً. الأمر يعتمد في النهاية على كيفية النظر إلى الشيء وليس على ماهيته في ذاته؛ فالأمر ذو المعنى مهما صغُر شأنه يبقى أكثر قيمةً في الحياة من أعظم الأشياء المجرّدة من المعنى.

ولا أعتقد أنني أقلّل من خطر هذا المسعى فنحن هنا كمن يبني جسراً معلّقاً في الفضاء، لا بل يمكننا أن نزعم هنا بالفعل -كما يجري غالباً- أنّه باتباع هذا المسار فإنّ كلّاً من الطبيب ومريضه ينغمسان في التخيّلات المحضة. ولكنني لا أعتبر هذا اعتراضاً وإنّما هو عين الصواب، لا بل أنّني أقوم بما بوسعي لدعم المريض في تخيّلاته هذه. ولأكون صادقاً فإنني ممن يدعمون التخيلات بقوةٍ؛ فهي بنظري الجانب الخلّاق الأموميّ للروح الذكورية. ومهما قلنا وفعلنا فلسنا بمأمن منها.

صحيحٌ أنّ هنالك بعض الخيالات عديمة القيمة وغير السليمة والمريضة وغير المُقنعة والتي سيميّز سريعاً طبيعتها العقيمة أي شخصٍ لديه الحد الأدنى من الحدس الطبيعي، ولكن هذا لا يثبت طبعاً أيّ شيءٍ ضدّ قيمة المخيّلة الخلّاقة؛ فكل أعمال الإنسان نشأت في الخيال الخلّاق. كيف يكون لدينا الحق إذن في التقليل من قدر المخيّلة؟ ففي السياق الطبيعي للأمور لا تنحرف الخيالات بسهولة، فهي من العمق بالقدر الذي يجعل الأمر من الصعوبة بمكان. كما أنّها وثيقة الارتباط بالجذر الرئيسي للغريزة الإنسانية والحيوانية، وهي دائماً ما تعيد تصحيح نفسها بطرقٍ مفاجئةٍ.

إنّ النشاط الإبداعيّ للمخيّلة يحرّر الإنسان من عبودية عباراتٍ مثل “ليست سوى كذا” ويطلق في داخله روح اللعب. وكما يقول شيلر فإنّ الإنسان لا يكون إنساناً تماماً إلّا حينما يلعب. هدفي هو أن أستحضر حالةً نفسيةً يبدأ فيها المريض بإجراء التجارب على طبيعته الشخصية – حالة سيولةٍ وتغييرٍ ونموٍّ لا يكون فيها أيّ شيءٍ ثابتاً أو متحجّراً بشكلٍ نهائيٍّ بفعل قوةٍ خارجيةٍ. وهنا لا أستطيع تقديم تقنيتي هذه إلا بتبيان مبادئها العامة؛ فالقاعدة بالنسبة إليّ خلال التعامل مع حلمٍ أو خيالٍ معيّنٍ هي أن لا أمضي أبعد من المعنى الذي يترك تأثيراً على المريض، فأنا أكافح في كلّ حالةٍ أن أجعل هذا المعنى واعياً عنده قدر الإمكان بحيث يتمكّن أيضاً من أن يعيَ ارتباطاته فوق الشخصية suprapersonal وهذا أمرٌ على قدرٍ من الأهمية؛ فعندما يتعرّض الشخص لحدثٍ عامٍّ [لا يقتصر عليه وحده] ثم يفترض أنّ هذا الأمر اختبار يخصّه وحده فإنّ موقفه يكون جليّ الخطأ، أي شخصيّ جداً، ناحياً به إلى استثناء نفسه من المجتمع البشري. ونحن لا نطلب مجرّد وعيِ شخصيٍّ معاصرٍ بل أيضاً وعياً فوق شخصيٍّ منفتحٍ على الإحساس بالاستمرارية التاريخية.

ومهما بدا هذا أمراً غير جديرٍ بالتصديق تُظهر التجربة أنّ العديد من أنواع العُصاب تسبّبها حقيقةً أنّ الناس يُعمون أنفسهم عن دوافعهم الدينية في سبيل شغفٍ طفوليٍّ بالاستنارة العقلانية. وهنا يجدر بالعالم النفساني أن يدرك بشكلٍ واضحٍ ونهائيٍّ أننا لا نتعامل مع مسائل عقائديةٍ ودساتير إيمانٍ، لأنّ الموقف الدينيّ عنصرٌ من عناصر الحياة النفسية التي لا نبالغ مهما أكّدناعلى أهميتها. وبالنسبة لوجهة النظر الدينية تحديداً يبرز الإحساس بالاستمرارية التاريخية كأمرٍ لا غِنىً عنه.

الفنان معتز العمري

الفنان معتز العمري

وطالما أنني أساعد المريض على اكتشاف العناصر الفعّالة في حلمه، وطالما أنني أحاول أن أظهر له المعنى العام لرمزه، فإنّه يبقى، من الناحية النفسانية، في حالة طفولةٍ، لأنّه يكون في هذا الوقت كليّ الاعتماد على أحلامه ويسأل نفسه دائماً إذا كان الحلم اللاحق سيلقي المزيد من الضوء أم لا. كما أنّه يكون أيضاً في حالة اعتماد على خروجي أنا بأفكارٍ عن أحلامه وعلى قدرتي على تعميق بصيرته من خلال معرفتي. وبذلك يبقى قابعاً في حالةٍ غير فاعلةٍ غير مرغوبٍ بها تكون فيها كل الأشياء غير أكيدة وموضع شكٍّ، حيث هو ولا أنا نعرف نهاية الرحلة. ولا تكون غالباً هذه الحالة غالباً أكثر من مجرّد مسيرٍ يحاول تلمّس الأشياء في الظلمات المصرية [الفرعونية]. في هذا الوضع لا يجب أن نتوقع أيّة نتائج شديدة التمايز، لأنّ حالة عدم اليقين عظيمةٌ جداً. وبالإضافة إلى ذلك فإننا نواجه باستمرارٍ الخطر المتمثّل في أنّ ما ننسجه في النهار يأتي الليل ليحلّ عُراه. الخطر أنّ لا شيء يحدث، لا شيء يحتفظ بهيئته. وليس من النادر أن يحصل في مثل هذه الظروف أن يرى المريض حلماً غريباً أو غنياً بالألوان ويقول لي: “أتعلم، لو كنتُ رسّاماً لصنعتُ منه لوحةً!” أو يكون الحلم نفسه متعلّقاً بالصور الفوتوغرافية واللوحات والرسومات اليدوية أو المخطوطات المزخرفة أو ربما الأفلام.

وقد حوّلت هذه اللمحات إلى سجلّ عمليّ، فأنا الآن أحثّ مرضاي في أوقات كهذه على رسم ما رأوه في الحلم أو الخيال. ولكنني دائماً ما أواجه هذا الاعتراض: “أنا لستُ رسّاماً!” مما يجعلني أجيب عادةً بأنّ الرسّامون المُحدَثون ليسوا بالفعل رسّامين أيضاً، ولأجل هذا السبب بالذات نرى الفن التشكيلي الحديث حرٌّ كلّياً، حيث لم تعد القضية تتمحور حول ما هو جميلٌ بل فقط حول الجهد الذي يُبذل في تشكيل اللوحة. أمّا الصلة الضعيفة التي تربط الرسم لديّ بـ”الفنّ” فقد أدركته مؤخراً في حالة رسامة بورتريهات موهوبة؛ فقد كان عليها أن تعود إلى البدايات باذلةً كل الجهود الطفولية المحزنة (وكأنّها، حرفياً، لم تمسك أبداً ريشةً في حياتها)؛ فرسم ما نراه أمامنا يختلف عن رسم ما نراه في داخلنا.

هكذا إذاً يبدأ كثيرٌ من مرضاي بالرسم. وأستطيع أن أفهم جيداً أنّ الجميع سيعتبر هذا نوعاً من عمل الهواة العقيم كلياً. ولكن يجب أن نتذكّر، مع ذلك، أننا لا نتكلم هنا عن أناسٍ ما زالوا في مرحلة إثبات نفعهم الاجتماعي، بل عن هؤلاء الذين لم يعد باستطاعتهم إيجاد معنىً لقيمتهم بالنسبة إلى المجتمع، والذين اصطدموا بالسؤال الأعمق والأكثر خطورةً عن معنى حياتهم الفردية. فكون المرء جزءٌ من الجمهور يمتلك معناه وفتنته فقط بنظر الأشخاص الذين لم يرتقوا بعد إلى تلك المرحلة، أما الذين اختبروا تلك المرحلة حتى الإشباع فلا يعود الأمر يعني لهم أيّ شيءٍ. لا أحد ينكر أهمية حياة الفرد إلا “المربّي” الذي يفتخر بتربية البشر ذوي الميول الجمعية، ولكن أيّ شخصٍ آخر سوف يصل عاجلاً أم آجلاً إلى إيجاد هذا المعنى [حياته الفردية] لنفسه. ومع أنّ بعض مرضاي يقدّمون بين الفينة والأخرى أعمالاً إبداعيةً جميلةً من الناحية الفنية وقد تستحقّ أن تُعرَض في معارض”الفن” الحديث، إلا أنني مع ذلك أتعامل معها وكأنّها عديمة القيمة تماماً بحسب تقييمات الفنّ الحقيقي، لا بل إنّه من الجوهري أنّ لا تُنسَب إليها مثل هذه القيمة وإلّا قد يُخيَّل إلى صانعيها أنهم فنانون حقاً وهذا سيفسد النتائج الجيدة لهذه الممارسة؛ فليست المسألة مسألة فنّ –أو بالأحرى لا يجب أن تكون كذلك- ولكنها شيءٌ أكثر، شيءٌ يزيد من مجرّد الفنّ. إنّه بالتحديد التأثير الحيّ على المريض نفسه. إنّ معنى حياة الفرد المُهمَلة الأهمية من المنظور الاجتماعي يُمنَح هنا القيمة الأعلى، ولأجله يصارع المريض ليكوّن شكلاً، مهما كان بدائياً وطفولياً، لما لا يعبَّر عنه.

ولكن، لمَ أشجّع المرضى على التعبير عن أنفسهم في مرحلة معيّنة من التطوّر بواسطة الريشة أو القلم أو قلم الرصاص؟
إنّ غرضي هنا هو نفسه المتعلّق بمعالجتي للأحلام، وهو أنني أرغب في إحداث أثرٍ. وفي الحالة الطفولية الموصوفة أعلاه يبقى المريض في حالة اللافعالية أو في حالة الاستقبال، ولكنه الآن يبدأ في لعب دورٍ فاعلٍ؛ ففي البداية يضع على الورق ما قد أتى إليه في الخيال، وهو بذلك يعطيه صفة الفعل المدروس. فهو لم يعد يتكلّم عنه فقط ولكنه يقوم فعلياً بشيءٍ ما حياله. ومن الناحية النفسية، يبقى إجراء المرء حواراً شيقاً مع طبيبه مرتين في الأسبوع -والذي تبقى نتائجه معلّقةً في الهواء- أمراً مختلفاً كلياً عن الصراع لساعاتٍ عديدةٍ في كلّ مرّةٍ مع فرشاةٍ وألوانٍ لا تنصاع له لينتج في النهاية شيئاً يبدو من وجهة النّظر السّطحية عديم المعنى تماماً.

وحتى لو كانت خيالاته عديمة المعنى حقاً بالنسبة إليه فإنّ الجهد المبذول لرسمها سيكون بالغ الإزعاج إلى درجةٍ يصعب عليه عندها أن يمارس هذا التمرين مرةً أخرى. ولكن بما أنّ خيالاته لا تبدو في نظره عديمة المعنى تماماً فإنّ إشغال نفسه بها يزيد أثرها عليه. وعلاوةً على ذلك فإنّ الجهد المبذول لمنح الصورة هيئةً مرئيةً يجبره على دراستها بكلّ أجزائها، بحيث تخضع تأثيراتها للاختبار بشكلٍ كاملٍ.

إنّ ممارسة الرّسم تُضفي على الخيال عنصراً حقيقياً، مانحةً إياه بالتالي قيمةً أكبر وقوةً دَفعيةً أعظم. وفي الواقع ينبغي أن أعترف أنّ هذه التصاويرالبدائية تُحدِث بالفعل آثاراً صعبة الوصف إلى حدٍّ ما؛ فعندما يرى المريض مرةً أو مرتين كيف أنّه قد تحرّر من حالته الذهنية البائسة من خلال تشكيل صورةٍ رمزيةٍ فإنّه سوف يلجأ من الآن فصاعداً إلى هذه الوسيلة التحريرية كلما ساءت الأمور معه. وبهذه الطريقة سيكتسب شيئاً لا يقدّر بثمنٍ، ألا وهو نموّ الاستقلالية، وهي خطوةٌ نحو النضج السايكولوجي. كما يمكن للمريض أن يجعل نفسه مستقلّاً إبداعياً عن طريقة هذه المنهجية، إذا كان بإمكاني إطلاق هذا الاسم عليها؛ فهو الآن لا يعتمد على أحلامه أو على المعرفة التي يمتلكها طبيبه، ولكنه قادرٌ على منح اختباره الجوّانيّ شكلاً وهيئةً عن طريق رسمه؛ فما يقوم برسمه عبارةٌ عن خيالاتٍ فعّالةٍ، فعّالةٍ بمعنى أنّها هي التي تجعله فاعلاً وتجعل ما هو فاعلٌ في داخله كذلك، ولكن ليس بالطريقة التي أخطأ بها في السابق عندما خلط بين الأنا الشخصيّ والذات. إنّه الآن عين نفسه بمعنىً جديد، لأنّ أناه يظهر الآن كموضوعٍ تحرّكه قوى الحياة في داخله. وهو يكافح الآن ليمثّل بأكمل شكلٍ ممكنٍ، في سلاسل لوحاته، ذلك (أو تلك) الذي (التي) يعمل/ تعمل في داخله، ليكتشف في نهاية المطاف أنّه/ا المجهول والغريب الأبدي، أي الأساسات المخفيّة للحياة النفسانية.

ليس من الممكن أن أصف إلى أيّ حد تغيّر هذه الاكتشافات موقف المريض وقيمه وكيف تزحزح مركز الجاذبية في الشخصية. وكأنّ الأمر أنّ الأنا كانت بمثابة كوكب الأرض ثم اكتشفت فجأة أنّ الشمس (وليس هي) هي مركز المدارات الكوكبية ومدار الأرض أيضاً.

هذا النشاط يحرّره بشكلٍ تقدّميٍّ من التبعية المريضة، مكتسباً بذلك صلابةً داخليةً وثقةً جديدةً بالنفس. هذه الإنجازات الأخيرة تفيد بدورها في دفع المريض قُدُماً من حيث وجوده الاجتماعي؛ فالشخص السليم من الناحية الجوّانية والواثق بنفسه سيكون أكثر ملائمةً لإنجاز مهامه الاجتماعية من شخصٍ ليس متصالحاً مع لاوعيه.

لقد تعمّدت حتى الآن أن لا أثقل مقالي هذا بالجوانب النظرية، ولهذا ستبقى العديد من الأشياء بلا شرحٍ وعصيّةً على الفهم. ولكن لكي أجعل الصّور التي رسمها مرضاي قابلة للفهم يجب أن أذكر بعض النقاط النظرية على الأقل. فالخاصّية المشتركة بين كلّ هذه الصّور هي الناحية الرمزية البدائية التي تظهر جليّةً في كلّ من الرسومات واللوحات الملوّنة؛ فالألوان عادةً ما تكون بربريةً تماماً من ناحية كثافتها، كما أنّه غالباً ما تظهر فيها مواصفاتٌ مُغرقةٌ في القدم. هذه الخصائص المميِّزة تدلّ على طبيعة القوى الخلّاقة التي أنتجت هذه التصاوير؛ فهي صورٌ لا عقلانيةٍ وتشكّل تياراتٍ ذات طبيعةٍ رمزيةٍ في مسيرة تطوّر الإنسان، وهي غابرةٌ في الزمن بحيث يمكن بسهولةٍ ملاحظة التوازيات بينها وبين كشوفاتٍ مشابهةٍ في مجالي علم الآثار وعلم الأديان المُقارَنة. ولهذا يمكننا أن نفترض مباشرةً أنّ هذه الصور تنشأ بشكلٍ رئيسيٍّ في عالم الحياة النفسانية التي دعوتُها باسم اللاوعي الجمعيّ. وبهذا المصطلح الأخير أعني تحديداً نشاطاً نفسانياً لاواعياً حاضراً في جميع الكائنات البشرية ، والذي لا يمنحنا الصور الرمزية في الحاضر فحسب ولكنه كان مصدر كل الإنتاجات المماثلة في الماضي؛ فصورٌ كهذه تنبع من حاجةٍ طبيعيةٍ وتشبعها. وكأننا، من خلال هذه التصاوير، نعبّر عن ذلك الجزء من النفس الذي يعود إلى الماضي البدائيّ فيصالحه مع وعي يومنا الحاضر، مقلِّلاً من تأثيراته المزعجة عليه.

يجب أن أضيف هنا أنّه من الصحيح أيضاً أنّ مجرّد رسم هذه الصور ليس كلّ المطلوب، فمن الضرورة بمكان إحراز فهمٍ فكريٍّ وعاطفيٍّ لها؛ أي يجب دمجها بالوعي وجعلها مفهومةً واستيعابها أخلاقياً. يجب إذاً أن نخضعها إلى عملية تأويلٍ. ولكن رغم أنني كثيراً ما عبرتُ هذا المسار مع أفرادٍ مرضى إلا أنني لم أنجح حتى الآن في جعل هذه العملية واضحةً بالنسبة إلى دائرةٍ أوسع من الناس وفي تهيئتها بشكلٍ يناسب النشر، فما تم إنجاز نشره حتى الآن لا يعدو كونه شذراتٍ متناثرةٍ.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: