ما فائدة الشِّعر: هل هو بقايا حقباتٍ بائدةٍ؟ – فادي أبو ديب

ما فائدة الشِّعر: هل هو بقايا حقباتٍ بائدةٍ؟ – فادي أبو ديب

 فادي أبو ديب

لعلّ أكثر الأسئلة الّتي تواجه الشّاعر وجمهورهُ وحتّى خصومه وخصوم الشِّعر بشكلٍ عامٍ تتمحور حول التّشكيك برسالة الشِّعر وفائدته وتأثيره في المجتمع الإنسانيّ. التّحدّي العملاق الّذي يطلّ برأسه، والّذي يبدو أحياناً كسؤالٍ كابوسيّ يُطارِد الشّاعر الّذي يشعر بأنّ لديه رسالةً عُظمى يؤدّيها من خلال ترحاله الأرضيّ، يبرز في معظم الأحيان في تساؤلات الجمهور وهجومات الخصوم: ما هو التّأثير الّذي يتركه الشِّعر في هذا العالم الّذي يُعاني من آلاف المشاكل الّتي تحتاج إلى حلولٍ مادّيّةٍ ملموسةٍ؟

ولعرض الموضوع بشكلٍ أكثر صراحةً يمكننا أن نتساءل: كيف يمكن لكياناتٍ لُغويّةٍ غالباً ما تنتهك المنطق والمجال الدّلاليّ للمفردات لتخلق عوالم نصف خياليّةٍ أو خياليّةٍ صِرفةٍ أن تغيّر الواقع المادّيّ لعالمٍ ما برح منذ فجر وجوده يغرق شيئاً فشيئاً في المادّيّة الصُّلبة ومتطلّباتها الّتي لا تعرف المساومة أو التّفاوض؟
كيف يمكن للغةٍ حُلميّة أو مثاليّة القِيَم (بحسب مقياسٍ ما يعتمد عليه القارئ) أن تترك بصمةً حقيقيّةً في عالمٍ يشهد البشر على أنّ نقش أيّ اسمٍ أو حدثٍ فيه لا يتمّ غالباً إلّا بالكثير من المال أو الدّماء أو العمل الشّاقّ والجادّ لسنواتٍ طويلةٍ؟ كيف يجرؤ الشّاعر على الاعتقاد بأنّه يقوم بأيّ عملٍ ذي قيمةٍ في الوقت الّذي يُفني بعض النّاس حياتهم وأموالهم وممتلكاتهم في سبيل أن يقوموا بأشياء تُعتَبَر ذات قيمةٍ؟
هذه الأسئلة المتفرّعة كلّها عن السّؤال الرّئيسيّ حول قيمة الشّعر كفيلةٌ بإحباط أيّ عقلٍ يجدّ لإيجاد بعض الإجابات عن هذا الموضوع.

حديثنا هنا لن يكون مثالياً ولن يعتمد على “نظم القصائد” في مديح المثاليّة وتفوّق الأخلاق والقيم والأفكار على عالم المادّة، بل سيُظهِر كيف أنّ الشّعر يشكّل اللّبنة الأساسيّة في بناء أيّ صرحٍ ملموسٍ ذي قيمةٍ.

في البداية ينبغي القول بأنّ الشِّعر مهما كان متجاوزاً للمنطق الطّبيعيّ (بحسب ما يعرّف البعض ماهيّة هذه الطّبيعيّة) فهو في النّهاية مجموعة أفكارٍ؛ والأفكار لا يمكن أن تمرّ من دون نتائج معيّنةٍ سواء تجلّت على أرض الواقع الملموس فوراً أو بقيت كامنةً، تعمل في العالم الدّاخليّ للمفكّر أو للّذي يتعرّض لهذه الأفكار عن طريق القراءة أو السّماع، لتجد طريقها يوماً ما إلى نوعٍ من أنواع التّجسيد.
يمكننا القول بثقةٍ بأنّ الشِّعر هو بداية البداية لكلّ شيءٍ لأنّ الفكرة/ الحلم هي بداية كلّ عملٍ، ولذلك نستطيع أن نستطرد فنقول بأنّ الشِّعر هو بداية البداية لأيّ مجتمعٍ أكثر صحّيّة من غيره، لأنّ الأفكار/ الأحلام هي الممهّد للبناء والتّشييد في هذا العالم والممهّد والدّافع للانخراط في التّفكير العقلانيّ المنظَّم. وأمّا الأفكار الّتي تقول بأنّ المجتمعات البدائيّة اللّاواعية لحالتها تماماً هي أكثر سعادةً وصحةً فهي تحتاج لكثير من التّمحيص والتّقليب على مختلف الجوانب لرؤية مدى صحّتها.

يمكننا أن نتخيّل إذاً الإنسان الأكثر بدائيّةً وهو يصيد فريسته ليأكل ثمّ يحلم (لسببٍ ما) بملمس النّار عليها فيبتكر الطّبخ. ربّما حلم بنقل هذه التّجربة الدّافئة الّتي يشعر بها في جسده إلى هذا الجسد الميت الّذي يحمله بين يده ليشعر بدفئه يخترق أحشاءه. ما أدرانا إذا كان اختراع الطّبخ ناجماً عن حاجة نفعيّة أم عن مجرّد حلمٍ؟ كيف تعلّم أوّل البشر صيد السّمك؟ كيف علم وهو يقف على شاطئ المحيط الواسع بأنّ هناك مخلوقاتٍ قابلةً للأكل فيه؟ ألعلّه حلم ’بشاعريّة‘ بأن يخترق بجسده هذا الجسد المائي الضّخم ليدخل في حالةٍ من نصف الخَدَر الّذي يترافق عادةً مع الانغمار الكلّيّ بالماء، أو يعد أن أدرك وهو ينخطف قليلاً بفعل ملمس الهواء على وجهه الرّطب بأنّ الغوص في المحيط قد يحمل تجربةً أكثر نشوةً وانخطافاً؟ قد تبدو الفكرة سخيفةً ولكن لا يوجد سببٌ لاستبعادها لأنّ كلّاً منّا اختبر شيئاً من هذا القبيل في طفولته أو في أيّ من مراحل عمره؛ أقصد اكتشافات أشياء نتيجة اندفاعاتٍ حُلميةٍ نحو أشياءٍ أخرى.

فان كوخ

وإذا انتقلنا للعصر الحديث، أليس من المحتمل أن يؤثّر نصّ شِعريّ يتحدث عن زجاج يعكس أشعة شمس الأصيل بطريقةٍ سحريّةٍ ينسال من خلالها المنظر الصّلب للخلائق والموجودات ليمنح عيون مسافرٍ نعسان شيئاً من حُلم؟ أليس من المحتمل أن يؤثّر في حرفيّ أو كيميائيّ ليقضي الشّهور وربّما السّنين وهو يبحث عن طريقةٍ لاختراع نوعٍ من الزّجاج تخلب ميّزاته الضّوئية أبصار النّاظرين؟ أنستغرب بعدها أن يُفتَتَن معماريّ بهذا النّصّ أو هذا الاختراع ليشيعه في كلّ أعماله؟ ألم يكن كلّ عمل الخيميائيّين في القرون الوسطى ناجماً عن أفكار شِعريّة/حالمة عن أكاسير الحياة وأفكار الخلود واكتشاف المعادن الثّمينة ذات النتائج السّحرية؟ ماذا عن أفكار الإبحار في الماء وصعود الجبال واختراق الغابات؟ ألا يمكن أن تكون دافعاً لا يمكن تثبيط همّته لابتكار أشكالٍ معماريّةٍ جديدةٍ في دمج الماء بالحجر باخضرار الوديان؟ ألا تنتج كلّ هذه الأمور مشاريع ملموسةٍ جديدةٍ وتقنياتٍ علميّةٍ وفنّيّةٍ جديدةٍ.

الشِّعر بما فيه من أفكار وأحلام يلعب من دور ريب الدّور الأكبر أيضاً في تطوّر الفنّ التّشكيليّ ومدارسه. ألا يمكن القول بأنّ التّلاعب بتقنيّات الإضاءة والنِّسب والحجوم والمقاسات ليس ناجماً إلّا عن محاولةٍ لتجسيد هذه الأفكار الشِّعريّة/الحلميّة الدّاخليّة المكثّفة والغريبة أكثر من كونه ناجماً عن تحرّكٍ عقلانيّ رياضيّ مدفوعٍ بالتّجربة المجرّدة من الشّغف والهوس والأحلام. هل نحن بحاجةٍ للكثير لإثبات بأنّ بعض القصائد قد تشعل ثورةً أو تغيّر بلداً (بغضّ النّظر عن تقييمنا لمدى صحّة هذا الشّيء)؟

هل النّاس في القُرى والمدن خصوصاً، ممّن جعلوا أحياءهم عامرةً بالخُضرة والألوان والشّجيرات المزهرة، كانوا يفكّرون في نسبة الأكسجين وثنائي أكسيد الكربون بالجوّ، أم كانوا مُقادين (بنسبٍ متفاوتةٍ من الوعي) بأفكارٍ شاعريّة عن الضّوء والظّلال والاحتضان الطّبيعانيّ للإنسان؟ ألا نعرف كلّنا أطبّاء طاردوا اختصاصهم العلميّ بفعل حُلمٍ مثاليّ بمجتمعٍ معافى يعيش فيه كلّ الناس بصحّةٍ وسلام، بطريقةٍ تجعلنا نرى فيهم أفراداً يطاردون جمهوريّة أفلاطون الفاضلة أو فكرةً شاعريّةً مثاليّةً أكثر من كونهم أفراداً مهووسين ببحوثٍ عقلانيّة تجريبيّةٍ محضةٍ تستمتع بتمحيص التّفاصيل البيولوجيّة بحدّ ذاتها؟ هناك أيضاً بعض القصائد الّتي تحتوي على وصفٍ لتراكيب لونيّة ألحّت على ذهن الشّاعر فاستطاعت أن تخطف لبّ القارئ أو السّامع ليعيش حياته وهو يطارد هذا الإحساس الغامض باللّون العجيب الّذي يترافق من دون شكّ بملامح مكانيّة غامضة. هل يمكن لأحد أن يشكّك بأنّ اختراع الطّائرة كان تجسيداً عمليّاً لحلم الطّيران الّذي تجسّد في “قصائد” لا حصر لها منذ عصر الأساطير والنّصوص الدّينيّة؟ ماذا عن غزو الفضاء والتّحليق بين الكواكب والسّعي المحموم للنّزول عليها والسّكن فيها؟

أنا لا أدّعي بأنّ كلّ هؤلاء الحالمين يعون تماماً أحلامهم؛ فبعضهم يعي تماماً بفعل اطّلاعه الرّوحانيّ والأدبيّ والفلسفيّ الواسع الّذي يمكّنه من استبطان نفسه وفهم دوافعها، وبعضهم نصف واعٍ، وبعضهم ربّما لا يعي أبداً هذا الحافز الّذي يحتاج إلى من يبيّنه له بالإثبات والبرهان بعد نقاشٍ دقيقٍ ومعمّقٍ يعتمد على الأسئلة والإجابات. فلنقارن مجتمعاً يغلب عليه الحلم بمجتمعٍ ينجرف في تأمين لقمة يومه، ولنرَ حينها ما تأثير “الشِّعر” بكلّ ما فيه من أحلامٍ. هل تشترط الأحلام وجود مجتمع غنيّ مستقرّ يتيح لأفراده الحلم؟ فلننظر إلى التّاريخ القديم والحديث ونقرّر الإجابة عن هذا السّؤال!

أؤمن بأنّ الشِّعر الّذي يحمل حلماً صادقاً يخرج من صميم تجربة الشّاعر، أو اكتشافاً لدقيقةٍ صغيرةٍ من دقائق النّفس الإنسانيّة بعيداً عن مُغريات الانجرار وراء رونق الألفاظ والتّراكيب (رغم بطش اللّغة الّذي تمارسه بنسبٍ متفاوتةٍ على الجميع)، قادرٌ على الوصول إلى عددٍ كبيرٍ من الأفراد بمقدارٍ مكافئٍ من الإحساس والحرارة اللّذين نبعا أصلاً من الشّاعر نفسه. فالبشر (أو معظمهم) يشتركون بكثيرٍ من النّماذج الحُلميّة الّتي يمكن لها أن تعرّف نفسها للآخر إن هي حُمِلَت على كلماتٍ نابعةٍ من الاختبار الحقيقيّ. وأمّا الدَّجَل اللّغويّ وإن استعمل مفرداتٍ وصوراً شبيهةً فهو لا يستطيع أن يحمل نفس الحرارة (وهذا جديرٌ بدراسةٍ مستقلّةٍ).

1 thought on “ما فائدة الشِّعر: هل هو بقايا حقباتٍ بائدةٍ؟ – فادي أبو ديب

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: