محمّد دمّر يزدة يغازل “بنت السما” شعراً محكياً – أحمد محمد السح

محمّد دمّر يزدة يغازل “بنت السما” شعراً محكياً – أحمد محمد السح

أحمد محمد السّح
أحمد محمد السّح

يبدو إصدار مجموعةٍ شعريةٍ مطبوعةٍ في هذه الأيام مغامرةً بحقّ، لكن المغامرة تبلغ خطورتها عند اتخاذ قرار إصدار مجموعةٍ شعريةٍ باللهجة الدارجة، أو ما يسمى الشعر المحكيّ، فقد درجت العادة هذه الأيام أن يسعى من ابتُليَ من الشعراء بلعنة الشعر المحكيّ أن يتجهوا لعرضه على شركات الإنتاج والمغنين والمغنيات، عسى أن تتحول هذه القصائد إلى أغانٍ، وقليلٌ منهم من ينجح في هذا وكثيرون يعودون مكسورين مع زحمة إنتاج الردي والابتعاد عن القصيدة في الغناء.

والشاعر”محمد دمّر يزدة” من أصحاب الابتلاء بالشعر المحكيّ، وقد اتخذ خطورة المغامر حين جمع شعره في مجموعةٍ شعريةٍ حملت عنوان “بنت السما” جاءت بالمحكيّة السوريّة الأقرب إلى اللبنانيّة كونه ابنُ منطقةٍ تتزاحم فيها اللهجة بين البلدين فتكادُ تتطابق، وقد أصرّ أن يكون إهداؤه باللهجة المحكيّة حاملاً في طياته تفاصيل متعددةٍ تُبرز قدرة الشاعر على تحويل اللغة اليومية إلى المحكية الشعرية واعتماد أسلوب الشعر النبطي في عدد من النصوص كما في قصيدته “حرقة قلب”:
(يا مارقة بهاك الدرب هونيك
شفتك أنا ومش قادرة إحكي
يا ريت فيني جيبك وخبيك
وضمك لقلبي، إغمرك تكة\ي).

وبين التجلي العاطفي والوصفيات تحضر في قصائد محمد يزدة لغة الطبيعة درجاً على المعهود في شعر القرية وغنائياتها التراثية، فتجد القمر والنجوم والغيوم حاضراً، وفي قصائده تسبح في عالمه الشعري متجسدةً بظهوراتٍ مختلفةٍ تبدو جديدةً أحياناً عما عهده الشعراء السابقون وربما يبدو التكثيف كثيراً في “المستخباية”:
(بالليل لما هربت النجمات
سألنا لنعرف سر الحكاية
قالو تخبو بدروة الغيمات
وعم يلعبو بالمستخباية
ركض القمر والشجر والوردات
وأخدو لحاف الليل تغطاية).

كما يبدو واضحاً أن الشاعر يعتمد في قصيدته على الوصف، وهو الشكل الأبسط في الشعر لكنه لا يتركه على بساطته فيدخل فيه حوارياتٍ شعريةٍ تعكس التحليل النفسي المتواجد للشخصيات التي يتحدث بلغتها الشاعرية على الرغم من أن هذا التحليل النفسي يبدو رشيقاً طيّعاً وهادئاً ومظهراً رشاقة جملة يزدة الشعرية وبساطتها وهو ما يظهر في قصيدة “رهان”:
(… بتراهنوا؟ قلون الأول وبثقة
بقصة زغيرة اليوم بقدر اسرقا
الظاهر حبيبا اليوم كان مفارقا
هي فرصتي رح املكا انتظروا لكان
قلو التاني بشارطك وبراهنك
وبحاربك فيها وما بدي هادنك 
ميزان شخصي اليوم ماني زاينك
الحلوة إلى لا تناقش وضب اللسان)
ويبدو في هذا النص أنه مجموعةٌ من الرباعيات التي تتكرر فيها القافية ذاتها مراتٍ ثلاث، لتعود وتتفق الأسطر الشعرية في الشطر الرابع في القافية، وهو اهتمامٌ وتنويعٌ من الشاعر في شكل قصيدته المحكية، لكن التنويع أيضاً يصل إلى روح النصوص التي وردت، فنجده أيضاً يصل إلى السوريالية بقصيدته المحكية كما في قصيدة “شجرة قلوب”:
(طلعت ع تلة عالية عند الغروب
صرخت، سمعها الرب علّام الغيوب
قالت ما بقدر بعد اتحمّل ذنوب
قلا اطلعي ع كون خالي من العيوب
فرحت كتير اتطلعت ناح الجنوب 
شالت قلبها زرعتو بصخر الجبل
فقنا الصبح في بمطرحو شجرة قلوب).

فاليا ابو الفضل

وهذه السورياليّة الشفافة لم تمنع محمد يزدة من الانغماس في انعكاسات الحرب وتحديداً مع الأحداث الدامية التي وصلت إلى الأطفال فهو يذكر التفجر الإرهابي الذي ضرب مدرسة عكرمة المخزومي في مدينة حمص وراح ضحيته عشرات الأطفال فيقول في قصيدة سماها “عكرمة”:
(طارت الشنتة اتخزق المريول
سيدارتو عالحيط عم تبكي
الفولار سكت ما عرف شو يقول
والكتب صارت للسما تشكي).

ونعود إلى الشكل فقد بدت بعض نصوص المجموعة حداثيةً من حيث الشكل، فلنقل أنها أقرب إلى شعر التفعيلة، حيث تبدو انفعالات الشاعر متوترةً قصيرةً ونزقة، تعتمد شكلاً من السيميائيّة دون الإغراق فيه وهنا نعرّج على قصيدة “تغيير” نموذجاً:
(بنت صغيرة بهالدني
ما لا ذنب…
قتلوا الطفل جواتها..
قتلو اللعب…
قلبوا الحقيقة بحالها
صارت كذب…
صار الخروف ببالها
هوي الذئب…).

أما آخر ما يختم به الشاعر كتابه الجميل “بنت السما” فهو مجموعةٌ من الردّات كان قد نشرها الكترونياً وأعاد نشرها هنا ورقياً في هذا الكتاب:
(زيدي قتل بالحب واغتالي القلوب 
وحطي حواجز ع المفارق والدروب
قلب الـ قتلتي بعزّ أيام السلم
ما عاد يرجع بالمصايب والحروب).

يبدو هذا الكتاب غنياً ومتمكناً يفيد كل من يقرأه ويجعله متمكناً من الوصول إلى التفريق بين الكلام العادي والشعر المحكي، ربما نستطيع تبرير ذلك أن الشاعر ربي في بيتٍ ثقافيٍّ بحتٍ لأمٍ شاعرةٍ وجدٍّ شاعر، مع العلم أن دراسته الجامعية في جامعة تشرين كانت في مجال له علاقة بالتكنولوجيا، وهو المجال الذي يعمل به في الخارج حيث يشتغل في مجال التداول الالكتروني، ويفيض شعراً كما هم شباب سوريا لنفس الجيل الذي يبدع إلى جانب عمله الحياتي الذي يعيش منه.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: