مبدعون سوريون (2) الفنان عبد القادر عزوز – فريق مبدعون سوريون حمص

مبدعون سوريون (2) الفنان عبد القادر عزوز – فريق مبدعون سوريون حمص

مبدعون سوريون

مبدعون سوريون

فريق العمل: اعداد: ريم الشعار – متابعة: كارمن شقيرة – نبيه الحسن – حوار: كارمن ديب – صياغة وتصوير: رامز حسين.

كان المخطط أن نذهب لنلتقي بفنانٍ تشكيلي، بدا الأمر سهلاً في البداية، ولكن وعند تحويل الفكرة لواقع بدأت تظهر ملامح صعوبة.
سهل جداً التعامل الشخصي مع فنان بحجم عبد القادر عزوز، لكن الأصعب أن تحتلّ لبعض وقت، بعضاً من روحه ليبوح لك بما يخفي، والبوح أصعب، فهو لن يبوح إلا راضياً عما يحصل، وكان ذلك هدفنا، رضاه، ثم بوحه، ومن حديثنا معه كانت هذه المقاطع:

كنت طالباً في المرحلة الاعدادية، حيث دروس الفنّ ثانويةٌ كما هي اليوم، أعجبتني مزهرية عند الحلاق، أعجبتني كثيراً، طلبت استعارتها لبعض الوقت، رسمتها وأعدتها إليه، كنت أتأكد من حبي للرسم، عرفت وقتها أني لن أفعل شيئاً مهماً آخر في حياتي، الرسم فقط.

 

بعد زمنٍ قليلٍ افتتح مركز صبحي شعيب للفنون في حمص، كان أوّل الطريق نحو الاحتراف، مع أساتذةٍ مختصين، ودروسٍ حقيقية، وكنت أذهب مع زملائي على الدراجة الهوائية إلى غوطة حمص، لنرسم، كانت تلك بدايات التعرف على موهبتي، على قدرتي على التعبير من خلال الخطّ واللون، كانت تتشكل ملامح مستقبلي كفنانٍ تشكيلي، يملك بعض ألوانٍ ومساحاتٍ بيضاء، ومخيلة، ومشيت أول الطريق الصعب، نحو الفن كهواية وعلم، ورغم معارضة الأهل الطبيعية لبعض الوقت مشيت في هذا الطريق.

في الكلية كنت متحمساً كما الجميع، للقدرة على التعبير، وعلى التغيير، ساعدَنا أن أساتذتنا كانوا معنا، بكلّ ما استطاعوا من طاقةٍ وايمان، اقترحت أن نشغل أوقاتنا بعد دوام الكلية بالرسم فيها، بعض الموسيقا في الإذاعة لنسمع ونحن نرسم، بعض الأساتذة كان يزورنا بعد الدوام ليستطلع ما وصلنا إليه، بعضهم أصبح بسرعة صديق طريق الفن، وكان يدعونا لنرى آخر أعماله، يستطلع من خلال طلابه رؤيتهم لما اشتغل، يستمع لآرائهم بكلّ جدية، هذا التفاعل كان ايجابياً للطرفين، وكان يعطينا دفعاً قوياً لنكون أفضل.

غصةٌ قويةٌ تمرّ في طريق الذكريات، فمن استفاد من كلّ امكانات كليّة الفنون الجميلة، صار اليوم في مركز القرار، ووقف معادياً لفكرة الموديل العاري التي كانت إحدى أساسيات التعلم، وكانت تسير في طريقٍ سليمٍ كله احترام لمحتوى المادة ولرسالتها، ثم صارت في رأي هؤلاء ابتذالاً وإخلالاً بمبادئ الدين والأخلاق.
كيف نرسم ما لا نراه ولا نعرفه؟
وكما يحتاج الطبيب لمساحة من الاستثناء ليعرف أكثر، كذلك الفنان يحتاج لمساحاتٍ من الاستثناءات ليكون فناناً حقيقياً.

عدم الاهتمام في المدارس بمادة التربية الفنية واعتبارها حصّة فراغ أدى الى أميةٍ ثقافيةٍ في مجال الفن التشكيلي، كما أن قلّة المعارض، وعدم دعمها الكافي من قبل مؤسسات الدولة، ساهم في هذه الأمية التي أدت لتلك القطيعة النسبية بين الفنان والمتلقي، لذلك صار الفن التشكيلي نخبوياً، وتعزّزت مقولة الفن للفن، وهذا ما يجب تلافيه، وتحويل الفن التشكيلي لثقافةٍ عامةٍ، يحسّ به ويتذوقه كل أفراد المجتمع، لماذا لا يأخذون الطلاب في المرحلة الابتدائية في رحلة إلى المتاحف، ومعارض الفن التشكيلي؟ ولماذا لا تكون اللوحأت الفنية أغلفةً للكتب والدفاتر؟ إن ذلك سيفتح عوالم جديدة عند الطفل، وتدفعه لتقبل وتذوق الفن، وتعزز في من يملك موهبة الرسم حبه وشغفه لهذا الفن، وتفتح له آفاقاً جديدة.

نحول الحديث باتجاه آخر، لنعود إلى الفن وشجونه:
المرأة ليست أساسيةً في أعمالي، ليست الملهمة المباشرة، المرأة جزءٌ من ثنائي الحياة، والملهم الأساسي لأعمالي هو الأدب والموسيقا، الفن متجلياً بشكلٍ آخر، رواية أو سمفونية، أقرأ وأسمع، لأرسم من جديد ما صار بي، بطريقتي.

هامش : في مرسم عبد القادر عزوز مساحةٌ جميلةٌ لأشرطة الموسيقا الكلاسيكية، شركات معمو وأورجينال حلب. المختصة بأصفى الأشرطة في الموسيقا الكلاسيكية، تشايكوفسكي أولاً. المحزن أن جهاز الاستماع روسي الصنع، معطل. ويحتاج إلى قطعة غيار روسية ربما لم تعد متوفرة، تبقى أشرطة الكاسيت مرتبة في مكانها، ويبقى صوتها بلا جهاز استماع. في الذاكرة، وتبقى ملهمة.

في حديثٍ عن مدارس الفن التشكيلي، وحتمية تراتبيتها، يصر عزوز أن لا معنى حقيقي لتلك المنهجية المخترعة، فالفنان خلق ليتحدى ويكسر المألوف والقواعد، هو أدرى بطريقه، وكيف يصل، ولكن ومنعاً للاستسهال الحالي المتداول لا يمكننا فهم فنان يقفز فوق كل مدارس الفن ليصل إلى المدرسة التجريدية والتي يجب أن تكون اليوم في أعلى درجات هرم الفن.
يبدو ذلك الطريق المختصر سهلاً لكثيرٍ من الفنانين، اختصارٌ لوقتٍ وتجربة، ووصولٌ سريعٌ لأعلى السلم، وهو حتماً سيكون هبوطاً أكيداً وسريعاً لأدناه.
يبقى المعيار الأول والأخير احساس الآخر بالعمل، تلك هي علاقة المبدع بالمتلقي، لا يغفر فيها الكلام المتداول عن تخطي المبدع لعصره، ولا الكلام عن جهل المتلقي، تلك العلاقة الحاضرة والمتوازنة بين مبدعٍ يحسّ ويحسن فهم عصره، وبين متلقٍ ينتظر ابداعاً حقيقياً ينتشله من مستنقع الواقع، ليصعد به في سماء الاحساس.

وبالعودة من العام لخاص الفنان عبد القادر، يتحدث عن شغفه بالثنائيات، ثنائية الرجل والمرأة، ثنائية الخير والشر، ثنائياتٍ تتحول الى إلمطلق، ففي لوحات عبد القادر عزوز تعبيرٌ واضحٌ عن هذي الثنائيات المتناقضة في الحياة، لتصبح في لوحاته بشكلٍ واحدٍ جميل، هي لوحته، كلّها، بما تحويه من متناقضاتٍ، هكذا يجتمع بشاعة وجمال الواقع في لوحاته لتكون جمالاً خالصاً، ضمن مستطيل، إطار، هو حلمه، أراد أن يسلط الضوء عليه، واللون فيه.

تبدأ اللوحة بالتشكّل عند عزوز منذ لحظة فرشه للألوان بشكلٍ عشوائي، الطاقة الداخلية موجودةٌ، ربما تكون بسبب روايةٍ ما أو قطعةٍ موسيقيةٍ أثرت به، يبدأ باختيار النقطة الأولى للعمل ثم يكمله كما تفرض حالته النفسية الجديدة ومزاجه، يتطوّر العمل بتفاعلٍ متبادلٍ بين الداخل والخارج، ثم تكتمل ملامحه مع الوقت ليصير كائناً جديداً، من روحٍ ولون.

في إضاءةٍ أخرى يقول الفنان عزوز أنّه تغير وتطور مع الزمن، طبيعي هذا الأمر، الانسان متغير، سينعكس ذلك على أدوات تعبيره، ربما لو رأى لوحاته الأولى سيضحك من طفوليتها، ربما يمزقها، لكنه حتماً سيراها بعين الرضا عن مسيرة فنانٍ عاش كل مراحل التطور الطبيعي، من طفولية الموهبة والفن لحرفيته.
يتذكر لوحةً رسمها بجلسةٍ واحدةٍ في السنة الأولى من دوامه في الكلية، ونالت إعجاب كثيرين، وصار الطلاب يتداولون صورتها حتى وصلت إلى أحد السفراء، وطلب شراءها، “لكني لم أقبل ولا أعرف لماذا؟” هكذا يقول ضاحكاً.

لا يتذكّر أوّل لوحةٍ باعها، بقليلٍ جداً من الليرات، أقلّ كثيراً مما تستحق، لا يتذكر الثمن القليل، فهو ليس مهماً، لكنه يتذكر فرح أن من اشترى اللوحة كان فناناً أوربياً زار كلية الفنون وقتها وأعجب بأعماله، وظل يواكب كلّ جديدٍ له، للفنان الذي كان يومها، في أول الطريق.

وعن جديده يقول أنه يعمل على اللوحات الصغيرة، وهو يعيد النظر ببعض لوحاته القديمة ويعدل فيها.

يصرّ عبد القادر عزوز على أن يبقى في حمص، في منزله البسيط، يضحك وهو يقول: صمدنا أيام الخطر، وقت كانت الاشتباكات والقذائف قريبة، تبدو بالنسبة إليه فترةً ولّت إلى غير رجعة، سفره خارج سوريا كان سهلاً كاجراءات، لكنه كان مستحيلاً كروح، يصرّ على أن يبقى ساكناً في حمص، كما هي ساكنةٌ فيه، بعض ردّ الوفاء ربما…

ننهي زيارتنا للفنان الإنسان عبد القادر عزوز، محتفظين بذكرى وجهه المبتسم، ولطف روحه، حيث كان المكان عابقاً بالدفء، والجمال.

2 thoughts on “مبدعون سوريون (2) الفنان عبد القادر عزوز – فريق مبدعون سوريون حمص

  • كل الشكر والتقدير لفريق (مبدعون سوريون – حمص) لإضاءتهم على فنان حمص المتميّز بإنسانيته ورهافة حسه الأستاذ عبد القادر عزوز

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: