كاظم خليل الباحث عن سحر اللّحظة – شادي نصير

كاظم خليل الباحث عن سحر اللّحظة – شادي نصير

شادي نصير
شادي نصير

يدرك بخطوط يديه الرّاقصة بحرّيٍّة على قماش اللّوحة أنّ الوقت قد حان ليولد وجهٌ جديدٌ، أو جسدٌ مفعمٌ بالحياة، ثورٌ يهاجم رامي السّهام محاولاً كسب أكبر تصفيقٍ بما بقي له من وقتٍ.
بقليلٍ من الخطوط، وبكثيرٍ من الرّؤية الثّاقبة، يبتكر خطّه الأوّليّ، ويبدأ مشروعه في تقديم عملٍ يحمل دلالاتٍ ورؤىً خلف اللّون والكتلة. يقدّم الحياة والعشق، فنراه يخلق من فضاء الفراغ الّذي أمامه جدليّةً فنيّةً وفلسفيّةً في البحث والتّقصّي.

هذا هو كاظم خليل، الباحث عن سحر اللّحظة، ليبرزها للوجود، ويترجمها عملاً محمّلاً بقضايا وأفكار مخزونه الثّقافيّ الموغل في القدم. ومن خلال عوالمه الخاصّة، يعكس دواخل أبطاله الّتي هي إنعكاسٌ ورؤيةٌ لعالمه، عالمه المليء بالمشاهدات الحياتيّة والتّجارب الّتي اختلفت بين البلدان الّتي تنقّل فيها. لا تزال في ذاكرة عمله آثار الماضي من الإبداع التّاريخيّ، والحقب الفنيّة الّتي تُرجمت عبر آلاف السّنين في سوريا، ومن إلتقاء الحضارات وعند شاطىء البحر تولد الحكايا، وتَنسج كخيوط الحرير شالاتٍ تترجم أحاسيسه أعمالاً إبداعيّةً، ومع كلّ موجةٍ تضرب الصّخر تولد المشاهد، وتُنقل بمتعةٍ وكأنّها الزّبد الرّاقص على حوافّ الشٌاطىء الرّمليّ.

الفنان كاظم خليل

عالمه في اللّوحة كشف المستور، باحثاً عمّا يختزن العقل من دوافعٍ ليضعها أمام المتلقّي الباحث، فقد أرادها كاظم حرّيّةً للّوحة، فكانت قيماً تشكيليّةً، تتحاور مع متلقّيها لتكوّن مادةً للنّقاش والدّراسة، دراسة الآليّة والفكرة وتطويرها، واختيار موادّ مختلفةً في العمل تنقل المتلقّي إلى نوعٍ جديدٍ من البحث والتّقصّي عن فكرة الإبداع العامّة في اللّون والنّبض الّذي يقدّمه، سواءً كان لوناً واحداً أو مجموعةً لونيّةً منسجمةً ومتجانسةً، وهذا ما قدّمه من خلال مادّة “تفل القهوة”، فكان الولِهَ المتحمّس للأفكار الجديدة والباحث عن ألوانه الخاصّة ومادّته المتفرّدة منذ عام 1984 في عالمٍ يضجّ بالدّهشة والغرابة.

ضمن لوحات كاظم خليل أسئلةٌ وتحريضٌ للمتلقّي لابتكار ما خبّأه في ذاته، ما غاب عنه في دواخله النّفسيّة، فأعماله لها علاقةٌ بالرّوليف والنّحت والفراغ كما أنّه لا يهتمّ بالخلفيّات، فخلفيّات لوحاته لا تشكّل الهويّة، ولونه المشغول بتدرّجاته له حرية الحركة على كامل المساحة.

الإنسان هو صلب موضوعاته، فهو المكان والمساحة، اللّون والزّمان، لهذا نرى الوجوه صارخةً، حالمةً، متألّمةً، وفرحةً، وتعابيرها في بعض الأوقات خارج المنطق الحياتيّ، فنرى الضّوء متألّقاً، والظّلال منسابةً بحرّيّةٍ ومرتاحةً في مكانها حسب الضّرورة التّعبيريّة للعمل الفنيّ.

يسعى كاظم خليل في خطّه البيانيّ للوصول إلى ذات المتلقّي لكي يكون عاكساً لملامحه الدّاخلية، لرؤيته ولمنظوره الحياتيّ في الوجوه الّتي يقدّمها، فهي تحمل تناقضات الحياة، وتحمل مستقبلاً بعينين مفتوحتين دائماً نحو المجهول، المجهول الّذي يضع وجوه كاظم عند مفترقاتٍ عديدةٍ.
هناك كاظم يترك كلّ شيءٍ وينتظر حديث العيون، ويقتنص اللّحظة، ويضع اللّون والرّوح والألق لوجهٍ صار امتداداً وذاكرةً في أعماله.

كاظم خليل فنّانٌ تعبيريٌّ، بحث عن أناه الّتي لا حدود لها في عالمه الخاصّ، فغرق في تصوير الإختزال، فالعمل التّشكيليّ حالةٌ لا تحمل أبعاداً واضحةً، فهو دائماً في حالة بحثٍ متواصلٍ، وهذه الأنا الباحثة تترك أشخاصه محمّلين بالخوف في بعض الأوقات وبالبطولة في أوقاتٍ أخرى، وفي بعضها الإنطلاق إلى ما لا نهاية، فهي رسائل تُترجم بنظرات العيون، وبحركة الأجساد وامتشاقها.

في لوحاته كينونةٌ خاصّةٌ، وهي نسيجٌ يتشكّل من صمت المحيط، من حفيف الأشجار وغناء الأوبراليّين، وكثيراً ما تأخذنا شخوصه ووجوهه نحو عالمٍ بعيدٍ فيه الغناء والرّقص، لتنساب الأجساد بأناقةٍ على قماش اللّوحة، وتتصارع مع كلّ محيطها وتنتصر في إثبات رؤيتها ووجودها.

كلّ هذه الجدليّة بين شخوص كاظم وقماش لوحاته تنعكس على المتلقّي الّذي يرى الحياة المرتعشة، ويحسّ بتدفّق الحياة في الأعمال المصوّرة لكاظم، وكلّ ذلك بعيداً عن السّرد المرهف، فاللّوحة رغم بساطة مكوّنها الظّاهريّ ونوعيّة ألوانها، تجعلك تسمع بقلبك وترى النّور خارجاً ببهاءٍ.

هناك خليط احتمالاتٍ في كلّ عملٍ يقدّمه كاظم خليل، وهو يقصد بحركته هذه العودة إلى الفطرة البشريّة، إلى الخطوط الّتي أنشأ الإنسان من خلالها الحضارة، فخلف وجوه أعماله مساحاتٌ غير محدودةٍ تشكيليّاً ولكنّها مكمّلةٌ للمشهد البصريّ الغنيّ، فتعطي المتلقّي نشوةً لا يشعر بها لو أنّ الخلفيّة في العمل امتدّ إليها اللّون.

هذا ولا يبتعد كاظم رغم الحداثة في تشكيله والجديّة والجدليّة في أعماله عن التّراث، فهو ابن ساحل الفينيق، ولا تزال الأنغام الموسيقيّة الأولى تصدح في أعماله وتراقص حركة شخوصه وتعابير وجوهها، وكأنّها تخرج الآن من رحم أوغاريت.

كاظم خليل في أعماله عامّةً هو ذاك الباحث عن حوارٍ باطنيٍّ عميقٍ، ليقدّم رؤيته بكلّ بساطةٍ وليساهم مع لوحته في ترحالٍ ارتجاليٍّ مليءٍ بالأفكار والألغاز إلى عوالم لم تصل إليها بعد ريشة مبدعٍ.

1 thought on “كاظم خليل الباحث عن سحر اللّحظة – شادي نصير

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: