كهرباء، ودهشة روح – قصة قصيرة – رندة مارديني

كهرباء، ودهشة روح – قصة قصيرة – رندة مارديني

رندة مارديني
رندة مارديني

حين تعثّر بها في طريقه، أحسّ بشيءٍ غير قابلٍ للتفسير… كان لعينيها أسرار عشتار، وفي نظرتها شيءٌ مبهمٌ كان يحفزّه دائما كي يحلم، وهو الذي لم يعتبر نفسه يوماً من الحالمين.. أما ابتسامتها، فقد كان لها طعم العزلة، عزلةٌ تشبهه، كوقتٍ يترقرق جميلاً وحيداً في صحراء المسافات، ليعيد تعريف الغموض، والوحدة، والأشياء..

كانت كلّ الحوارات بينهما تنتهي بمشادةٍ كلاميةٍ أو خصام، لدرجة أنّه اختار لها لقباً هو “كهرباء” يصف به الجوّ المشحون بينهما دائماً.. كانت جفولةً كمهرةٍ بريّة، وظلّ هذا دأبها لعدة أشهر.. أما هو، فربّما، كان يحلو له أن يوقد النار عمداً، لتستيقظ تلك الأجزاء الكامنة من روحه مع امرأةٍ لا تعرف الترويض، فتثير فيه جوهر الذكورة البدئيّ الشّرس الذي هذّبته مظاهر الحضارة والرجولة الراقية…
كانت الدهشة ديدَنَهُما، ووليدةَ لحظاتِهما.. تعود به ذاكرته إلى عبق اللقاء الأول، ذاكرةٌ تحاول التوغلّ لاسترجاع تفاصيلَ ضبابيةٍ لم تتمكّن عيناه من التقاطها جيداً، مع أنّ صداها لا يزال يعبق في أعصابه ودمه..

ذلك الجسد الممتلئ بلطفٍ كان يثير فيه غوايةً حسيّةً شفافة، وتلك الثنيّات التي لطالما اعتبرَتها عيوباً، كان يرى فيها اكتمال أنوثتها.. أما ضحكتها فكانت قادرةً في كل مرّةٍ أن تبعث الدهشة والفرح في عينيه الخضراوين اللامعتين.. 
ولأنّه كان يملك رؤيةً تتجاوز الأبعاد الثلاثة وبعد الزمن، كان يدهشها دوماً بحدسه، وبقدرته على لمس أجزاءَ دفينةٍ في ذاتها كانت تائهةً عنها..

إذاً، سقط الحائط بينهما في لحظة إعجازٍ ودهشةٍ وافتتان، تلك الحميمية المفاجئة التي نزعت ثوب الخجل لم يجدا لها تفسيراً، ولم يقيّداها بتعريفٍ أو اسم، بل تركاها حرّةً محلّقة..

كان ينظر إليها فيشعر بهذا النبض المختلف عن أيّ امرأةٍ أخرى عرفَها، نبضٌ ليس حباً ولكنّه أبعد من صداقة.. أما هي، فكانت تنظر إلى وجهه الذي طالما أحبَّتْ، وإلى عينيه الضاحكتين المضيئتين، وتسأل نفسها في كلّ مرةٍ: هل أحبّه؟.. إن لم يكن هذا هو الحب، فهل هناك ما يمكن أن يبعث السعادة والحياة في روحي أكثر؟..

فاليا أبو الفضل

يحلو له بين فترةٍ وأخرى أن يقرأ لها بعضاً من خواطره في الحب، لتسأله كلّ مرّةٍ ببراءةٍ وطفولةٍ أنثويتيين: لمن كتبتَ هذا الكلام؟.. ليجيبَها في كلّ مرّةٍ نفس الإجابة: لامرأةٍ في خيالي.. 
وفي كلّ مرّة كانت تشعر بالغيرة والخيبة..

كانت تعلم قطعاً أنّها لا تمتلك ماضيه، ولكنّها أرادت أن تخطّ توقيعها على روحه، فتكون ملهمته لبعض الوقت.. أرادت أن تكون كلمةً من كلماته ينثرُها بذرةً في حقوله لتزهر، وتغدو الحقل والبيدر والقصيدة… أو لعلّها تكتفي بأن تكون حرفاً ترفعه ضمّة منه، وتنصبه فتحة من ذراعيه، ويكسره غضبه وجفاؤه المفاجئ، وربما يحذفه لضرورات الوزن والقافية.. أن تكون ملهمته الحقيقية يعني أنها هي كلّ هذا الرجل، لكنها كانت تدرك أيضا بواقعيتها أن المرأة هي بعض الرجل، لا كلّه، إلّا تلك المرأة السابحة في مدارات خياله..

في ليلةٍ مكتملة القمر، أتاها وقد نبت الضوء في عينيه، مُسقطاً كلّ حصونِه، أتاها وفي عريّ روحه الكثير من الخدوش والتعب، لينطلق بريّاً جَموحاً كما لم يكن من قبل، وينفجر كغيمةٍ تحمل مطر العالم..

هذه الليلة، وتحت أضوائه الكاشفة، غدَتْ فراشةً أحرقها لهب الحقيقة. فضّ عذرية روحها، لتغزوها نوبة بكاءٍ أخافت البريّ داخله، ولكنّها أنبتَتْ في جسدها زهوراً مائيّة، وطيوراً حرّةً، وكمنجات… وعلى اهتزاز أوتارها، ارتحلَتْ صاعدةً إلى النجوم، عادت إلى المجرّات البعيدة والسّماوات من حيث جاءَتْ..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: