ليس للوطن قلبٌ – عبير شورى

عبير شورى

عبير شورى

سألتُ مرّة ً طفلاً لم يَبْلُغِ الحرب بعد: ما الوطن؟!
فهَمَسَ في أذني: الوطن.. ألّا نخاف!!
كيف أُخبره اليوم بأنَّ الخوف ذاته هو من يهزُّ سريري كلَّ ليلةٍ لأغفوَ وأنا أرتَعد ذُعراً وسط كوابيسَ هذه المدينة المنكوبة؟ وبأنَّ الوطن خارج وَهْم شاعريّتنا المفرطة وغلاف “النّوستالجيا” ليس سوى ساديَّة الأرض حين لا تحتمل رهافة عشقك فتَخْتَلق الحرب والحرائق لتحظى وحدها بجسدك ورماد روحك. 
قد يكون الوطن حياتاً وموتاً في آنٍ.. انْوِهابَ الموجة للبحر.. ثمّ فناؤها فيه.. أرجوحةً لا تطال بها سموَّ النّجوم ولا تركَن لصلابة الأرض.

في عيون طفلٍ جائعٍ قد يتّخذُ الوطن شكل رغيفِ خبزٍ أو قطعة حلوى، وقد لا يعدو في دموع امرأةٍ وحيدةٍ أكثرَ من رُفاتِ عشقٍ دفينٍ باتت اليوم تقطن خلف جدران مقبرةٍ عتيقةٍ أو بين دفّتي كتابٍ أثقله الغبار.
قد يغدو كلّ تلك الوجوه الّتي تُعمّر هَرَم الذّاكرة، وتُسبِغ على الخيبة قداسةً أكبر من تلك الّتي يُضْفيها الفرح.

قد يكون كتفاً تتَّكئ عليه، أو صليباً لأحلامك.. لكن.. في الحقيقة ليس للوطن قلبٌ!!
أمّا في متحف الذّاكرة قد يَصْغُر الوطن ليغدو أكثر قُرباً كنافذةٍ على زقاقٍ ضيّقٍ تفوح منها رائحة طعامٍ دمشقيٍّ، أو صوتاً يخترق ضجيج الأطفال وقتَ الظّهيرة وهو ينتظرك بلهفة أُمٍّ، وقد يتحوّل إلى موسيقى كترنيمةٍ فيروزيّةٍ تتسرَّب من شقوق البيوت القديمة مع عطر القهوة و ثرثرة العجائز، أو صراخَ باعةٍ جوّالين بلُغةٍ أليفةٍ تُغريك باقتناء أشياءَ لا حاجة لك بها.

قد يغدو الوطن تفاصيلَ كثيرةً أبسط من أن تلتقطها اللّغة.
كمقهى على قارعة المدينة لا يكترث به العابرون إلّا حين يرهقهم السّير نحو عَدَمٍ جديدٍ أو يستبدُّ بهم حنينٌ شتويٌّ إلى تدخين سيجارةٍ بعيداً عن فضول المارّة.
قد يرونَ قاسيون مجرّد كومةٍ من الحجارة، وقد تراه أنتَ مسقط روحك.
ربّما باتَ الوطنُ أيضاً في عين النّاظر!!

الفنانة زينه شروف.

الفنانة زينه شروف.

أعي أنّ دمشق ليست أجملَ المدن، لكن يكفيني أنّها لي، وليست مجرّد قضيةٍ غريبةٍ أو إعلانٍ مُلوَّنٍ لمنتجعٍ سياحيٍّ في البحر الكاريبيّ!!

قد لا أشتهي ما هوَ لي، قد أُشغَف به دون أن يُغريني، قد أعبده وأزهد به في لحظةٍ. لكنّني قطعاً لا أشتهي ما ليسَ لي، سواءً كان وطناً أم مدينةً، أو حتّى حبيباً. لذلك تبقى هذه الشَّهوة أسيرة دمشقَ، وذلك التّوق حرفتها المُتقَنة، فهي وحدها تبقى لي بكامل خرابها كعِشقي وذاكرتي، أو كصديق الطّفولة الطّيّب ذو السّاق المبتورة والوجه المحروق، ذاك الّذي سيبقى في عينيّ زينَ الشّباب. فَلي مع تلك الملامح المحروقة قصصٌ لم تُشرِّدْها الرّيح، ولي مع ساقه الّتي دُفنت قبله في مكانٍ ما هنا عشرات المشاوير الّتي لم تكتملْ.. هوَ لي أيضاً.. بعهد البَوح والحسرة المشتركة، وليس صورةً برّاقةً لأحد نجوم هوليود يعلّقها مراهقٌ فوق سريره عساها تبتكر له هويّةً ما.

قد يغدو الوطن رصيفاً تعثّرتَ عليه يوماً وما زال يطبع وشمه الأزرق على جلدك، أو شمساً لا تشبه ذاتها في مكانٍ آخرَ.
قد يغدو أطلال أحلامك الّتي فجّرَتها قذيفةٌ ضلَّت طريقها إلى قلبك، أو ذلك الحُطام الّذي يختزل حيواتٍ لم تعُدْ على قيد الحياة.
قد يغدو صلاةً لم تُحالفْها السّماء، أو تميمةً من وَهْمٍ نرتديها لترُدَّ عنّا صَيبة الغُربة.
قد يغدو الوطن كلَّ تلك الدّقائق الصّغيرة الّتي يسهو عنها الغريب فيظلُّ غريباً.
قد يغدو كلّ ما انتظرتَه يوماً و لم يأتِ.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: