مرثيّة العصافير – قصة قصيرة – هاني نادر

هاني نادر

حقيقةً، لا أعلم السبب الحقيقي الذي يدفع الناس للخوف من الوحدة، ولا أعتقد أن ذلك الأمر يثير القلق، بل على العكس، إن ما يشعل الرعب داخلي حقاً هو فقدانك القدرة على أن تكون وحيداً، وبالتالي توقّفك عن غزل خيوط وحدتك وتحويلها لأجنحة، فتعلق مثل سجينٍ داخل قفصٍ مخيفٍ ومليءٍ بالدمى المضحكة، والتي ربطت أنفسها من الأعلى بحبالٍ خفيّة، وصارت تُسيّر حركاتها – بكامل رضاها – ضمن خطٍ موحّدٍ لا خروج عنه، تمشي فيه وتردّد كالببغاء بصوتها الآليّ: كائنات اجتماعية.. كائنات اجتماعية..

منذ أسابيع قليلةٍ، لم أجد ما يمنعني من الهروب من القفص، والجلوس مع صديقتي الجديدة، فلم أكن أنتظر أحداً، ولم يكن أحدٌ ينتظرني، ولم نُعِر انتباهاً، الوقت وأنا، لبعضنا البعض، إذ كنتُ أشبه بالموسيقا التي تصدح – دون هدف – داخل منزل عجوز صمّاء، وهكذا، وبعد محاولاتي العديدة هنا للتهرّب، التفتُّ أخيراً لها، وصرتُ صديق الوحدة المفضل.

صباح كل يومٍ صرتُ أستيقظ دون أن ألقي تحية الصباح على أحد، احتراماً لصديقتي، ثم أمسك بيدها الصغيرة وأخرج من غرفتي، صديقان يخرجان سوية، صديقان يشبهان أغنية تغرق كالسمكة في هواء المدينة البلاستيكية المزيفة، فيتحدث الطريق، يحاول التقرب، اللغة أجنبيةٌ غريبةٌ على أذن الخطوات، تجذبني لغة الأشجار، أحمل كل الحديقة وأفتح دماغي، أرميها داخله علّها تخرس الضجيج، فتهرب الذكريات الأسيرات عن طريق الخطأ، تثور وتثور، تجعل من الشارع وطناً، أحمل وحدتي في أحضاني وأركض، يركض الحب خلفي كالشرطي، تركض أمي، الحرب، الله، تنفجر عبوات الذاكرة الناسفة، أصرخ، أفتح فمي وأصرخ، فأنفثُ من فمي مظاهرة، تعبر فوقها طائرةٌ مدنيةٌ تنسيني الشهداء، ينظر ركابها إليّ وكأنني المستقبل، مستقبلهم، يرمي لي أحدهم صورةً لشابٍ مبتسمٍ داخل مطعمٍ إيطالي، الشاب يشبهني، ألتقط الصورة، فيتحول الشاب عجوزاً لا يشبهني، والمطعم قبراً، أنظر في عينيّ الوحدة وأنا أفكر بالاستسلام، بالانتحار ربما، ترتجف العصافير، تطير هاربةً مني، فتهبط النجوم عليها كالمسامير، ثم، وبكلّ برودة، ألبس أجساد العصافير الميتة، وأهرب عائداً مع صديقتي الوحدة إلى الغرفة.

في إحدى الحانات أسمعهم يتهامسون بلغةٍ لا أعرفها، أخمّن الحديث:

– هذا هو.. قاتل العصافير.. لا يعطي وحدته لأحد.. بخيل..

أنظر إلى الكرسي الفارغة أمامي، فتبتسم لي الوحدة ابتسامة إعجاب، أرمي لها قبلةً في الهواء وأرفع كأسي وأشرب نخبنا، ثم أشرب نخبنا من جديد، ثم نخب آخر، أغمض عينيّ، فيهجم عليّ الماضي كأرنبٍ بريّ متوحّش، أفتحهما فيختفي، ثم تداهم أغنيةٌ قديمةٌ رأسي، أمسك يد الوحدة ونرقص، هم يتهامسون ونحن نرقص، يستهزؤون ونرقص، يغادرون الحانة ونرقص، يثورون ويموتون ونرقص، تحترق المدينة، يعبر طفلٌ متسول، يبوّل عليها فيطفئ الحريق، يدفع التراب فوقها بقدمه الحافية، يدفن المدينة المحترقة، يدفنها بالرماد والبول والتراب، يدفننا، ونحن نرقص.

في طريق العودة، نوقف الباص:

– اثنان من فضلك..

* أنت لوحدك.. هل أنت مجنون؟

– هل أنت حيّ حقاً؟ أتحبّ التنفس؟ أتتقبّل العدم؟

سرعان ما نُبصقُ من الباص، كبصقة جائع، قاتل، أو لص، أو كبصقة أمّ على صورة طاغيةٍ مبتسم، لا فرق، فالبصقات بنات الغضب الطائشات، ثم نمشي ونمشي، تحتضننا المسافات، نصغر رويداً رويداً، إلى أن تلتهمنا الشمس، ذاتها التي كانت في كل مرةٍ تلتهمنا مع حقائبنا.. عند كلّ غربة.

وكما جرت العادة ليلاً، نصل الغرفة، وتتململ صديقتي وتستلقي على ظهري، تتشبّث بي بقوة، تغرز شرايينها في جلدي، ثم تفرد جسدها الأبيض الرقيق ببطء، إلى أن نصبح جسداً واحداً، بأجنحةٍ بيضاء..

كما جرت العادة ليلاً أيضاً، أقف على حافة الشرفة، أتنفّس، أنظر للأسفل، أرتجف، وأرمي نفسي كالعصفور بثقةٍ محاولاً الإنتحار..

ثم، تحملني الوحدة بخفة.. وأطير، مثل الدخان أطير عالياً.

أطير محلّقاً.. محلّقاً.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: