الجدّ الأبديّ: الشّعر والإنتقال من منبر الخطيب إلى فرجار المعماريّ – فادي أبو ديب

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

في مقالة سابقةٍ لي عنوانها “فائدة الشعر: هل هو بداية حقبات بائدة؟” عرضت التساؤل الذي يواجه الشّعر والشاعر في كثير من اللحظات والسياقات الشخصية والتاريخية: كيف لمجموعة من المفردات أن تغيّر العالم المادّيَ؟ وقمت من خلال المقالة بمحاولة الإجابة على بعض من جوانب هذا التساؤل.

خلال أكثر من عامين منذ كتابة المقالة للمرة الأولى، واجهت هذا التساؤل في حياتي الشخصية بصورة أكثر درامية، أخذت شكل الحدث وليس مجرّد التساؤل. تمثّل هذا الحدث بصعوبة متزايدة تواجهني شخصياً ليس في كتابة الشعر فحسب ولكن في عيشه، على عكس السنوات الماضية.

ورغم أنّ أحد أسباب هذه الصعوبة تكمن في ارتفاع معياري الشخصي بشأن الكتابة بصورة عامة، إلّا أنّ سبباً آخر لم يخفَ عليّ بل كان جلّياً: يصعب -ولا يستحيل- على الشّعر أن يعيش بسلامٍ مع المتطلّبات المتراكمة للمعيشة، لأنّ هذه الأخيرة تتطلّب أسلوباً في التفكير وبرمجة‘ العالم النفسي للشخص بطريقة مختلفة. ولكن السبب الرئيسي كان يتمثّل في أنني اكتشفت أنّ جزءاً لا واعياً منّي كان يريد أن يرى فوائد آنيّة للشعر، في حياته وفي حياة الآخرين. عليّ أن أعترف حينئذٍ أنني هذا الشخص الذي لم يعطِ نفسه بكلّ ثقة لعالم الرّوح وكان ينتظر بعضاً من المكافآت، أو ربما المكافآت الجديدة، شيئاً من قبيل التغيّر السريع في المحيط المادّي نحو الخير والجمال والعيش الهانئ. يا للسذاجة التي تُبقي القلب أسيراً رغماً عن أنف العقل الذي يمتلك الدراية الكاملة ببطلان هذه الاعتقادات الطفولية!

التساؤل القديم عاد إذن مغيّراً جلده بشكل قناعة لا واعية فرضت نفسها كحدثٍ مسيطر يتمثّل في ضعف مقدرة الذّهن على فتح المجال للمخيّلة لكي تبحث عن عالمها بسلاسة. صوتٌ داخليّ يصرخ، رغماً عن أنفي، ليحاول أن يبرهن أنّ الشّعر وأعمال المخيّلة لا مكان لهما تحت شمس النهار المدينيّ المتطلّب الحافل بالفوضى والنزويّة حيناً والرّتابة المضجرة أحياناً أخرى، والذي يهدّد ويتوعّد بالجوع والمنفى وبمستقبل من الذلّ والعَوَز، وأنّ الشّعر بالفعل بقيّةٌ من حقبة بائدة كان الإنسان فيها أقلّ تشتتاً وأكثر تكريساً لأمور قليلة في حياته ومحاطاً بغمامة من جهل العالم الواسع الذي يتربّص به بمجرّد انطلاقه خارج حدود قبيلته أو منطقة أمانه.

إلّا أنّ أمراً ما جعلني أقف مجدداً لأتردّد في الإجابة عن هذا التساؤل، وهذا الأمر هو صيغة السؤال نفسها. فلماذا يجب على الشعر أن يكون ذا فائدة في العالم المادّي؟ من أين نشأ ذلك السؤال؟ لماذا نبحث عن الفائدة؟ لعلّ هذا التساؤل الأخير هو ما يجب أن يُطرح ويُجاب عنه. وهناك أيضاً تساؤل شبيه وربما أكثر انتشاراً على مختلف الأصعدة، وهو: ما فائدة الفكر النظريّ والمنطق والفلسفة بصورة عامة؟

وهنا لا أقلّل من شأن التساؤل البدئيّ الذي طرحناه في البداية. فكلّ منّا يرغب في أن يرى نتائج فورية أو منظورة لما يفعل، أمور يمكن تلمّسها والإحساس بها. لا ريب في ذلك. ولكن واحدنا ينسى أنّ كلّ تغيّر على المستوى المحسوس هو نتيجة لحدث على المستوى غير المنظور. ما فائدة “الفذلكات” الفلسفية والأسئلة المجرّدة إذا لم يكن لها تطبيق على العالم الخارجيّ؟ قد يكون بعضها بلا فائدة فعلاً، ولكن كثيراً منها فائدته تكمن في إعداد العالم الداخليّ للإنسان المفكّر. المنطق، مثلاً، يساعد المرء على تطوير قدرته على فهم المفاهيم وعلى التفريق بين هذه ومفاهيم أخرى، وهذا الأمر ضروريّ للمفككّر الأكاديميّ كضرورته للإنسان العاديّ الذي يجب أن يصرّف أمور حياته اليومية بحكمة ودراية وحنكة لا بدّ منها في كثير من اللحظات المفصلية والحاسمة. الفكر النظريّ يمنح المرء قدرة على بناء هرمية معرفية للمبادئ الأولية والثانوية وما يليها، وقدرة على التفريق بين الشك والمحتوى. كما أنّه، ببساطة، المفتاح الأوّل لأمر يحتاجه الجميع: القراءة! فمن لا يعرف كيف يفرّق بين المفاهيم من جهة، وكيف يصنّفها ويربط بينها من جهة أخرى، لا يمكن أن يقرأ نصّاً بصورة سليمة.

فلنتخيّل مثلاً شخصاً يناهض معتقداً معيّناً ويدعو إلى معتقد يعتقد أنّه مضادّ له. وخلال الممارسة الفعلية يلاحظ الناظر أنّ النتيجة المتأتّية عن المعتقد الثاني تكاد تطابق النتيجة الحاصلة بسبب المعتقد الأول. والإنسان العادي هنا سيُصاب بالدّهشة. ولكن الإنسان المدرّب على التفكير النظريّ والمجرّد لن يندهش، لأنّه مدرّب على رؤية المفهوم الرئيسيّ أو الإطار العام من دون التسليم السريع للمحتوى والمقولات والمفردات المستعملة. وهو يعلم، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ الدعوة المتشدّدة إلى ’العقل‘ ونفي منتجات ما عداه، هي من حيث الرؤية المفاهيمية، مماثلة لدعوة دينية حصريّة تناهض العقل، لأنّ الطرفين، وبعيداً عن المفردات، يقدّمان في الحقيقة مفهوماً واحداً مفهوم الحقيقة المحصورة بشكلٍ معيّن.

فالتفكير النظري يساعد الإنسان على القدرة على تفريق الخيوط الملتصقة ورؤية الصورة العامة الكامنة في الصورة الخاصّة ورؤية ما هو متميّز أيضاً في ما يبدو متشابهاً مع آخر.

***

بهذه الطريقة، يمكن أيضاً مقاربة الشّعر من دون البحث الدائم عن نتيجته الظاهرة. فليس من الضروريّ أن ينتج مجتمع يكثر فيه الشّعراء، حتى لو كانوا شعراء حقيقيين بحسب مقياس ما نتفق عليه، مجتمعاً جمالياً. الازدهار المادّي المحسوس بصورة عامة يتطلّب في النهاية شروطاً مادّية متحققة وناضجة وليس مجرّد أفكار مهما سمت ونضجت. ولذلك لا ينبغي من حيث المبدأ التطرّق إلى الشعر من حيث فائدته الآنية. يعبّر أدونيس عن هذه الفكرة بعدة طرق:

“إذا أردنا التأثير المباشر في مجرى التاريخ، لا يمكن أن نختار الشعر وسيلةً للعمل. ذلك أنّ الشعر يفعل ببطء، ويفعل نوعياً لا كمّياً. ومعنى ذلك أن طرح مسألة الفعالية الشعرية تبعاً لقوانين العمل أو العلم إنما هو أمر يناقض طبيعة الشعر ذاته، ويؤدي إلى إلغائه.” (أدونيس، زمن الشعر، ط 6، دار الساقي/2005، 34)

“…الشعر يبني لكن ليس كما يبني العمل أو تبعاً له. وهو فعّال، لكن وفقاً لقوانينه الخاصة به، وليس وفقاً لفعالية العمل وقوانينها الخاصة.” (32)

من المهم جداً أن لا نقيّم مجالاً معيّنة وفق معايير ومقاييس مجالٍ آخر، وهذا الخطأ/الخطيئة ما فتئا يعبثان بالفكر والعلم منذ أن بدأا. فانتظار النتيجة المحسوسة من صفات فلسفة المختبر القائمة على التجريب وليس فلسفة العقل القائمة على المنطق والتصنيف والاستبطان والمراقبة والفهم.

والتبجّح الذي قد يدفع شخصاً للادعاء بأنّ ما يهمّه من الفكر جانبه العملي فقط يجعل كل المسيرة الفكرية للشخص موضع شكّ، فكيف يبدأ البناء من دون مخطّط؟ اجعل المخطّط أمامك ثم عدّل به لاحقاً إذا رأيت سبباً يوجب ذلك! وكذلك من يقول إنّ الشّعر انفجار للعاطفة هو أيضاً يجرّد الشعر من فعاليته القائمة على إقامة علاقة جديدة بين المفاهيم الموجودة والنظر إلى بعض تلك المفاهيم من زاوية مختلفة أو ربّما تجاوز بعضها بناءً على رؤيةٍ أو رؤيا معيّنة، وليس بناءً على تجاهل التفكير والجهل بمفردات الوجود العميق الذي كان دائماً أساس الإبداع والانطلاق لكلّ شاعر مؤثّر وذو فرادة معترفٍ بها. فالشاعر قبل أن يكون شاعراً هو قارئ قادرٌ على الفهم والتعامل مع النصوص، قبل أن يكون كاتباً يستطيع أن يبدع نصوصاً غيرها. والقراءة كما أشرنا أعلاه ترتبط بشكل وثيق بالقدرة على التفكير النظريّ والمنطقي والتفريق المجرّد بين المفاهيم والمجالات الدلالية/ المعنوية المرتبطة بالمفردات والعبارات. الشعر إذن يرتبط بتطوّر العالم الداخلي للإنسان، منطقاً وخيالاً وتمثّلاً للمفاهيم وعلاقاتها.

ليس هذا هو المكان للتفريق بين أنواع الخيال كما فعل كولريدج في تمييزه الشهير بين التوهّم والخيال، ولكن من الضروريّ أن نسحب البساط من تحت الشّعر كمفهوم نظميّ مصنوع للقراءة الجماهيرية والمناسبات السعيدة، ونعيده إليه مطرقة وإزميل وفرجار معماريّ النفوس الذي يقبع في المجرّة الداخلية.

يقول هيغل متطرّقاً إلى وظيفة الشعر: “ليس انغماساً نَزَويّاً في التوهّم ، ولكنه خيال يُقدّم ما هو روحيّ إلى حيّز ما هو طبيعانيّ- بالمختصر هو إدراكٌ ذكيّ بشكلٍ ثريّ.” (G. W. F. Hegel, The Philosophy of History, translated by J. Sibree, Dover Publications, 236-7)

***

إذن من ينتظر أن يرى عالماً جديداً يخلقه الشّعر سينتظر طويلاً جدّاً، لأنّه يطبّق معيار عالمٍ على عالمٍ آخر. أقول لنفسي أوّلاً: “أيّها الإنسان، ابنِ بيتكَ الداخليّ أوّلاً لكي تجد في المستقبل ملجأ تستضيف به، لبرهة، ضيوفاً من العالم البرّانيّ!”

يُقال إنّ الشّعر كان قبل أن يكون الفكر المنطقي والعقليّ، ولكنه أيضاً كائنٌ بعده؛ فهو إذ بدأ من خلال تخيّل الإنسان لنفسه ووجوده ومحيطه وما ليس منظوراً من حوله، فتح المجال لنشوء اللغة التي كانت بدايةً لنشوء المنطق الواعي والتفكير النظري. ولكن الشّعر الذي ظلّ حاضراً يراقب عن كثب عاد لكي يعيد ترتيب العالم من جديد بمعونة أولاده وأحفاده العقليين الذين يفرح بهم في كلّ حين، منتظراً أيضاً أن يرى منهم نسلاً يملأ الدنيا، ليعود فيمسك بأيدي أفراده ويحلّق معهم نحو الفضاء. الشّعر هو الجدّ الأبديّ الذي يراقب عمل الأولاد والعمّال والسعاة وعابري السبيل من دون أن يشمّر دوماً عن ساعديه لينزل في أسواق النّهار. الشّعر ينتظر الليل، ليل النفس الطويل، لكي يبني ويكدّ بصمتٍ ومحبّة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: