ماهيّة الشّعر: جدل شِعر التّفعيلة وقصيدة النّثر (الجزء الثّاني) – فادي أبو ديب.

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

(جزءٌ من محاضرةٍ تمّ إلقاؤها لطلّاب جامعة دالارنا- السّويد، بتاريخ 15 نيسان 2015).

ومن دون تتبُّع بدايات قصيدة النّثر، فقد رفضت نازك الملائكة أيّ محاولةٍ لتسمية العمل النّثريّ شِعراً، فقصيدة النّثر الّتي لا تخضع للقافية والأوزان المعتادة، ولا ينتظم نصّها بأيّ شكلٍ، كانت خارج كلّ ما يمكن أن يُسمّى شِعراً. وبالعودة إلى نازك الملائكة فإنّ نقدها لتسمية قصيدة النّثر بالشّعر كان شديداً وحاسماً.[1]

ويورِد أمجد ناصر نقدها لقصيدة النّثر ومحاولة أصحابها إدراجها في خانة الشّعر:
تشنُ الشّاعرة العراقيّة الرّائدة نازك الملائكة هجوماً عنيفاً على مجلّة “شعر” الّتي تسمّي -في رأيها- النّثر شعراً، وترى في إطلاق هذه التّسمية تعبيراً عن “شعور أولئك المطلقين بالنّقص أمام الشّعر الحقيقيّ (…)، كما أنّ هذا الإطلاق تحقيرٌ للشّعر واللّغة العربيّة والجماهير العربيّة، وللأمّة العربيّة”[2]

فنازك رغم كونها مجدِّدة في الشّعر العربيّ إلّا أنّها لم تقبل أبداً إطلاق اسم الشّعر على النّثر. أي أنّ الشّعر بالنّسبة إليها يجب أن يكون ملتزماً بشروطٍ لغويّة معيَّنةٍ لئلّا يكون “تحقيراً للشّعر واللّغة العربيّة”[3]. ولكنّ الرَّفض الّذي يوجَّه من نازك الملائكة إلى شعريّة قصيدة النّثر لم يكن إلّا مشابهاً للاتّهام الّذي استخدمه أنصار النّمط الكلاسيكيّ إلى أصحاب الشّعر الحرّ (شعر التّفعيلة) الّتي تعدّ الملائكة نفسها واحدةً من روّاده الأوائل.
ويرسم إحسان عبّاس صورة المواجهة بين هذين الطّرفين الأخيرين، فقد اتّهم المتمسّكون بالشّعر الكلاسيكيّ أصحاب شعر التّفعيلة الحديث “بأنّهم إنّما لجأوا إلى هذا اللّون “الممزّق” من الشّعر لأنّهم عاجزون عن الشّعر الجزل ذي الشّطرين”.[4]

ومن خلال الواقع العمليّ يتبيَّن أنّ النّقد يعتمد أحياناً على خلفيّةٍ ثقافيّةٍ أو ممارَسةٍ معيَّنةٍ في محاولة تمييزه بين الجيّد والغثّ في الشّعر؛ فنازك الملائكة ترفض على سبيل المثال إدراج الأشطر خماسيّة التّفعيلة في خانة شِعر التّفعيلة الجيّد، فهي من ناحيةٍ ترى أنّ وجود خمس تفعيلاتٍ في الشَّطر الواحد لم يكن معروفاً في تاريخ الشّعر العربيّ الكلاسيكيّ، وأنّه ثقيلٌ على السّمع، وهي تنقد مقطعاً من قصيدة “جيكور والمدينة” لبدر شاكر السّيّاب، جازمةً بأنّ وَقع الأشطر ذات التّفعيلات الخمس قبيحٌ على الأذن:
تقولُ يا قطار يا قدَر (ثلاث)
قتلت إذ قتلته الرّبيع والمطر (أربع)
وتنشر الزّمان والحوادث الخبر (أربع)
وإلام تستغيث بالمضمّد الخفر (ثلاث)
أن يرجع ابنها يديه، مقلتيه، أيّما أثر (خمس)
وترسل النّواح يا سنابل القمر (أربع)[5]
ولكن هل يمكن الزَّعَم بأنّ هذا الشَّطر ذا التّفعيلات الخمس قبيحٌ على الأذن بالنّسبة لكلّ من يقرأ الشّعر؟ وإذا كان الزَّعم سيتوسَّع في طرحه ليقول بأنّ السَّمع عند المعاصرين مشوَّهٌ في معظمه، لأنّه لم يعد معتاداً، أو لم ينشأ، على سماع الشّعر الأصيل الصّحيح، فكيف إذاً يطالب أصحابُه رافضيه -من المنحازين إلى النَّمَط الكلاسيكيّ- بقبول شِعر التّفعيلة من حيث المبدأ؟ فهؤلاء الخصوم قد يوجِّهون نفس التّهمة إلى شِعر التّفعيلة، بأنّه قبيحٌ وثقيلٌ على الأذن؛ فبنفس الأسلوب يتساءل العريان عن قدرة أيٍّ من شعراء القصائد الموزونة (وهو إذ يقصد على ما يبدو الشّعر العربيّ التّقليديّ، فإنّ كلامه قد ينسحب أيضاً على شعر التّفعيلة) على نظم رسالةٍ واحدةٍ من رسائل الرّافعي في “أوراق الورد” من دون أن يخلّ بمعناها ومضمونها.[6] فإذا كانت نازك ترى في نقص النّظم الصّحيح خللاً في الموسيقا، فإنّ العريان (سائراً على نمط الرّافعي وبوحيٍ منه) يجد في نظم الشّعر المنثور إخلالاً بالمضمون وظُلماً للمعنى.

هذا الاختلاف في الرّؤية والنّمط يتّضح في نظرة أدونيس لشعر التّفعيلة؛ فهو يختلف تماماً مع نازك الملائكة، مشكِّلاً طرف القطب الآخر الّذي يواجه قطب أنصار قصر الشّعريّة على الشّعر الموزون. أدونيس لا يرى بدّاً من تحرير الشّعر من كلّ القواعد والتّراث. تظهر لديه بوادر نقض القداسة الّتي يُضفيها البعض على الشّكل، ولذلك فهو يرى بأنّ التجديد ضرورةٌ لتواكب الحياة المعاصرة. الشّعر الّذي كان يخاطب الإنسان في عصرٍ ما قد فقد قدرته على مخاطبة إنسان هذا العصر، وهو الآن بحاجةٍ إلى نمطٍ جديدٍ من الشّعر يحفظ شعريّته الحقّة، وهو يُسِرّ إلى قرّائه بأنّ “هذا الشّعر لم يستطع بعد أن يحقّق الدّور الشّعريّ الصّحيح في التحرّر التّام من السّلفيّة والنّموذجيّة والشّكليّة والتّجزئة والغنائيّة الفرديّة والتّكرار.”[7] فالقضيّة عند أدونيس هي قضيّة “موقفٍ شعريٍّ صحيحٍ”، وبعض الشّعراء الجدد من أتباع شعر التّفعيلة (الشّعر الحرّ) يبرعون فقط في ترتيب التّفاعيل في صورةٍ ما.[8]

ورغم التّضادّ الواضح بين الملائكة وأدونيس، فإنّ مؤلّفة “قضايا الشّعر المعاصر” تعترف بأنّ الشّباب قد استهان بانسيابيّة قصيدة شعر التّفعيلة، فابتدأ في السّقوط في مزالقها وارتكاب الأخطاء الفاحشة.[9] ولهذا فهي لا ترى في شعر التّفعيلة إلّا وسيلةً لإغناء التّجربة الشّعريّة العربيّة القائمة على وحداتٍ موسيقيّةٍ (تفعيلاتٍ) لا يمكن ولا يجب أن تتغيّر.

ثمّ إنّنا على يقينٍ من أنّ كثيراً من المغالين في استعمال الشّعر الحرّ سيرتدّون في السّنين القادمة إلى الاعتدال والاتّزان ويعودون إلى الأوزان الشّطريّة فيكتبون بها بعض شعرهم. والواقع أنّ حركة الشّعر الحرّ لن ترسخ في تاريخنا حتّى يدرك الشّاعر الحديث أنّ تراثه القديم كان هو المنبع الّذي ساقه إلى إبداع الجديد. وقد لا يكون غريباً أن يحسّ الفرد العربيّ، في هذه الفترة من حياته، بشيءٍ من هذا. ولكنّنا على ثقةٍ من أنّه، وهو سليل هذا التّراث الخصيب، لا يمكن أن يبقى في هذا المستوى طويلاً، ولا بدّ أن يسيطر على أبعاد نفسه كلّها في المستقبل القريب. وإذ ذاك سيبدو له الشّعر الحرّ نقطةً صغيرةً في تاريخه الكبير. وسيدرك، أوّل مرّةٍ، أنّ أوزانه الّتي ابتكرها قد بلغت مرحلة النّضج وباتت جزءاً حيّاً من تاريخه الأدبيّ العريق.[10]

فالشّعر الحرّ ليس حرّاً في نظر نازك الملائكة، بصفتها أحد المنظّرين الرّئيسيّين لشعر التّفعيلة (الحرّ) في بداياته، إلّا كمصطلحٍ تقنيٍّ من حيث استخدامه للأوزان الشّعريّة العربيّة التّقليديّة بطريقةٍ تختلف كثيراً أو قليلاً.[11]

ومن هنا يبدو بأنّ نقد مناصري اعتبار قصيدة النّثر كشعرٍ أوّلاً وكشعرٍ حرٍّ ثانياً ليس بعيداً عن الحقيقة، إن تمّ النَّظر إلى الأمر بطريقة عادل نذير الحسّانيّ الّذي يرى في حال الشّعر الكلاسيكيّ (ويبدو أنّه يضمّ شِعر التّفعيلة إلى هذه الفئة) مؤشِّراً إلى ضرورة التّجديد الّذي أصبح لِزاماً على الشّعر العربيّ:
أمّا الشّكل في الشّعر الكلاسيكيّ فما عاد أكثر من وعاءٍ يبحث عمَّن يملؤه، وكان هذا الملء مبتغى الشّعراء وشغلهم الشّاغل، وعليه جاءت قصيدة النّثر -بوصفها بحثًا عن اتّجاهٍ شعريٍّ حرٍّ– لتطيح بمظاهر الجمود والرّكاكة والصّيغ الّتي لاكتها العادة، وأفرغها التّكرار من روحها، والحقّ أنَّ نشأة قصيدة النّثر تقترن بترجمة القصائد من لغةٍ إلى أخرى.[12]

وكما قد يحدث في كلّ المذاهب فإنّ بعض شعراء النّثر قد ذهبوا مذهباً قد يُنظَر إليه بأنّه متطرّفٌ، حين قَصَروا تسمية الشّعر الحرّ على طريقتهم، رافضين أن يكون لشعر التّفعيلة نصيبٌ في هذه التّسمية أو هذا المفهوم. إدوار الخرّاط يصرِّح بشكلٍ مباشرٍ بأنّه لا يرى في شعر التّفعيلة (الشّعر الحرّ بحسب مفهوم نازك الملائكة) إلّا استمراراً للنّمط الكلاسيكيّ العربيّ القديم:
إنّ الحداثة في الشّعر، عندنا، تأخّرت حتّى السّبعينات.. إنّ شعراء السّبعينات الحداثيّين هم – وحدهم– الّذين اقتحموا لأنفسهم مساحاتٍ جديدةً تماماً.. على الشّعر، في مصر، وهم أصحاب البدء فيه. وما زال يقيني أنّ شعر التّفعيلة -سواء كان عموديّاً أم غير عموديّ– هو الّذي وصل إليه غسق الحساسيّة التّقليديّة كلّها، الّتي سوف أعدّها على نحوٍ عامٍّ، من الشّعر الجاهليّ، حتّى شعر صلاح عبد الصّبور، وحتّى شعر أمل دنقل، وما يسمّى “بالشّعر الحديث” في مصر، قبلهم، ليس إلّا من ملحقات مدرسة “أبولو” الباهتة الأثر، مع تغييراتٍ في الظّلال، وفي الاتّجاهات الاجتماعيّة.[13]

من الواضح أنّ الخرّاط يرى بأنّ الشّعر الحرّ الحقيقيّ هو الفنّ اللّغويّ الّذي لن يُلزِم نفسه بأيّ وزنٍ أو نظامٍ عروضيّ أو إيقاعٍ ما، وبذلك فكلّ حركةٍ شعريّةٍ سبقت مرحلة السّبعينات (ومن ضمنها حركة نازك الملائكة) ليست شعراً حرّاً. وهكذا فكأنّ هذا التّوجّه الجديد نحو قصيدة النّثر، برأي دعاته وأنصاره، لم يكن إلّا تكملةً للثّورة الشّعريّة الجديدة- باستعمال مصطلحات إحسان عبّاس- المتّجهة نحو المضمون على حساب الشّكل، والّتي لم يكملها شعر التّفعيلة الّذي التفت للعناية بتعديل الشّكل والموسيقا الإيقاعيّة للنّصّ أكثر من رغبته في تكريس ذاته للمعنى فقط.

الهوامش:

[1] يمكن الاطّلاع على نقدها في كتابها “قضايا الشّعر المعاصر، 182 وما يليها.
[2] أمجد ناصر، “قصيدة النّثر وما تتميز به عن الشّعر الحرّ”، موقع الجزيرة. نت. منشور بتاريخ 24 تشرين الأوّل، 2012. تمّ الوصول إليه بتاريخ 13 كانون الثّاني 2015.
[3] نفس المرجع السّابق.
[4] عبّاس، 20.
[5] نازك الملائكة، 103.
[6] العريان، 73.
[7] عبّاس، 25.
[8] نفس المرجع السّابق، 26.
[9] الملائكة، 27-28.
[10] نفس المرجع السّابق، 49-50.
[11] نفس المرجع السّابق، 64.
[12] عادل نذير بيري الحسّاني، “قصيدة النّثر: النشأة والمرجعيّات اللّغويّة،” موقع جامعة أهل البيت عليهم السّلام- جامعة كربلاء. تمّ الوصول إليه في 13 كانون الثّاني، 2015.
[13] إدوار الخرّاط، “علىى سبيل التّقديم”، مجلّة الكرمل: عدد خاصّ عن الأدب في مصر. العدد 14، ص 12. مقتبس في سيّد البحراويّ، “الحداثة العربيّة في شعر أمل دنقل”، موقع جهة الشّعر. تمّ الوصول إليه في 16 كانون الثّاني، 2015.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: