مسرح دمشق الروماني – مهند عبدالله زيدان

مهند عبدالله زيدان
مهند عبدالله زيدان

لعلّك من الأشخاص الذين يسيرون في دمشق القديمة باستمرار، سأرشدك إلى مسيرٍ مشوّقٍ ربّما تكتشف فيه جديداً لا تعرفه أو كنت تسمع به، ابدأ مسيرك من الجهة الغربية عند مدخل سوق مدحت باشا “بداية الشارع المستقيم”، وعندما تصل لمنتصف السوق المسقوف ستجد بأنّ مفرق سوق الخياطين بات على يسارك، وسوق الصوف على يمينك، خذ يمينك عند نزلة الشمّاعين ثم انعطف باتجاه زقاق طاحونة السجن بشكلٍ مقوّسٍ، تابع مسيرك إلى أن تصل إلى سوق الصوف!! عندها ستدرك بأنك مشيت بشكل شبه دائري.

خلال أعمال المسح الجوي لمدينة دمشق القديمة في النصف الأول من القرن الماضي، تم التعرف من خلال توزع البيوت في موقع حيّ الصوف، إلى الجنوب من شارع مدحت باشا، على شكلٍ اقترح العلماء أنه يمثّل مسرحاً. بالفعل فالشخص الذي يسير في هذا الجزء، والناظر من الأعلى لا يشكّ أبداً بوجود مسرحٍ بُنيت وتعاقب عليه بيوتٌ سكنيةٌ على مرّ العصور، وشكّلت حيّاً أخذ شكل المسرح تماماً (شكل وترتيب الحارات أخذ شكل المدرّج).

لم يكن وجود هذا المسرح مجهولاً لكثير من المستشرقين بما فيهم Watzinger & Wulzinger و Jean Sauvaget ولكن دون أيّ دليلٍ ماديٍّ. وخلال أعمال ترميم بيت العقّاد في أواخر تسعينات القرن العشرين، أحد البيوت الدمشقية المملوكية العثمانية في حيّ الصوف (معهد الآثار الدانماركي اليوم) تمّ العثور على أجزاءٍ من جدرانٍ وقوسٍ تعود إلى الفترة الرومانيّة، وتمّت دراستها من قبل العالم فرايبرغر الذي اقترح تأريخها إلى نهاية القرن الأول قبل الميلاد وبداية القرن الأول الميلادي.

القوس الروماني المكتشف في بيت العقاد
مخطط مدينة دمشق في الفترة الرومانية

التنقيبات تؤكّد وجود مدرّجٍ من الحقبة الرومانيّة في الثلث الأول من الطريق المستقيم في دمشق تحت بيتي العقّاد وحورانيّة، وهو من أكبر وأضخم المسارح حسب الباحث الألماني Weber، وأنّ هذا المسرح الروماني قد تمّ تهميشه في فترة الإمبراطور البيزنطي جوستنيان عام 529 ميلادي، لأنّه منع العروض المسرحيّة لأسبابٍ دينيةٍ، وتمّ تدميره أواخر القرن السادس الميلادي، ثم استعمل كمكانٍ لتجميع البضائع الداخلة إلى مدينة دمشق ثم اختفت آثاره.


مخطط يوضح تموضع بيت العقاد وحورانية فوق المسرح الروماني

يقول المؤرخ الشهير يوسيفوس فلافيوس (يوسف بن ماتيتياهو37-100 م): “وبنى (ويقصد هيرودوس الأكبر) أماكن لممارسة الرياضة في طرابلس ودمشق وبعكا. وكذلك قام ببناء جدارٍ حول بيبلوس، وقاعةً ضخمةً أيضاً، والأديرة، والمعابد، وأماكن للتسوق (أسواق) في بيروت وصور، وبنى المسارح في كل من صيدا ودمشق. كما بنى القنوات المائية لأهل اللاذقية الذين يعيشون قرب البحر”. مما يعني أن مسرح دمشق الروماني بني أثناء فترة حكم هيرودوس (37–4) ق.م بحسب المؤرخ فلافيوس.

إذاً، يقع المسرح في الجهة الغربيّة من المدينة ويطلّ مباشرةً على شارعها المستقيم. من خلال دراسة الصور الجويّة ودراسة الجدران المكتشفة في بيت العقاد، يمكننا القول أن الجدران المكتشفة تعود إلى الزاوية الشماليّة من منصّة التمثيل أو “خشبة” المسرح مع النهاية الشرقيّة من واجهة المنصّة. تقع منصّة التمثيل في الجهة الشماليّة، وكانت تنفتح على الشارع المستقيم مباشرةً كما هو الحال في مسرح تدمر مثلاً. يُتوقع بأن يكون قطر المسرح حوالي ثلاثة وتسعين متراً، مقارنةً مع المسرح الذي أعيد بناؤه في تدمر الذي كان يجلس فيه حوالي سبعة آلاف إلى تسعة آلاف متفرجٍ. إلى الشمال من هذه المنطقة الترفيهيّة، ربما كان المسرح مرتبطًاً بطريقٍ قصيرٍ بين الشمال والجنوب إلى معبد جوبيتر، حيث من الملاحظ أن المسرح قد ارتبط بمعبد جوبيتر الدمشقي عبر شارعٍ مقابلٍ مدخله تماماً (سوق الخياطين اليوم)، ولا تزال آثار بوابة المعبد التي كانت تنفتح عليه قائمةً حتى يومنا هذا. ممّا لا شكّ فيه إذاً أنّ المسرح تمتّع بوظيفةٍ دينيةٍ إلى جانب وظيفته المدنيّة الاجتماعية، وهو أمرٌ شاع جداً في المسارح الرومانيّة في كافة أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة، ويتشابه إلى حدٍّ كبيرٍ مع مسارح المقاطعات الشرقيّة.

مخطط لمسرح دمشق بحسب weber

والجدير بالذكر بأن مشروع مدى الثقافي قد سلّط الضوء على هذا الأثر من خلال جولةٍ سياحيّةٍ افتراضيةٍ لموقع المسرح في أواخر عام 2016 ضمن فعالية اكتشف سوريا – هذي دمشق التي ينظمها المشروع.

جولة فريق مدى الثقافي لمسرح دمشق الروماني عام2016

يبقى أن نقول بأنّ ما ذكرناه هو جزءٌ يسيرٌ من تاريخ وجود المسرح الروماني في دمشق، والأمر بحاجةٍ لمزيدٍ من الدراسات والأبحاث حتى نتحقق أكثر عن وجوده ووظيفته وأهميته في حياة الدمشقيين في القرون الميلادية الأولى.

المراجع: 
1. طارق أحمد، مقرّر المسارح والحمّامات، كلية السياحة، 2013، ص20-21.
2. Ross burns, DAMASCUS A HISTORY, Taylor & Francis e-Library, 2007, p57-58. 
3. Peder mortensen, Bayt al-aqqad the history and restoration of a house in old Damascus, the Danish institute in Damascus, 2005.

1 thought on “مسرح دمشق الروماني – مهند عبدالله زيدان

  • الله يعطيكن العافية وتسلم ايدكن

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: