ماهيّة الشّعر: جدل شِعر التّفعيلة وقصيدة النّثر (الجزء الثّالث) – فادي أبو ديب.

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

(الجزء الأخير من محاضرةٍ تمّ إلقاؤها لطلّاب جامعة دولرنا- السّويد، بتاريخ 15 نيسان 2015).

مناقشة ماهيّة الشِّعرية:

النّظرة الجماليّة الشّكليّة:

واحدٌ من الأسئلة الجانبيّة الّتي تمهِّد للإجابة على السّؤال المطروح بشأن شعريّة قصيدة النّثر يتعلِّق بعلاقة الجماليّة بوزن وموسيقيّة الشِّعر الموزون عن طريق التّفعيلات والبحور، سواءَ كان كلاسيكيّاً أم شعر تفعيلةٍ.

فهل للوزن والموسيقا قيمةٌ جماليّةٌ شِعريّةٌ في حدّ ذاتهما أم هما عاملان من عوامل قيمةٍ جماليّةٍ تتجاوزهما؟

وبطريقة أخرى: هل الوزن الشِّعري غايةٌ في حدّ ذاته أم وسيلةٌ لإحداث إيقاعٍ معنويٍّ يقوم على الولوج في عالم الشّاعر عند القارئ، أو أخذ القارئ إلى مكانٍ يبتغيه الشّاعر؟

وطالما أنّ السّؤال عن القيمة الجماليّة فيبدو أنّ الإجابة ستكون في معظم الأحيان ذاتيّةً وليست موضوعيّةً. هل الإيقاع في قصيدةٍ موزونةٍ تصف معركةً أو شابّةً فاتنةً هو إيقاع الكلمات أم هو إيقاعُ تتابع الصُّوَر والخيالات المتلاحقة والمتراكبة والمتباينة الألوان والدّلالات؟

لو كان الهدف الأسمى للشِّعر هو الإيقاع الموسيقيّ لكان الشِّعر مجرَّد أداةٍ موسيقيةٍ قاصرةٍ أمام أيّ مقطوعةٍ موسيقيّةٍ معزوفةٍ على الآلات. وكون الشِّعر أداةً توظِّف اللّغة عن طريق الكلمات والمعاني فيجب منطقيّاً أن تكون اللّغة هي الأولويّة من حيث كونها وسيلة تعبير تتعلّق بالمعنى والخيال والعاطفيّة الّتي تثيرها التّراكيب والعبارات والصُّوَر والأساليب البلاغيّة، ويكون الإيقاع هو تتابع الحوادث الفِكريّة والوجدانيّة الّتي تثيرها اللّغة.

وانطلاقاً من هذا المعنى الجديد للإيقاع، يظهر بأنّ لقصيدة النّثر إيقاعيتها الخاصّة. ويبيّن رمضان حينوني هذا الوجود الموسيقيّ، حيث يتخذ من أعمال محمد الماغوط نموذجاً لقصيدة النّثر الّتي تبتعد تماماً عن الأوزان والموسيقيّة المعروفة للشّعر الكلاسيكيّ وشعر التّفعيلة؛ فيصنِّف الإيقاعات في قصيدة النّثر إلى ثلاثة أنواعٍ: أوّلها إيقاع التّقابل[1] الّذي يعني وجود جملٍ أو صورٍ متضادّةٍ في المعنى أو الإشارة، فمثلاُ يقول الماغوط في قصيدة “الحِصار”:

دموعي زرقاء

من كثرة ما نظرت إلى السّماء وبكيت

دموعي صفراء

من طول ما حلمت بالسّنابل الذّهبية[2].

في المثال السّابق تتباين بوضوحٍ الدموع الزرقاء والدّموع الصفراء. أمّا صورتا النّاظر الباكي إلى السّماء والحالم بالسّنابل الذّهبيّة، فيجعلان القارئ يقف على مفترق طُرُقٍ بين عالَمين من الألوان والصِّفات. فإذا تتابَعت هذه التّقابلات عدّة مرّات في القصيدة، فإنّها تجعل القارئ كمن يحلّق بجناحين، فيخترق تِباعاً طبقاتٍ هوائيّةٍ تصطفّ بالتّبادل؛ فمرّة يشعر بالفرح وبعدها ينتقل للأسى، ثمّ يعود للأمل وبعدها ينطوي في قوقعة القنوط، ليخترق بعدها عالماً أبيضَ يتبعه السّواد مباشرةً، وهكذا. كلّ هذه الصُّوَر تتابَع من خلال ثنائيّات من الجمل القصيرة والطويلة، الّتي تسمح للقارئ أو السّامع أن يعيش حالة توقّعٍ داخليٍّ لطبيعة ونوع وزمن الدَّفقة اللّونيّة أو التّصوُّريّة القادمة.

أما ثاني أنواع الإيقاع النّثريّ فهو إيقاع التّعداد[3]، حيث يعتمد الشّاعر على تعداد عناصر معيّنّةٍ، ممّا يخلق في نفس السّامع أو القارئ شعوراً بموسيقا خفيّةٍ تنسرِب على طول القصيدة، ومجدّداً يُشار إلى الماغوط في قصيدة “النخاس”:

عندي غبارٌ للقرى

رمدٌ للأطفال

وحولٌ للأزقّة

وحجارةٌ لصنع التّماثيل وقمع المظاهرات

عندي آبارٌ للتّذمّر

أمّهاتٌ للحنين

أرصفةٌ لبيع الزّهور

وغاباتٌ لصنع السّفن والقباقب وسواري الأعلام[4].

وثالث أنواع الإيقاع هو إيقاع التّكرار[5]، وهو حين تتكرّر كلمةٌ ما أو جملةٌ بشكلٍ ملفتٍ، يجعل القصيدة أيضاً تتحوّل إلى ما يشبه الأغنية الّتي تحتوي على لازمةٍ تنطلق منها المراحل الموسيقيّة المختلفة، وفي قصيدة “دروس في اللّغة الصّينيّة” يظهر التّكرار واضحاً:

أيّتها الأرصفة..

سأريحك من خطواتي

أيّتها الجدران..

سأريحك من ظلّي

أيّتها السّنابل..

سأريحك من أسناني

أيّها الأطباء..

سأريحكم من سعالي

أيّها النّائمون..

سأريحكم من غنائي[6].

وكما يظهر من المثال الأخير، فإنّ وجود نوعٍ ما من الإيقاع يمكن له أن يوجَد إلى جانب نوعٍ آخر، حيث يُلاحَظ وجود تكرارٍ مع ورود تعدادٍ يسمح للقارئ أو السّامع أن يشعر بتتبّع نبضاتٍ متساوية الطّول، تولِّد في نفسه أثراً حماسيّاً متواتراً، يُساهِم في مُراكمة المعنى، بشكلٍ يوصل الفكرة المطلوبة شيئاً شيئاً وبانتظامٍ.

ويمكن أيضاً تلمّس ملامح صنفٍ آخر من الإيقاعات في قصيدة النّثر، ألا وهو ما يمكن تسميته بالإيقاع البنائيّ، وهو الإيقاع النّاجم عن الدّفعات التّصويريّة الّتي تعمل على بناء عالم النّخيِّلة عند القارئ أو السّامع، بشكلٍ يجعل الانتقال إلى عالم الشّاعر متدرِّجاً عن طريق استخدام أفعالٍ تمنح المشهد الموصوف انبثاقاتٍ تصوّريّةً جديدةً من زوايا مختلفةٍ وطبقاتٍ متعدّدةً تتكامل في ذهن المتلقّي بشكلٍ تسلسليٍّ سلِسٍ، فتجعله كَمَن يصعد سلّماً بخطواتٍ متتابعةٍ منتظمةٍ كدقّات ساعةٍ، والقصيدة التّالية تظهر المقصود بالإيقاع البنائيّ:

الثّالثة بعد حلول السّماء

خرجَت من بابها كالشَّبَح

ترقُب خيالها المولود من الشَّمس الزّرقاء

قطفت خصلتي زعتر وغاصت في رائحة وِلادة التّراب

اختُطِفت روحها مع شذى الجوري الواعد/

أسفل الوادي الغارق…/

عشرون ألف قدمٍ نحو الجنّة في الأسفل.

***

قال لها وهو يلثُمها قبل ألف عامٍ أنّه ينتظر

على صدغِهِ علامةُ الضّوء/

إن عرفَتْ ما هي!

على ساعدهِ عَصابةٌ من قُرمُزٍ/

لا يراها إلّا الدّاخلون إلى سَرائِر المملكة.

***

ألِفَت منذ سنوات السّقوط/

قراءة علامات الشُّهُب

انتظرت قدوم المَدّ… استعدّت للغَرَق.

حافيةً، عمّدت ثوبها بعِطرٍ باقٍ من لحظة القُبلة

خَطَت في البحر وغابتْ[7].

في القصيدة السّابقة عدّة “زوايا” مكانيّةٍ أو حَرَكيّةٍ تتشكّل في طبقةٍ أولى هي طبقة شخصية الأنثى (في السّاعة الثّالثة خرجت… ترقُبُ… قطفتْ وغاصت… اختُطِفَتْ)، وهنا تساعد الأفعال لتكوين صورةٍ بانوراميّةٍ من زوايا مختلفةٍ، ثمّ طبقةٍ ثانيةٍ مختلفةٍ زمنيّاً ومكانيّاً (قبل ألف عامٍ “قال لها”… “يلثمها”) ومن ثمّ تأتي أيضاً الصّورة البانوراميّة لتكمل المشهد من بعض زواياه (على صدغه… على ساعده)، ثم طبقةٍ ثالثةٍ تعود إلى شخصيّة الأنثى في زمانٍ غير محدَّد، حيث تساعد الأفعال الواردة بشكلٍ متتابعٍ سلسٍ على اكتمال صعود السّلّم التّصوّري بنفس الانتظام الّذي لا يوغل في السّرد (ألِفت… استعدّت… انتظرت… عمّدت… خَطَت وغابَت). ومن ثمّ بعد عرض هذه الأنواع الأربعة المقتَرَحة للإيقاع، يمكن طرح هذا السّؤال البلاغيّ: أوَلَيس الإيقاع هو ذلك التوقّع الدّاخليّ الّذي يسمح للمتلقّي أن يتدرّج مع القصيدة صعوداً أو هبوطاً، ولوجاً إلى العمق أو انطلاقاً نحو الفضاء، وهو يعلم أنّ العالم من حوله أصبح سائراً وفق دفقاتٍ أو نبضاتٍ يُحمَل بها بأمان نحو المعنى المنشود؟

النّظرة المعنويّة:

يرى أدونيس أن التّمسّك بشكلٍ أو بآخر من النَّظم كممثّلٍ أوحدٍ لحقيقة الشِّعر العربيّ هو نتاج النّهضة العربيّة في القرن التّاسع عشر والتي سعت إلى بعث الأشكال والصِّيَغ التّعبيريّة العربيّة للحفاظ على الهويّة العربيّة[8]. ومهما تبلغ دقّة هذا التّحليل الّذي يقدِّمه أحد نقّاد تراث العربيّة والمحافظة على التّقليد الشّعريّ التّراثيّ القديم (أي أدونيس)، فإنّ الموقف الّذي يرفض شِعريّة قصيدة النّثر يحتاج إلى تقديم مبرِّرٍ قويٍّ لهذا الرَّفض. وأمّا إن كان هذا الموقف لا يرفض شعريّة Poeticality هذا النمط الأدبيّ، ولكنه يرفض أن تُسمّى شعراً Poetry، فإنّ هذا الموقف يزيد الأمر غرابةً، لأنّه يفصل بين الشِّعر والشِّعريّة، وكأنّ الشِّعريّة يمكن أن تقدِّم روح الشِّعر من دون أن تكون شِعراً.

وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو التّمايز مجرَّد تمايزٍ لغويٍّ بين مصطلحين، وغَرَق في حرفيّة نَزَويّة، من دون وجود مبرِّرات موضوعية للفصل بينهما إلّا الرَّغبة في قصر تعريف المصطلح التّقني على خصائص معيَّنةٍ يراها الشّاعر أو النّاقد صاحب الرّأي أوجب من غيرها. وهنا يبدو الأمر من دون قابليّةٍ للتّعريف، فإذا احتجّ شاعرٌ ما بأنّ الوزن والقافية هي محدِّدات الشِّعر المبدئيّة، جَعَل من المعنى ثانويّاً وفتح الباب للتكلّف والتّصنّع، فيصير الشِّعر مطيّةً لمن جزُلت لغته وليس لمن اتّسعت روحه، ونازك الملائكة نفسها تقرّ بخطأ هذا المفهوم العربيّ التّقليديّ القديم[9]. وإذا جعل آخرٌ الوزنَ والقافيةَ على قدم المساواة مع المعنى والصّورة والقدرة على شحذ خيال السّامع والقارئ، يمكن أن يحتجّ كاتب النّثر أيضاً بأنّ قدرته على إيصال الصّورة وشحذ الخيال وإثارة الحلم لا تقلّ عن ناظم النّصّ الموزون المُقفّى، وأنّ الوزن الّذي هو وسيلةً لأجل غايةٍ قد استُعيض عنه بوسيلةٍ أخرى. ولعلّ صاحب هذا الرّأي الأخير يرى بأنّه لا يمكن لأحدٍ أن يجزم بأنّ الوزن أكثر وقعاً في النّفس من اللّاوزن؟

ورغم أنّ نازك الملائكة تحاول أن تعتبر هذا الأمر مفروغاً منه[10]، إلّا أنّ هذا الادّعاء يمكن أن يكون موضع شكٍّ تماماً كما هو حال المثال السّابق الّذي ناقش موضوع التّفعيلات الخمسة في شطر القصيدة الّتي تتبع نمط شعر التّفعيلة. ولكن من الواضح أنّ لا شيء في النّهاية يمكن أن يجبر المُتمسّك بضرورة الوزن على حذف هذا العامل من أساس منهجيّته في تعريف الشِّعر، والأمر نفسه ينطبق على المعتقد بجواز حذف الوزن من دون أن يخلّ هذا بأحقيّة إطلاق مصطلح “الشِّعر” على قصيدة النّثر. ولعلّ نازك الملائكة نفسها، وهي أحد أشدّ نقّاد قصيدة النّثر من حيث كونها “شِعراً”، تقدِّم في نقدها لخطأ القدماء في حصر الشّعر في “الكلام الموزون المُقفّى” أساساً لنقد نظريّتها حول وجوب الالتزام بالوزن من حيث المبدأ!

وتأكيداً لمفهوم غائيّة الوزن في الشّعر العربيّ القديم وعدم قدسيّته المطلقة في حد ذاته يشير كمال أبو ديب إلى ارتباط الإيقاع بالبنية الفكر-نفسية، وأنّ الكتابة بالإيقاع القديم (الناجم عن الوزن القديم) هو في الحقيقة تغييرٌ لبنية الشّعر العربيّ بما هي مرتبطةٌ بالبنية العقليّة للإنسان اليوم. ويقدِّم أبو ديب هذا المفهوم الجديد بطريقةٍ ملفتةٍ:

ثمّة شيءٌ يبزغ في حياتنا جديدٌ. بنيةٌ جديدةٌ يعجز الإيقاع التّراثيّ عن بلورتها وتجسيدها. بل إنّه ليشكّل نقيضها المباشر: الكتابة بإيقاعٍ تراثيٍّ هي في الواقع إدخالٌ لبنيةٍ مغايرةٍ وتأكيدٌ لهذه البنية في الضّمير العربي الحديث. لذلك قد يشعر المتلقّي بالقلق واللّاتوازن بأنّ شيئاً يحدث منفصلاً عنا، متحرّكاً في مجالٍ غريبٍ على الذّات.

خلق إيقاعٍ شعريٍّ حديثٍ إذن ليس عملاً مُفتعلاً، إنّه حتميّةٌ تاريخيّةٌ. ولقد جاء حتميّاً ودور المؤثّرات الخارجيّة يجب أن يحدّد من جديدٍ، أن يكون لها أكثر من فعل اللّفت إلى مجالاتٍ ممكنةٍ، شيءٌ يكاد يناقض حركة الثّقافة كلّها، يناقض إيقاع التّطور التّاريخي[11].

وبحسب هذه الرّؤية الجديدة، يكون الوزن القديم هو اللّاإيقاع، لأنّ البنية العقليّة والنّفسيّة للعربيّ المعاصر، أو لبعضٍ من الأوساط الثقافية المتبدّلة بشكلٍ سريعٍ لسببٍ أو لآخر، قد كسرت الارتباط بين الوزن والإيقاع بالطّريقة التّقليديّة القديمة. وبدل أن يكون الوزن هو ناظم الموسيقا، أصبح عنصراً مفارقاً. فبحسب هذه النّظرة، لا يكون الارتباط بين الوزن النّاجم عن البحور والاستخدام الكمّيّ والنوعيّ المحدّد للتّفعيلات مرتبطٌ حتميّاً بالإيقاع المطلوب، لأنّ للإيقاع جانباً نفسيّاً أيضاً إلى جانب الجانب الفنّيّ المرتبط بالوزن كما مرّ الحديث سابقاً في هذا المقال.

ويخلص أبو ديب إلى أنّه “ليس ثمّة من ريبةٍ في أن الانتظام في الإيقاع النّثريّ قابلٌ للتّحقّق دون موازين الخليل[12].

“إنّ العالم الّذي انتشرت فيه قصيدة النّثر غير العالم الّذي سادت فيه الإيقاعات النّابعة من البنية الإيقاعيّة للشّعر العربيّ”[13] . ولعلّ في تبرير نازك الملائكة لظهور الشّعر الحرّ مصدراً لتبريرٍ مشابهٍ لظهور قصيدة النّثر كامتدادٍ طبيعيٍّ للأنماط الشّعريّة الأخرى، من حيث كونها “تلبيةً لحاجةٍ روحيّةٍ تُبهِظ كيانهم وتناديهم إلى سدّ الفراغ الّذي يحسّونه”[14]. ولربّما كان بعض “شعراء” النّثر يجدون في الالتزام بالبحور ونظام التّفعيلات في شعر التّفعيلة تقييداً للحريّة و”بَطَراً” وزنيّاً أيضاً لا يقلّ تقييداً عن “بَطَر القافية الموحّدة” الّذي انتقدته الملائكة، كمنهجيّةٍ لا تناسب أشواق الشّاعر الحديث[15]. وإذا كانت رائدة شعر التّفعيلة ترى في أنّ القافية الموحَّدة تُلزِم الشّاعر التقليديّ بالتّلكّؤ والابتعاد عن الانسيابيّة والتّعبير الحرّ الصّادق[16]، أفلا يجوز أن يكون أيضاً هذا هو حال كاتب شعر التّفعيلة الّذي يضطرّ إلى الالتزام بوزنٍ معيَّنٍ لا يجوز الخروج عنه؟

ويقدِّم عبّاس رأياً وسطيّاً بين القطبين المتضادّين، الممثَّلين بنازك وأدونيس، فيجد بأنّ شعر التّفعيلة (أو الشّعر الحرّ بحسب نازك) لا يمكن له أن يتوقّف عن التّطوّر ويرتدّ إلى الشّعر القديم، ليكون مجرَّد تجربةٍ مُغنيةٍ له وليس أكثر، فالشِّعر فنٌّ يرتبط بالفنون الأخرى، ويرتبط برسالةٍ تسعى إلى عبور حدودها الثّقافية الضّيِّقة:

…هذا الشّعر الّذي تسمّيه نازك شعراً لم يعد تلبيةً لرغبةٍ في التّجديد الشّكلي- كما بدا- وإنّما أصبح مع الزّمن طريقةً من التّعبير عن نفسيّة الإنسان المعاصر وقضاياه ونزوعاته فهو يتطّور في ذاته كما تطوّرت المداخل لفهم تلك النّفسيّة، والمبادئ المطروحة لحلّ تلك القضايا، والوسائل الجديدة للكشف عن ضروب اللّقاء والصّراع في تلك النزاع، ويجب أن نتوقّع استمراريّةً في هذا التّطور، لا عودةً إلى الوسائل السّابقة، حتّى أمدٍ غير قصير، خصوصاً إذا تصوّرنا ملازمة هذا التّطور لأمرين هاميّن، أوّلهما: أنّ الزّمن سيخلق أجيالاً لا تعرف من صور شعرنا القديم وضروبه لا أصداء يسيرةً تفرضها النّظرة التّاريخية، وإنّما هي أجيالٌ قد تغذّت بهذا الضّرب الجديد من الشّعر… وثانيهما: أنّ الشّعر غير منفصلٍ ولا منعزلٍ عن ضروب التّعبير الأخرى في القصص والمسرح والسّينما والرّسم والموسيقا. وإذا كان التّغير في هذه الضّروب شاملاً، متطوراً… فليس من الطّبيعي أن يستقلّ الشّعر بالارتداد إلى صور التّعبير القديمة[17].

فإن كان الشِّعر معبِّراً فعلاً عن البنية الفكريّة-النفسيّة للفرد والمجتمع، وكان المضمون عنصراً لا يمكن الاستغناء عن أولويّته ورسالته، وكان التّكلّف والتّصنّع معرقلين لانسيابيّة وصدق المفردات والمعاني، وإذا كان شعر التّفعيلة بحسب نازك -وهي رائدته- قد جاء كضرورةٍ تعبيريّةٍ لا غنىً عنها في زمنٍ ما، وكان هو الآخر مقيِّداً ببحورٍ وأوزان لا يمكن الخروج عنها، إن كانت كلّ هذه الأمور مأخوذةً بعين الاعتبار، أفلا يكون الشِّعر حينئذٍ بحاجةٍ إلى تطوُّرٍ تلقائيٍّ آخر يُسمح له وِفقه أن يكون ضمير الفرد والجماعة، مُزيلاً أيضاً مزيداً من المعرقلات، فيكون أكثر إخلاصاً للفحوى وأكثر التزاماً بهويّته الانسيابيّة عبر التّصاوير النّابعة من تجربة الشّاعر كفردٍ وكممثّلٍ للخبر الجمعيّة؟ ألا تكون “قصيدة النّثر”، وفقاً لهذا الفهم، هي الممثِّل الأصدق لهذا النّمط المطلوب من الشِّعريّة بحسب مقاييس شعراء التّفعيلة أنفسهم؟ إذا كان الجواب على هذا السّؤال الأخير “نعم” تكون إذاً قصيدة النّثر شعراً متكاملاً لا انتقاص من شِعريّته، ليس فقط بحسب من يُريد حقّاً أن يعتقد بهذا نتيجة انحيازٍ ما، ولكن أيضاً بحسب “روح” دعوة شعر التّفعيلة عينُهُ.

ومن ناحيةٍ أخرى، فلربّما من الحكمة أن يقف الشّاعر ليسأل عن هدف الشِّعر الّذي يشكِّل منظاره الّذي يرى به العالم الظّاهر ويحدُس من خلاله غائيّة وجوده الذّاتيّ والوجود التّاريخيّ وما وراء التّاريخيّ. وبناءً على هذا عليه أن يتساءل عمّا إذا كان الشِّعر أداةً تستخدمها اللّغة لتجميل ذاتها ولزخرفة مفاهيمها، أم هو محاولةٌ لتجاوز اللّغة ومفاهيمها وأشكالها الاعتياديّة باستخدام مفردات اللّغة نفسها الّتي يُرادُ تجاوز محدوديّاتها وأشكالها وأُطُرِها. إنّ هذا التّساؤل مشروعٌ؛ فهذا الفنّ الّذي يُغرِق أحياناً في تكثيف الصُّوَر، ويتجاوز الاعتياديّ نحو الغرائبيّ وغير المعقول أحياناً أخرى، والّذي يحاول أحياناً أن يفهم الوجود باستخدام تراكيب حُلْميّة أو تمازجاتٍ توظِّف المفردة الّتي تطوّرت في الزّمن مع مفاهيم وصُوَر تخترق المنطق الزّمنيّ للوجود، هذا الفنّ يُشير بإيماءاته إلى ما يتجاوز قوانين اللّغة القائمة في أساسها على المنطق المعتَرَف بها لمعاني الألفاظ والتّراكيب والجُمَل. وإذا كان الشِّعر يرفض أن يستسلم للزَّمَن والمعقول والمنطقيّ فلماذا يجب عليه أن يستسلم لإطار عامّ أو شكلٍ نابع من منظومة تعبيرية معيَّنة؟

إنّ قصيدة النّثر ليست خروجاً في مواضيعها المطروقة عن التّجربة الشِّعريّة العربيّة التّقليديّة؛ فكلّ أنواع الشِّعر تستطيع ربّما التّطرّق إلى الاعتياديّ والمعقول، كما أنّها تستطيع طرق باب الخياليّ والغرائبيّ والحالم والخاطف. ولكنّ قصيدة النّثر تسمح ربّما لكاتبها، كما لقرّائها، ألّا يتوقف في أي مكانٍ، خارجاً من رحلته الفِكرية الحسّيّة ليسأل نفسه عن مدى التزامه بقاعدة وضعها غيره.

إنّ قصيدة النّثر لربّما كانت الأقدر على السّماح للشِّعرية، بما هي التّعبير عن العالم الجوّاني للكاتب، بأن تستلم زمام اللّغة. إنّ القدرة على “ترتيب التّفاعيل في سياق ما[18] قد يسمح بخلق جماليّة إيقاعيّة تصرف النَّظَر عن بعض الضّحالة في المعنى والرِّسالة. ورغم أنّ الحفاظ على العمق ليس مضموناً أبداً في قصيدة النّثر، الّتي يمكن أن تكون مجرَّد كلامٍ عاديّ خالٍ من الفنّ في الشكل والمضمون، إلّا أنّه قد يكون من الجائز القول بأنّ كشف الضّحالة يبقى أكثر سهولةً في الشّعر المنثور، حيث أنّه لا يمكن استخدام كثيرٍ من العناصر الوزنيّة المولِّدة للإيقاعات المُطرِبة الّتي قد تخطف انتباه القارئ أو السّامع، وبالتّالي يصير لِزاماً على الشّاعر أن يبقى مُخلِصاً لعفويّته وعمق معرفته وقوّة إحساسه، كون هذه ربما تشكِّل العناصر الأقوى الّتي يصعب تزييفها في قصيدة النّثر. وبالتّالي تكون قصيدة النّثر، بهذا المفهوم للشِّعريّة، أكثر قدرةً على تمثيل الشِّعر العربيّ والشِّعر بشكلٍ عام.ٍ

[1] رمضان حينوني، “الإيقاع في قصيدة النّثر: شعر الماغوط أنموذجاً،” مجلة الموقف الأدبي، العدد 516، نيسان 2014، 95.

[2] نفس المرجع السّابق، 96.

[3] نفس المرجع السّابق، 97.

[4] نفس المرجع السّابق، 98.

[5] نفس المرجع السّابق، 99.

[6] نفس المرجع السّابق، 101.

[7] هذه القصيدة من تأليف كاتب هذه الورقة.

[8] Adonis, An Introduction to Arab Poetics, translated by Catherine Cobham (London: AlSaqi Books, 2003), 79-80.

[9] الملائكة، 192. أيضاً انظر الرّافعي، أوراق الورد (بيروت: دار الكتاب العربي، 2005)، 13.

[10] الملائكة، 194.

[11] كمال أبو ديب، “في البنية الإيقاعيّة للشّعر العربيّ وفي اللّابنية: قصيدة النّثر وجمالياّت الخروج والانقطاع،” موقع جهة الشّعر. تم الوصول إليها بتاريخ 7 نيسان، 2015.

[12] نفس المرجع السّابق.

[13] نفس المرجع السّابق.

[14] الملائكة، 41-42.

[15] نفس المرجع السّابق، 43.

[16] نفس المرجع السّابق، 44.

[17] عباس، 26.

[18] نفس المرجع السّابق.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: