ماهيّة الشِّعر: جدل شِعر التّفعيلة وقصيدة النّثر (الجزء الأوّل) – فادي أبو ديب

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

(جزءٌ من محاضرةٍ تمّ إلقاؤها لطلّاب جامعة دالارنا -السّويد، بتاريخ 15 نيسان 2015).

مقدِّمة:
الجَدَل الدّائر بين شعر التّفعيلة أو الشِّعر الحرّ وقصيدة النّثر هو واحدٌ من أهمّ الجدالات الممتدة في الوسط الأدبيّ العربيّ منذ أواسط القرن العشرين تقريباً. والسّؤال الّذي يطرح نفسه في هذا السِّياق هو: هل يمكن اعتبار قصيدة النّثر شِعراً، وبالتّحديد شِعراً حرّاً؟ أم أنّ الشِّعر الحرّ نمطٌ أدبيٌّ منفصلٌ لا يمكن نسب النّثر إليه؟
فيبدو أنّ الجدل الّذي دار وما زال يدور بين الشّعر الحرّ وقصيدة النّثر لا يرضى إلّا أن يكون تعريف الشّعر ساحته الرّئيسيّة. فكلّ المناورات التّحليليّة والأدبيّة ستجد نفسها عاجزةً أمام صوتٍ يسأل: “ما هو الشّعر إذاً؟” والإجابة على السّؤال الأخير هي الّتي ستحدِّد إن كانت قصيدة النثر شعراً حرّاً أم لا، وإن كانت شعراً أم لا، إن كان هناك فعلاً إجابةٌ حاسمةٌ ونهائيّةٌ لهذا السّؤال.

ستعتمد هذه المقالة بشكلٍ رئيسيٍّ على نظريّة نازك الملائكة في شعر التّفعيلة أو الشّعر الحرّ ونقدها للادّعاء بشعريّة قصيدة النّثر، كونها أحد روّاد النّوع الأوّل وواحدةٌ من النّاقدين المهمّين للدّعوة إلى اعتبار النّثر شعراً. وسيتمّ أيضاً تناول آراء بعض الأدباء والنّقّاد الآخرين حول موضوع الجدليّة بين الطّرفين.

لا تدّعي هذه المقالة تقديمها لأيّ إجابةٍ حاسمةٍ حول الموضوع، ولكنّها مجرَّد نقاشٍ لموضوع الشّعريّة بشكلٍ عامٍّ، كما يتجلّى بجلاءٍ في الجدل الحاصل بين شعر التّفعيلة وقصيدة النّثر، ومحاولةٌ لتقديم حجّةٍ تدعم شِعريّة قصيدة النّثر وأصالة علاقتها بالشّعر.

شعر التّفعيلة (الشّعر الحرّ):
شعر التّفعيلة، الشّعر الحرّ، الشّعر المُرسَل أو المُسترسِل، كلّها تسمياتٌ تدلّ على ذلك النّوع من النَّظم اللّغويّ الّذي يعتمد على القوافي المتعدّدة أو الموحّدة في القصيدة، مع استعمال أشطرٍ متباينة الطّول من حيث عدد التّفعيلات الّتي تحتويها. وهذا يختلف بشكلٍ واضحٍ عن الشّعر العربيّ الكلاسيكيّ (الشّعر العموديّ)[1]، الّذي يعتمد على قافيةٍ موحَّدةٍ لكلٌ الأبيات وعلى عددٍ متساوٍ من التّفعيلات في كلّ شطرٍ (حسب البحر الشّعريّ المتّبع). الفرق الآخر المهمّ بين الشّكلين هو أنّ شعر التّفعيلة يتعامل مع القصيدة بكاملها كوحدةٍ معنويّةٍ واحدةٍ، فالمعنى ينساب على طول عدّة أشطرٍ، أو على طول القصيدة بكاملها، بينما يجعل الشّعر العموديّ من كلّ بيتٍ وحدةً معنويّةً يمكن النّظر إليها باستقلاليّةٍ عن باقي أبيات القصيدة. وقد ساد النّمط الكلاسيكيّ في الشّعر منذ نشوء اللّغة العربيّة وحتّى القرن العشرين، حين بدأت دعواتٌ عديدةٌ لتجديد الشّعر من حيث الشّكل والموسيقا، وإلى تجديد معنى الشّعريّة، كما سيتبيَّن تِباعاً.
الجزم بأسباب التّحوُّل إلى هذا الشّكل الجديد ليس مسألةً سهلةً. وإن كان البعض قال بأنّ تأثّر بعض الشّعراء العرب بالشّعر الإنكليزيّ (الرّومنطيقيّ بشكلٍ خاصٍّ) كان عاملاً أساسيّاً،[2]، فإنّ البعض الآخر لا يرى في هذا الّتحوّل إلّا تطوّراً طبيعيّاً لهذا الشّعر حتّى وإن شابه غيره من الإنتاجات الأدبيّة في الثّقافات الأخرى.[3]

أمّا إحسان عبّاس فيشير إلى ناحيةٍ أخرى في تبدّل المناخ الشّعريّ العربيّ، وهي علاقة النّصّ بقابليّة الشّرح والفهم. وبحسب عبّاس فإنّ التّوجّه الجديد نحو التّركيز على المضمون والمعنى (وهو توجّهٌ رومنطيقيٌّ) لم يستطع، رغم تركيزه الكبير على وجوب مخاطبة الشّعر للشّعور وعلى قدرته على الإيحاء الّذي يعزّ على الفهم، لم يستطع أن يغيّر النّظرة العامّة الّتي ترى بأنّ قابليّة الشِّعر للفهم والتّفسير هي واحدةٌ من ضرورات الظّاهرة الشِّعريّة.[4] ويضيف عبّاس هنا أنّ الثّورة الشّعريّة الجديدة لم تأتِ لتحسم صراع الفهم والإيحاء، أي صراع الصّور الغريبة صعبة التّفسير واللّغة القابلة للفهم والشّرح في الشّعر، بل جاءت كي تكسر الانضباطيّة في الشّكل؛ “من الغريب أنّ ريح الثّورة لم تهبّ من هذا المنطلق، أعني منطلق الصراع بين الفهم والإيحاء، وبين بعد الاستعارات أو قربها، وإنّما انبعثت لتحطّم تلك الانضباطيّة في الشّكل، سواءً أكان ذلك الشّكل قائماً على شطرين أو على أساسٍ توشيحيٍّ متنوّعٍ متكرّرٍ. وكأنّما كان الشّعر يفتّش عن طريقةٍ تخلّصه من الشّكل الصّارم.”[5]

ومع ذلك يمكن التّساؤل في هذا المقام حول مدى إمكانيّة الفصل بين الثّورة على الشّكل والثّورة من أجل تعميق القدرة على الإيحاء؛ فكيف يمكن للهاث الشّاعر الرّومنطيقيّ على سبيل المثال، وصراخه الحادّ، أو أنّاته المتلاحقة الّتي قد تختلط بهذيانٍ لغويٍّ محمومٍ يخرج من صدره، أن تندفع بحريّةٍ مع التزامها الصّارم بالشّكل المنمّق الموزون للّغة؟ ورغم أنّه لا يمكن الجزم في ادّعاء أنّ الشّعر الموزون يقوم دوماً على فحصٍ عقليٍّ مدروسٍ بعنايةٍ للمفردات والتّراكيب اللّغوية، إلّا أنّه لا يمكن استبعاد ضرورة مراجعة الشّاعر لنصّه الموزون لضمان سير الإيقاع حسب القاعدة المأمول اتّباعها. خصوصاً عند الحديث عن ثقافةٍ لم تعد تستعمل في يوميّاتها الاعتياديّة أو حتّى الأدبيّة لغة الشِّعر الموزون، إن كانت كذلك يوماً ما. والمثال التّالي من قصيدة نازك الملائكة “الكوليرا”، وهي -حسب ادّعاء الشّاعرة- القصيدة الّتي اكتشفت بها ومن خلالها الشِّعر الحرّ:
سكن اللّيل
أصغ إلى وقع صدى الأنّات
في عمق الظّلمة، تحت الصّمتِ
على الأموات
صرخاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفّقُ، يلتهبُ
يتعثّر فيه صدى الآهات

***
في كلّ فؤادٍ غليانٌ
في الكوخ السّاكن أحزانٌ
في كلّ مكانٍ روحٌ تصرع في الظّلمات
في كلّ مكان يبكي صوتٌ
هذا ما قد فعل الموت
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حزنَ عراقي الصّارخ ممّا فعل الموت.

***
طلع الفجرُ
أصغ إلى وقع خطى الماشين
في صمت الفجر أصِخْ
أنظر ركب الباكين
عشرة أمواتٍ عشرونا
لا تحصِ، أصِخ للباكينا
إسمع صوت الطّفل المسكين
موتي موتي، ضاع العددُ
موتي موتي، لم يبق غدُ
في كلّ مكان جسدٌ يندبه محزون
لا لحظة إخلادٍ لا صمتْ
هذا ما فعلت كفّ الموتْ
تشكو أرضي تشكو ما يرتكب الموت.

ومن دون تقطيع القصيدة عروضيّاً (لإيجاد التّفعيلات المستعملة، نوعها وعددها) يبدو واضحاً تعدّد القوافي، وعدم الانتظام الكامل لتواتر ظهورها والمسافة الّتي تفصل بين ورودها وتكراره.
ولكنّ إحسان عبّاس، وإذ يقرّ بأنّ نازك الملائكة والسّّياب والبيّاتيّ هم “رسل هذه الثّورة”[6]، إلّا أنّه لا يحبّذ تسمية شعر التّفعيلة بالشِّعر الحرّ، فشعر التّفعيلة أو الشّعر الحديث لن يكون شعراً حرّاً، إن أُريد فصله مثلاً عن الشِّعر المنثور، وهو فصلٌ واجبٌ وضروريٌّ برأيه.[7] وبمعنىً آخر فإنّ الشّعر المنثور (قصيدة النّثر) هو الأحقّ بتسمية الشِّعر الحرّ، إن كان سيُعتبر شِعراً، وهو ما يفعله عبّاس كما هو واضحٌ من تفريقه السّابق بين شعر التّفعيلة والشِّعر المنثور.

قصيدة النّثر:
قصيدة النّثر كما يظهر من اسمها هي قصيدةٌ تستعمل النّثر الفنّيّ. والنّثر عند العرب هو أيّ نصٍّ مكتوبٍ غير شعريٍّ وفق المقاييس الكلاسيكيّة للشِّعر (الأبيات الموزونة على أحد البحور الشّعريّة المعروفة عند العرب، وتكون ذات قافيةٍ موحَّدةٍ). وقصيدة النّثر هي الّتي تستخدم الكتابة الفنّيّة للنّثر، الّذي يختلف عن الكلام العاديّ أو الكتابة السَّرديّة القصصيّة والتّاريخيّة وما شابه [8]. وكانت الدّعوة إلى التّجديد في الشِّعر العربيّ وتحريره من الأشكال المفروضة سابقاً في الحقيقة لنازك الملائكة، وبالتّالي سابقاً لظهور شِعر التّفعيلة كحركةٍ ناضجةٍ، ففي الرّبع الأوّل من القرن العشرين دعا مصطفى صادق الرّافعيّ، “أديب العربيّة الفذّ” كما تدعوه نازك [9]، إلى التّجديد. ويصف محمّد سعيد العريان الرّافعيَّ بأنّه “شاعرٌ في الصّف الأوّل من الشّعراء. أعني الشّعر الّذي هو التّعبير الجميل عن خلجات النّفس وخطرات القلب ووحي الوجدان ووثبات الرّوح.” [10] ويدّعي العريان أنّ الرّافعيّ كان دائماً يعتبر أنّ في الشّعر العربيّ قيوداً لا تتيح للمرء أن ينظم الشِّعر (ولا ريب أنّه يقصد الشّعر الكلاسيكيّ الموزون المقفّى) ما يعبّر تماماً عن النّفس الشّاعرة[11].

ومع أنّه لا يمكن الادّعاء أنّ الرّافعيّ كان من روّاد قصيدة النّثر أو شعر التّفعيلة، إلّا أنّه كان من روّاد الدّعوة إلى تجديد مفهوم الشِّعريّة، رغم أنّه هو نفسه استمرّ في كتابة الشّعر الكلاسيكيّ [12]. كما أنّ رسائله الّنثريّة الفنّيّة مليئةٌ بالسَّرد المطوَّل الّذي يجعلها شبيهةً بالفنّ القصصيّ، ممّا يجعلها بعيدةً عن كونها “قصيدة نثرٍ”. ومع ذلك يبيِّن هذا المقطع من كتابه “رسائل الأحزان” لغةً نثريّةً عالية الفنّيّة -وربّما لا يمكن التّشكيك بشاعريّتها (وشعريّتها)- أنّه يمكن لكثيرٍ من مقاطع رسائله أن تكون قصائد نثريّةً كما يمكن رؤيتها في الوقت الحاضر على الأقلّ:
“كوني ثلاثاً من النّساء كما قلتِ أو ثلاثةً من الملائكة، ولكن لا تكوني ثلاثة آلامٍ. انفخي نفخ العطر الّذي يُلمَس بالرّوح، واظهري مظهر الضّوء الّذي يُلمَس بالعين، ولكن دعيني في جوّكِ وفي نوركِ. اصعدي إلى سمائكِ العالية ولكن ألبِسيني قبل ذلك جناحيْن. كوني ما أرادت نفسُكِ ولكن أشعِري نفسَكِ هذه أنّي إنسان”.[13]

فمثلاً يمكن للنّصّ السّابق أن يكون وارداً عند أيّ من كُتّاب قصيدة النّثر، بالشّكل التّالي:[14]
كوني ثلاثاً من النّساء
/كما قلتِ/
أو ثلاثةً من الملائكة
ولكن لا تكوني ثلاثة آلامٍ
انفخي نفخ العطر الّذي يُلمَس بالرّوح
واظهري مظهر الضّوء الذي يُلمَس بالعين
ولكن…/
دعيني في جوّكِ وفي نوركِ
اصعدي إلى سمائكِ العالية/
ولكن ألبِسيني قبل ذلك جناحيْن
كوني ما أرادت نفسُكِ…
ولكن أشعِري نفسَكِ هذه أنّي إنسان.

الهوامش:
[1] لا يحبّذ إحسان عبّاس تسمية النّمط الكلاسيكيّ من الشّعر العربيّ بالشّعر العموديّ. انظر إحسان عبّاس، اتّجاهات الشّعر العربيّ المعاصر (الكويت: المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، 1978)، 22.
[2] عبّاس،14.
[3] خليل مطران، مقدّمة أطياف الّربيع لأبي شادي، مقتبس في عبد الهادي محبوبة، مقدّمة “قضايا الشّعر المعاصر” لنازك الملائكة (منشورات مكتبة النّهضة، 1967)، 13-14.
[4] عبّاس، 13.
[5] نفس المرجع السّابق، 14.
[6] عبّاس، 14.
[7] نفس المرجع السّابق، 22.
[8] للمزيد عن النّثر وتطوّره يمكن مراجعة شوقي ضيف، الفنّ ومذاهبه في النّثر العربيّ.
[9] الملائكة، 187.
[10] محمّد سعيد العريان، حياة الرّافعيّ (القاهرة: المكتبة التّجاريّة الكبرى، 1955)، 72.
[11] نفس المرجع السّابق، 72-73. رغم أنّ العريان لا يقدِّم إثباتاً واضحاً على نظرة الرّافعيّ إلى الشِّعر بهذه الطّريقة بل يعتمد على معرفته الشّخصية به، ولكنّ الرّافعيّ نفسه يورِد في كتاباته ما يجعل هذا الرّأي مشروعاً، حيث يقول: “الشِّعر وراء النّفس، والنّفس وراء الطّبيعة، والطّبيعة من ورائها الغيب… وما الشِّعر إلّا أوّل المعاني المُبهمة، والدّرجة من سلَّم السّماء الذاهبة إلى عرش الله؛ وهو كذلك أوّل ما في الإنسان من الإنسانيّة. في هذا الكون مادّةٌ عامّةٌ يسبح الكونُ فيها… وما أرى الشِّعر إلّا تأثير المادّة في بعض النّفوس العالية الكبيرة الّتي تصلح أن يسبح خيال الكون فيها.”
انظر مصطفى صادق الرّافعيّ، رسائل الأحزان (صيدا-بيروت: المكتبة العصريّة، 2009)، 47.
[12] يمكن الاطّلاع على سبيل المثال على ثلاثيّته النّثريّة “رسائل الأحزان” و”السّحاب الأحمر” و”أوراق الورد”، والّتي تحتوي على العديد من القصائد الكلاسيكيّة.
[13] الرّافعيّ، رسائل الأحزان، 33.
[14] ويمكن أيضاً فعل ذلك مع شيءٍ طفيفٍ من التّعديل على بعض حروف العطف والرّبط. ولكن المثال لن يحتوي أيّة تعديلاتٍ الآن.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: