“لوب – دوب LUB – DUB” – قصة قصيرة – رغد جديد

رغد جديد
رغد جديد

كم كان موقِفاً رهيباً! ظلّ متسمِّراً طوال اليوم أمام المرآةِ يراقبُ تساوي مستوى وجنتيهِ بعد تلك الصّفعةِ التي جعلت خدّه الأيمن موفوراً بالصّحة والاكتنازِ ليومين على الأقلِّ.
كانَ نهاراً ربيعيّاً إذ ألوانُ الحياةِ تتدفّق من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، وكلُّ ما هو ثقيلٌ على الرّوحِ والجسد يبدأُ الالتزامَ بحِميةٍ قاسيةٍ: السماءُ تخلعُ عن أكتافِها ذلك المعطفَ الغيميَّ الثّقيلَ، أمّا معاطفُ الفرو النّفيسةِ فها هي ذي تتزاحمُ على واجهاتِ المحلّاتِ برشاقةٍ بعد أن تخلّصت من حِمْلٍ زائدٍ سبّبتهُ تلك الأرقامُ الخياليّةُ لأسعارها لتصبح الآن ملكةَ موسمِ التّخفيضاتِ.

لقد أراد “لوب” ذلك اليوم أن يشارِكَ الطبيعةَ والحياةَ رشاقتيهما، فقرّر أن يزيحَ ما أثقل قلبَه من همومٍ وأن يُصارِحَها بالخطوة التاليةِ التي يجب أن تسير إليها علاقتُهما –هذا إنْ استمرّت علاقتُهما بعد ما سيقولُه- تلعثمَ كثيراً، تصبّب عرقاً، وزّع نظره في كلِّ الاتّجاهاتِ ما عدا أسهلها الذي يقودُهُ مباشرةً إلى عينيها، شعر أنّه بحاجةٍ إلى حلِّ أوّلِ مئةِ زرٍّ من قميصه كي يستطيعَ التّنفّسَ جيّداً، كلُّ ذلك من أجل نطقِ كلمتين فقط كانتا آخرَ ما خرج من فمهِ قبل تلقّي تلك الصّفعةِ التاريخيّةِ: “أنا مسافر”.

* * * 
لا أدري لِمَ يقراُ الآن من دفترِ مذكّراتهِ ما كتبه عن ذلك اليومِ، لقد مضت خمسُ سنواتٍ أو أكثر، آآآه… يا لَغرابةِ البشر! أو بالأحرى يا لَحماقتِهم! أتظنّ أنها تحتاجُ إلى سماعِ ما آلمها في وضعٍ عصيبٍ كهذا؟! أيّها الغبيُّ، اقرأ لها ما كتبتَه عنها في أوقاتٍ مفرِحةٍ لا تُنسى كاليوم الذي صارحتَها فيه بحبِّك لها، كيومِ زفافكما، أو… اسمع، اسمع… اذهب إلى الصّفحةِ الثالثةَ عشرةَ بعد المئةِ، إنها صفحتي المفضّلةُ لأنها كانت المرّةَ الأولى التي تكتبُ بي بعد أن أهدَتني إياك “دوب” في عيد ميلادِك، آآآه… كاد حبري أن يجِفَّ لفرطِ سعادتي بكوني قد اشتُرِيتُ وببدايةِ عملي التي كانت لتخليدِ ذكرى، ذكرى جميلةٍ جدّاً، نعم… اقرأ لها هذه الصفحةَ علَّ ذلك يُوقِظُها من غيبوبتِها… ماذا بك؟ لماذا تجمّدَت يدك هنا؟ اقلب الصفحةَ… اقلبها… ألم تُعجِبك غيرُ هذه الذكرى!! آآآه… توقف عن ضغط رأسي على الورقِ بهذا الشكلِ… توقف… إني أتألّم… أتألّم… آآآه…

* * *
كنتُ أستحقّ الصّفعةَ ذلك اليوم، بنينا آمالاً كثيرةً بل كادت أن تخلعَ عنها اسمَ “آمال” لأنها كانت قيدَ التّنفيذِ، كلّ شيءٍ جاهزٌ وأستطيع التّقدُّمَ لها رسميّاً لكنّ صديقي استطاع أن يبعثِرَ فصوصَ دماغي كحجارةِ الشطرنج، فرصةٌ ذهبيّةٌ لا تُعوَّضُ، حاولتُ إقناعَ نفسي أنّ أموري هنا على خيرِ ما يُرام، تخرّجتُ ولديّ عملٌ وسأتزوجُ فتاةَ أحلامي فلِمَ السفرُ والغربةُ؟ حاولتُ جاهداً أن أنسى عرضَ صديقي ولكنّ تلك المحاولاتِ كانت تتراكمُ جبالاً ثقيلةً على صدري، تزيدُها عُلُوّاً محاولاتٌ أخرى تماثلُ محاولاتي قوّةً وتعاكِسُها جهةً، إذن المحصّلة صفرٌ، بالفعل بقيتُ فترةً كالصحراء الخاويةِ، كفراغٍ تصفرُ فيه الرياحُ، كمدىً لا متناهٍ من اللا الشعور واللا عقلانيّةِ حتى استطاعت إحدى المحاولتين أن تحقّقَ النّصرَ، نعم… لقد فعلتَها يا صديقي.

* * *
آهٍ يا رأسي، لا أدري لِمَ ضغط هذا الأحمق بشدّةٍ على الورقةِ؟ ضغط مرتين لأّشكِّل نقطتين تعلو إحداهما الأخرى على نحوٍ غيرِ متناظرٍ، لا أصدق… الحمد لله… لقد قلب الصفحةَ أخيراً، ماذا لدينا هنا؟
كان يوماً عادياً كسائر الأيام، عاد “لوب” من العمل، كانت “دوب” في انتظارهِ وقد أعدّت له السّمك المشويَّ كما في كلّ عطلةٍ أسبوعيّةٍ، الفرق فقط هو أنّ “دوب” أتقنت هذه المرّةَ صنع خلطةِ التّتبيل حتى كاد “لوب” أن يلتهمَ أنامله المُسقاة ببقايا تلك الخلطةِ، شيءٌ غريبٌ يحصل! عيناها تقدحان ناراً ليست بأسوأ من نار الطّهو المقدّسةِ التي خلقت هذا السمك الشّهيَّ، الحروفُ تطير مع كلِّ حركةٍ تأتي عليها أطرافُها، ضاق ذرعاً بهذه الشيفراتِ المكشوفةِ، ستعود إلى ذلك الموضوعِ؟ نعم… لم تنسَه بالتأكيد ولن تنساه أبداً، حاول أن ينسحب تكتيكيّاً من الغرفةِ التي ستتحولُ إلى أرضِ معركةٍ إنْ بقي ثانيةً واحدةً، لكنْ تغلبُهُ مرّةً أخرى قوّةٌ أكبر منه، وهل يستطيع أحدٌ أن يقفَ أمام جبروت النار؟ لن يُسعِفَه الوقتُ للتفكيرِ حتّى إذ إنه قبل أن تنتقلَ فكرةُ الانسحابِ إلى حيّزِ التنفيذِ كانت النارُ قد أغرَقَت بلهيبِها الكون بأجمعه عندما فتحت “دوب” طاقةَ جهنّم: “لا زلتُ مصِرّةً، أريد أن أعمل”.
لا…لا…أرجوك، آآآآه… كُفّ عن رسم هذه النِّقاط اللّعينةِ، نقطتان أُخريان مجاورتان لأُختيهما زادتا الصّداعَ وأنقصتا من عمرِ حبري، وصاحبي الأحمق يضغطُ بدمٍ باردٍ وكأنني أشبهُ أترابي من الأقلامِ!! أين مكانتي الخاصّةُ في قلبك؟ أعلمُ أنك متألِّمٌ لحالِ “دوب”، أنا أيضاً أتألمُ، أتألم على نحوٍ مضاعفٍ: لها ومنك.
ليتك تُخلَقُ في الحياةِ القادمةِ قلماً يا “لوب”.

* * *
لم أكن أصدّقُ أنها ستسامحني، استطاعَ الحبُّ أن يظلَّ سيِّدَ الموقف لسنتين كاملتين، لم يستطِع أيٌّ منّا نسيانَ الآخر، عدتُ ونشوةُ الانتصار تعصفُ بخلاياي وكياني، فالقدرةُ على الاستقرار في الخارجِ والتّفوّقُ في عملي أمران مُسكِران حقاً ولا سيّما عندما تستشعرُ نظراتِ الفخر في عيون والِدَيك وأصدقائك وأخرى حاسدةً في عيون السّحالي؛ أولئك المنافقين الذين يتلوّنون وفقَ مقتضياتِ المصالح.
يا إلهي كم ازددتِ جمالاً!! اعتقدتُ حينها أنّها نجحَتْ في نسياني، كلُّ تفاصيلها كانت تقول ذلك؛ وجنتاها اللتان اكتنزَتا بكلّ ورديّةٍ حالمةٍ، شعرها وما ضُفِر على جانبَيهِ من خُصُلاتٍ تدلّت بغنجٍ لا يقلُّ عن غنجِ فستانها المُنسدِل ببراءةٍ وهو يلثُم الرّكبتين، فعلاً… لا يوجد شيءٌ اسمه مصادفة، ربما التقاؤنا في زفافِ تلك الصّديقةِ المشتركةِ هو السّبب في رقودِكِ الآن في الغيبوبة، ماذا كان سيحدثُ لو لم نلتقِ وقتها؟ ببساطةٍ… لم نكن لِنتصالحَ، لم نكن لنتزوّجَ، لم نكن لنسافرَ، لم نكن لنتشاجرَ بسببِ موضوعِ عملكِ، لم نكن لنذهبَ إلى عشاءِ العمل مع مديري وزوجتِهِ، وأخيراً… لم تكن تلك الشاحنةُ لتصطدمَ بسيّارتنا.

* * *
يبدو أنّه لم تبقَ إلا مهنةُ القتل كي يجرّبَها “لوب” فها هو ذا يمارسها بحِرَفيّةٍ، يا لَ “دوب” المسكينة!
نعم… نعم… أكمِل تقليبَ الصّفحاتِ، حاول أن تقرأَ لها شيئاً جميلاً يوقِظُ أعضاءها النّعسانة، رائع… ممتاز… توقّف هنا… أحسنت… هذا هو صاحبي الذكيّ! إنها ذكرى لطيفةٌ جدّاً:
لقد فاقَ حفلُ التّوقيعِ التّوقُّعاتِ، كان الحضورُ كبيراً ومقبِلاً بلهفةٍ على شراءِ كتاب “لوب” الأوّل، مساءٌ يستحقُّ التّأريخَ بجدارةٍ، عملتُ فيه بمعدّلِ عملي لأسبوعٍ كاملٍ أتنقَّلُ خاطّاً اسمَه من نسخةٍ إلى أخرى، كم كان يوماً رائعاً! لقد حقّق “لوب” حلمَه وأصدر روايتَه الأولى التي أشرفتُ شخصيّاً على خطوطِها العامّةِ، أهمّ أحداثها، أبرزِ شخصيّاتِها، ولم تفعل أزرارُ الحاسوبِ المتبجّحة سوى كسوِ الهيكلِ الذي رسمتُه أنا، مهما تقدّمَ العلم سنظلُّ موجودين، لن ننقرض فجنسُنا منيعٌ جدّاً ومحصّنٌ ضدّ هذا الزّحفِ التكنولوجي المريع.
بريقُ عينيها أنار قلبَه والقاعةَ معاً، مَن يراها يظنُّ أنها هي التي تحتفلُ بإصدارِ روايتها الأولى، كانت تتنقّلُ بين الحاضرين مرحِّبةً بهم كالنّحلةِ النّشيطةِ في حقلٍ كبيرٍ من الأزهار الملوّنةِ، الفرقُ أنّ العمليّةَ عكسيّةٌ لأن “دوب” هي من كانت تسكبُ في قلوب الناس رحيقاً لطيفاً بخفّةِ روحها ودماثةِ طبعِها.
لِمَ لم تتوقف عن الكتابة هنا يا “لوب”؟ لِمَ ذكرتَ تلك اللحظةَ في نهاية الحفلِ؟ لا أدري لِمَ هذا الإصرارُ على رؤيةِ الجبال المخيفةِ والفَجَواتِ السوداءِ على سطح القمر، كنتَ قمراً يشعُّ نوراً وحبّاً طوال الأمسيةِ السّعيدةِ، كان حريّاً بك أن تواصلَ الاحتفاءَ بأشعّتكَ الفضيةِ وألّا تذكرَ تلك الفجوةَ السوداءَ حين اقتربت “دوب” منك حاملةً نسخةً من روايتكَ وهي تمرّرُ إصبَعها على رسمة الغلافِ وتنظر إليك بعينين متكلّمتين، على الأقلّ راعِ خصوصيّةَ الظّرفِ الآن ولا تذكر هذا السطرَ الأخيرَ، متى أصبحتَ قاسياً يا “لوب”؟ أتظنُّ أنك تساعدها بقراءة ذكرياتِ أصعبِ المراحلِ في حياتكما؟ آهٍ لو كان باستطاعتي تفجيرُ حبري بنفسي والتّحرّكُ وحدي لكتابة كلمةٍ واحدةٍ فقط… ماذا؟… ماذا تفعل؟… ارحم رأسي يا رجل وكُفَّ عن سحقه ضاغطاً لرسم هذه النّقاط، ماذا تقصد بها؟ أكرهكَ… هذا ما كنتُ سأكتبه لك.

* * *
لقد وعدتُها بأني سأدعمُها ولكنْ لن أدعَ تجربتي الأولى عرضةً للمجازفةِ، شاءت الأقدارُ أن تتقاطعَ باكورةُ كلٍّ منا في عملٍ واحدٍ؛ الرواية ورسمةُ الغلاف، كنتُ أحتاجُ إلى مَن يقوّي عتبةَ الروايةِ لا إلى مَن يشاركُها حَبْوَها وهذا لا يعني أني لن أقفّ إلى جانبها كما فعلت معي، مسرورٌ أنها تفهّمَت موقفي، أومأَت برأسها ذلك النهار ثم خرجت مُسرِعةً كي لا تتأخرَ عن صفِّ الرَّسمِ، شعرتُ للمرة الأولى أننا زوجان عقلانيّان، متحاوِران، ناضجان، بالتأكيد نحن كذلك لأن ما حدث لم يؤثّر على دعمها لي وفرحِها لنجاحي، كان حفلُ التوقيعِ أسطوريّاً، كنتُ أحتفي بحوريّتين أذابتاني عشقاً جمعهما قلبي وهذه القاعةُ، انتشيتُ للمرة الثانيةِ بطعم الانتصار، يا إلهي… كم أنا سكران! كنتُ أحلّقُ في السماءِ، أطيرُ عالياً، ما أجملَ أن يتحوّلَ هذا الشعورُ من سائحٍ إلى غازٍ لكنّ ذلك لم يدُم طويلاً إذ إنها استطاعت بإصبعها أن تحرّرني من هذا الاحتلالِ المبهِج، نظَرَت إليّ وهي تُمرِّرُه فوق رسمة الغلاف وكأنها تمرّرُ حبلاً يشدّني إلى الأرضِ ويفسدُ عليَّ تلذّذي برحلة الطيرانِ، صوت الارتطامِ كان قويّاً فقد جعلني أستيقظُ وأنتبهُ إلى أنها لم تتجاوزِ الأمرَ، هل يُعقل أنها لم تعلم حتى الآن؟ ألم يخبِرها؟ وما ذنبي أنا إن كان زميلُها في صفوف الرسمِ أمهرَ منها في تزيين عتبةِ عالمي الرِّوائيِّ برسمتهِ الخلّابةِ؟

* * *
أعلمُ…أعلم، ستعود الآن إلى الصّفحة التي وثّقتَ فيها تبعاتِ ما جرى في تلك الأمسيةِ، لا أصدّق!! لقد تجاوزتَها!! لا أدري لِمَ استغرقتَ هذا الوقتَ كلَّه لتدركَ حساسيّةَ الموقفِ الرّاهنِ، تستحقُّ “دوب” إنعاشاً لطيفاً لروحها وأعلمُ أنني –بصفتي قلمَك المقرّب- قد قمتُ بعملٍ كفيلٍ بذلك، هنالك صفحاتٌ كثيرةٌ بين يديكَ تشهدُ لي ولكنني لستُ يديكَ –للأسفِ الشديدِ- حتى أتوقفَ عند أمتعِ اللحظات المخلَّدةِ فيها وأسرُدَها.
سيّداتي سادتي، استعدّوا لعودة “لوب” إلى صوابه، هذا هو”لوب” الذكي الحنون الذي أعرفُهُ، ذكرى ولا كلُّ الذكريات، اسمعي جيداً يا “دوب” وستنهضين بالتّأكيد لتُعيدي خلقَها من جديدٍ:
لقد حقّقتِ حلمكِ في ذلك اليومِ الشّتويِّ الكئيبِ وبِعتِ أولى لوحاتِكِ، كان صوتُكِ يرقص على الهاتفِ وأنتِ تخبرين “لوب” بالإنجازِ الملحميِّ، هو أيضاً كان قلبهُ يرقص لفرحِهِ بكِ و… ولأشياءَ أخرى.
سعادةٌ طفوليّةٌ زادت تألُّقَ الأخضرٍ في عينيكِ فصار الشتاءُ ربيعاً، الصّحنُ اليتيمُ اشتاقَ إلى لمسةٍ من أصابعكِ التي انشَغَلَت بتحريكِ الهواءِ يميناً وشمالاً في شرحكِ لتفاصيلِ بيعِ اللوحةِ.
على الرغمِ من الدّفءِ المحبوكِ بمهارةٍ في أرجاءِ هذا المطعمِ الحميمِ إلّا أنّ وخزاً خفيفاً من اليُتمِ الباردِ انتقل من صحنِ “دوب” المُهمَل إلى قلبِ “لوب” الذي كان يجتهدُ اجتهاداً هائلاً كي يرتقيَ إلى مستواها في الإحساسِ بفرحٍ الآخرين ومشاركتِهِم لحظاتهِم التاريخيةِ، نعم… شريكة، كانت شريكةً بكلِّ ما تحمِلُه الكلمةُ من معنى رغم إحباطِها وخيبتِها في عدمِ جعلِها شريكةً حقيقيّةً في روايتهِ، واليوم عندما لم تحتجْ إلى مساعدتِهِ، عندما نجحَت مثلَه في ارتقاءِ أولى درجاتِ السلم شعر بذلك الوخزِ! لماذا؟ هل المشكلةُ في كونها نجحَت أم في أنها صارت مثلَه؟!
حسناً… سأسحبُ ما قلتُه منذ قليلٍ عن عودةِ صوابكَ، يبدو أنّ هَوْلَ ما حدثَ ل “دوب” هو السبب، بالله عليكَ أقم وزناً للعِشرةِ ولكميّةِ الورقِ التي جمعتنا وارحم رأسي، ماذا تريدُ أن تقولَ برسمكَ هذه النِّقاطَ المُبعثَرَةَ؟ والآن… ماذا تفعل أيضاً؟ تصلُ فيما بينها!! ماذا لدينا هنا؟ خطوطٌ منكسرةٌ، رسمٌ بيانيٌّ مألوفٌ جدّاً، أشعر أنني رأيتُه في مكانٍ ما ولكنْ لا أذكرُ أين، مكانٌ قريبٌ ذهبتُ إليه البارحة، أو ربما اليوم، أو ربما أنا فيه الآن، نعم… إنه أمامي، الشكلُ ذاتُه الذي يرسمُهُ جهازُ تخطيطِ القلبِ، مسكينٌ أنت يا صاحبي، عقلُك غادرَ دون رجعةٍ، لقد حوّلكَ الحادثُ من كاتبٍ مرموقٍ إلى رسّامٍ بائسٍ…

* * *
أرى شكلَ حياتِنا في داخلِ هذا الصّندوقِ الرّنانِ يرسمهُ كلَّ لحظةٍ، هكذا كنّا… ارتفاعاتٍ وانخفاضاتٍ، خطوطاً تنكسرُ عند منعطفاتٍ مهمّةٍ وأحداثٍ مصيريّةٍ كانت هي النّقاطَ التي تمنع الاستقامةَ وتخلقُ هذا الشكلَ، ولكنْ رغم عدم استقرارِ علاقتنا هناك شيءٌ واحدٌ فقط هو المستقرُّ الذي لم يتغير، ظلَّ موجوداً حاضراً في الصّفحاتِ كلِّها التي قرأتُها لكِ، لم أخترْها عبثاً وإنما ذلك الثابتُ كان المعيارَ لاختياري ذكرياتٍ معيّنةً دون غيرها، هو المعيار وهو المعوَّلُ عليه لتحقيق مرادي؛ إنه أنا، أو بالأحرى موقعي، كنتُ أنا النقاطَ التحتيةَ وأنتِ النقاط التي في الأعلى، أنا الذي سفرَ وخذلكِ، أنتِ التي سامحتِ وغفرتِ، أنا الذي لم يدعمكِ، أنتِ التي ساندتِ، أنا الذي يغارُ من نجاح غيرِهِ، أنت التي زادكِ نجاحي إصراراً واجتهاداً، أنا الذي يمارسُ عقدَهُ الشّرقيَّةَ تحت ألفِ غطاءٍ وقناعٍ، أنت التي تعرفين كيف تمزّقين هذه الأقنعةَ كي لا تتحوّلَ إلى كمّاماتٍ تكتمُ أنفاسَكِ.
يا لشدّةِ ندمي يا ! “دوب” أريد أن أصحّحَ أخطائي، أريدُ لنِقاطكِ السّاميةِ أن ترفع نقاطي إلى مصافِّها فتستقيمَ علاقتُنا ونبدأَ حياةً جديدةً لا تعرفُ تعرُّجاتٍ ولا انكساراتٍ، ولكنْ…. ولكن حتى يتحقّقَ ذلك لا بدَّ أن تكوني معي، تعالي إليَّ، هذه المرّةُ مختلفةٌ، فقط كوني أنت النقطةَ العاليةَ للمرةِ الأخيرةِ كي ترفعيني إليكِ ونمشيَ في دربٍ مستقيمٍ يمتدُّ إلى اللا نهايةِ، أرجوكِ… أحتاجُ إلى موقعي الآن قبل أن أصعدَ إلى مرتبتكِ، استعدّي للبركات والخيرات التي ستنهالُ عليكِ بعد إعطائي هذه الفرصةَ، أخيراً… لقد آن لهذا الصّوتِ المتقطِّعِ الرَّتيبِ أن ينتظِمَ انتظامةً أبديّةً.

* * *
يا إلهي كم أجرمتُ في حقِّ نفسي! تبِعتُ قلبي فأوصلني إلى هنا وأوصلَ نفسَه إلى هذا الجهازِ اللعينِ، ماذا يفعلُ “لوب” الأخرق؟ أيظنُّ أنني فقدتُ عقلي كما فقدَه هو الآن؟ لم أرَ في حياتي شخصاً استطاع أن يختصِرَ أنانيّةَ الكونِ كما فعلتَ أنت، ألا يكفيك ما فعلتَه بي في الحياةِ حتى تأتيَ روحُك الآن وتقصَّ عليَّ تلك الذّكرياتِ التّعيسةَ؟ أهذا هو مفهومك عن الندمِ والتّكفيرِ؟! اذهب وتمتّع بعالمكَ الجديد، اتركني أستمتع بغيبوبتي دونَ تطفُّلاتِك الوقحة وأعدكَ بألّا يتعرّجَ خطُّ علاقتنا أبداً لأنه لن يكون موجوداً من الأساسِ، لا أصدّقُ كميّةَ الدّناءة حتى تحاولَ ضمّي إليك! لماذا؟ لتبقى زوجي في العوالمِ كلِّها؟ ألم تكتفِ بصلاحيّات الزوجِ في الحياة حتى تكتبَ عليَّ الموتَ بها أيضاً بعد مماتي؟
لا… لن أسامحَكَ، لن يستقيمَ الخطُّ، سأتحمّلُ الألمَ وأقاوم، سأعيشُ حياتي بارتفاعاتٍ وانخفاضاتٍ جديدةٍ لا تمتُّ لك بصلةٍ، لا تقلق يا عزيزي، أول ما سأفعلُه في حياتي الجديدة هو إقامةُ جَنازةٍ تليقُ بكاتبٍ مثلِك، ألم تفكّر بفخامةِ الجنازةِ إن ولّينا كلانا؟ غريب!! كيف سمحتَ لحفنةِ الأنانيّةِ هذه أن تفلِتَ من قبضتك؟
“لوب.. دوب.. لوب.. دوب..” اخترتُ أن تكون أسماؤنا -النبضاتُ التي ترسم خطَّ حياتنا- هي الكلماتُ الأخيرةُ لهذه القصة، الآن… وبحسب التوقيت المحلِّيِّ للحياة، أنا “دوب” أرملةُ الكاتب “لوب” أعلنُ انتهائي من كتابةِ قصة حياتي معه التي اختصرها ذلك اليوم، قصةٍ حقيقيّةٍ عنه و….وبقلمهِ.
-النهاية-

* * *

“لوب – LUB”: هو أول صوتٍ من أصوات القلب الطبيعيّة عندما ينقبض البطينان فيسمع الفاحصُ هذا الصوت نتيجة انغلاق الصمامِ الثلاثي الشرف والصمام التاجي الميترالي.
“دوب – DUB”: هو ثاني صوت من أصوات القلب الطبيعية، وذلك عندما ينغلق الصمام الرئوي والصمام الأبهري الأورطي في نهاية الانقباض، وهو عبارة عن قصفةٍ سريعةٍ نسبياً لأن هذه الصمامات تنغلق بسرعة وتهتز البنى المحيطة بها لزمنٍ قصيرٍ.

1 thought on ““لوب – دوب LUB – DUB” – قصة قصيرة – رغد جديد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: