كلمات تسبر أعماق الإنسانية في تجربة الشاعر أوس أحمد أسعد – نجوى عبد العزيز محمود

تطرق الشاعر أوس أحمد أسعد في كتاباته الشعرية لمواضيع متنوعة تسبر أعماق الإنسانية والمكنونات الدفينة عبر خيالات ورؤى واسعة تداعي ذكرياته بهدف الجنوح إلى كسر المغاليق والمزاليج المعيقة لعمليّة التّقدّم والتّوغّل أكثر في قراءة كتاب الوجود الكثيف عبر تعميق القراءات في مجال علم النفس بالتّحديد لاكتشاف الذات والوجود بنفس الوقت، ومن ثم تنويع القراءات والروافد الثقافية الأخرى التي ستنضج الأدوات وتصقلها بشتى المجالات التي خاضها وحسب الإمكانيّة التي يتمتّع بها هذا الشّخص المكافح لنيل حصّته من الشّمس المعرفيّة، الذي سيصبح كاتباً فيما بعد مختصّاً في جنس أدبي ما أو أكثر. وابتداع ديناميكيّة حيويّة للتعامل مع معضلة هذا الوجود وأسئلته الكبرى فثمة مغناطيس سحري هائل الجذب يرغم هذا الكائن على المتابعة لاكتشاف معادلة التّوازن المفقودة، ومن هنا كان لا بدّ من السّعي الدؤوب لتعميق التجربة الشخصيّة والجرأة لإبراز ما يعتمل في داخله من أحاسيس وأفكار ومنعكسات حول وجود ه في هذا العالم؛ وهكذا وجد أوس نفسه، ولكنه لم ينشر ما كتبه بالمعنى الزمني قبل سن الثلاثين حتى وجد ما يشبهه ويشبه ما يريد قوله بالذات، فنشر قصيدته الأولى بكامل الثّقة والفرح بالمولود الأوّل، وكان عنوانها (لفداحة الأجوبة أمعن في السؤال) قبل ذلك كان يعتبر كلماته مجرّد تمرينات كتابيّة أوليّة تبحث بجدٍّيّة عن صوتها الخاص، كان الأمر أشبه بتجميع المياه الجوفيّة قبل انبثاق النبع، ولم يزل منذ ذلك الوقت وهو يحاول تعميق وتوسيع وتنظيف مجرى كتابته من الشوائب والطّحالب قدر الإمكان، مع وجود وسط اجتماعي وأسري محفزاً للكتابة فوالده كان شاعراً عمودياً أنجز العديد من القصائد ولم يطبعها فكان بالنسبة له بوصلته الأولى في التوجه نحو الشعر خصوصاً، والثقافة عموماً بما كان يوفره له من عناوين تمليها عليه ذاكرته وقراءاته التّذوقيّة العميقة، بالإضافة لتحفيزه له على ارتياد المراكز الثقافية في سنٍّ مبكرة، وهذا ما ساهم بمراكمة الذّخيرة الأدبية التي أحاطت حساسيته الخاصّة بكلّ رعاية ممكنة، كما تأثر ببيئته الريفيّة البكر التي عاش فيها طفولته الأولى وقد استحمّت ذاكرته بماء حبقها ورذاذ أنوثتها، في ضيعته (بسمالخ) الواقعة في ريف جبلة العالي ضيعته العاشقة التي تكحّل عينيها كلّ صباح بضباب المتوسط السرمدي وتراوده عن نفسه بحالة عشق لا تنتهي، فهي كانت من أهمّ المرجعيّات النقية التي صقلت جموحه وهذّبت روحه القلقة بنبض حنانها القاسي.

وللدلالات مكانتها في قصائده فهو يعتمد على الإيحاءات المعبرة عن كلمات استعارها ليستخدمها بلغته الشعرية كنايات في جمله التعبيرية لتكوين نسيج تشكيلي مليء بالعاطفة الوطنية الصادقة وبالمحبة التي يكنها لوطنه ولشهدائه بتصورات جمالية وعميقة ورغبة في خلق أسلوبه الخاص الذي اعتمد على طزاجة البرهة دون التفكير بالشّكل الفني الذي ستأتي به القصيدة، مع السّعي لتطوير الحسّ النقديّ المرافق لإنتاجها، وهي ستجد بعد نضجها النسبي شكلها الفني المناسب والمهمّ، برأيه أن تحظى بمعياريّة الشعريّة الحقيقيّة وأن تقول ما يودّ قوله، كحالة من حالات الرضى الجمالي، وهكذا وجد نفسه في بحر واسع لا يستطيع كائنه التّنفس، إلا بفضاءاتٍ واسعة من الحرية التي وجدها على المستوى الجمالي في قصيدة النثر ذات المساحات الحرة والمفتوحة على رياح التّجدد الدائم.

تميزت تجربة الشاعر أوس بقدرته على خلق الدهشة والمفارقة عبر التكثيف الدلالي وإمكانية زج القارئ في لعبة التلقّي بحيث يقع في غيبوبة جمالية تجعله يقف لبرهة ماطرة، شارداً متأملاً برهة أشبه بلحظة تعليق القراءة التي يقول بها النقّاد الحديثين؛ كمن يتفرّغ لوعي وإدراك طعم الثمالة ولذاذتها التي خلقتها الصورة الشعرية في داخله، تلك الصورة المنبثقة من غياهب النص و دواليه، وقد فرحتْ بعناقها مع ذائقة قارئ تفاعلي يعيد إنتاجها بجمالية أخرى كمساهمة منه في ردم ثغرات النص وفراغاته، هكذا تكون حالة القراءة المثمرة، تفاعلية وانفعالية أيضاً، وتصل الحالة الجمالية لأشعاره مداها العميق حيث يذهب به الشعر إلى حد ارتكاب المعاصي اللغوية غير مبالٍ بتورطه بمفازات اللغة، ويعتبر مدرسة الحياة أكبر مرجع ثقافي مجاني وهب تجاربه للإنسان.

هذا هو الشاعر(أوس أحمد أسعد) ابن ذاكرته الذي نسج نصوصه الشعرية بخليط متناغم من ذكريات طفولته وتعقد شروط الحياة ومتطلباتها الكثيرة وموهبته الأدبية المشبّعة بزوادة البيئة وتينها وعنبها وزيتونها التي تتفيّأ عرائش الذاكرة الشفويّة المحيطة واحساسه المفعم بالوطنية والمحبة الصادق التي يكنها لمن ضحوا بدمائهم الذكية لتحرير بلادهم وشبههم بالورود.

الشاعر “أوس أحمد أسعد” (مواليد القامشلي1966) شاعر سوري مقيم بدمشق، عضو اتحاد الكتاب العرب في سوريا.

إصداراته الشعرية:

– للوردة …؟ لبقايا الخراب 1999م عن دار الينابيع في دمشق.

ـ آنية الكلام 2002م عن دار الينابيع أيضاً.

ـ غابة المفردة…نشيد الغبار الطّلق عن دار التكوين في دمشق 2007م

ـ بسمالخ ..حجل يسند البهاء عن دار التكوين أيضاً 2009م

ـ ستفتك بك امرأة عالية التفاح – عن اتحاد الكتاب العرب 2014م

ـ سوناتا ..عذوبة تبعثر الكستناء – عن الهيئة السورية للكتاب

ـ كنهر أعلى السروة أو كجناح عن الهيئة السورية للكتاب 2017م

ـ الديوان الثامن قيد التنقيح وهو بعنوان ” فخامة الفراغ ..السنبلة “

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: