من”ليليث” شيطانة القفار إلى “لي لي ليش” – علي المحرز

من”ليليث” شيطانة القفار إلى “لي لي ليش” – علي المحرز

علي المحرز

علي المحرز

مدخل بسيط:

قصقصَ عهد الحضارات الذكورية حقيقة أمنا الكبرى (العصر الأمومي) كإلهةٍ كليةٍ للسماء والأرض (إنانا / عشتار)، فتشظّت إلى نتفٍ إلهيةٍ بأسماءَ عديدةٍ لكل اسمٍ صفة، كربّة للأرضٍ، وربّةٍ للقمر، أو الزهرة، وربّةٍ للحبّ والجنس والولادة ورعاية الأسرة، وربّةٍ للحرب، وربّةٍ للصيد، وربّةٍ للينبوع، وربّةٍ للعالم السفلي، وربّةٍ للشفاء، والخير والربيع، ومادة بحثنا ليليث شيطانة القفار الليلية بالاعتماد على مراجع مثل كتاب تقشير النص للباحث ناجح المعموري، وكتاب لغز عشتار للباحث فراس السواح، وأسطورة ليليث للباحثة بريجيت كوشو والباحث جورج كدر.

أسطورة ليليث (شيطانة القفار المظلمة):

اشتق اسم ليليث من الليل والهواء، وفي السومرية تحديداً يعني الريح الحار (حمى النفاس) الحرارة التي تقتل النساء مع أطفالهنّ أثناء الولادة، ويتشابه اسم “ليليث” مع الكلمتين السومريتين: ليلتي “الشهوة”، ووليلو “الفسق”. صوّرتها الأعمال الفنية على هيئة امرأةٍ مجنحةٍ عاريةٍ، جميلة الجسد، مكتنزة الصدر، تقف فوق لبوتين، وتنتهي ساقاها بمخالب الطيور الكاسرة، وعن يمينها ويسارها بومتان. ليليث التي كان أوّل ذكرٍ لها في أسطورة (إنانا. جلجامس وشجرة الخولوبو شجرة إنانا) السومرية كشيطانةٍ سكنت بطن شجرة الخولوبو، مع الأفعى التي وضعت عشها عند الجذور، وطير إمدوكود (طائر الزو) الذي عشعش في تاجها ووضع صغاره فيه، إلى أن استجاب جلجامش لطلب أخته إنانا الربّة المقدسة الضاحكة والمطربة في إحضار شجرتها كي تصنع منها عرشها، عندئذ تفر ليليث إلى القفار قبل أن يقتلع جلجامش الشجرة. وفي آثار بابل المحفوظة في مكتبة “آشور بانيبال” تظهر أصول ليليث (يد إنانا)، كبغيٍّ مقدسةٍ لإنانا، حيث ترسلها بصورة امرأةٍ جميلةٍ ذات شعرٍ طويلٍ وشهوانيةٍ حيوانيةٍ في نهاياتٍ تدميريةٍ، كي تغوي الرجال في الطريق، وتقودهم إلى معبد الإلهة، حيث كانت تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة. لذلك نرى فيها كبغيٍّ دلالةً على وظيفةٍ من وظائفها كإلهةٍ وأمٍّ كونيّةٍ، إن لم تكن وجهاً من وجوه إنانا ذاتها التي كانت توصف بالبغي المقدسة.

توضيح:

مهمٌّ جداً معرفة لماذا اجتمعت (الأفعى) مع (الطائر إمدوكود) مع (ليليث) في أسطورة إنانا وجلجامش وشجرة الخولوبو (الصفصاف). قلنا سابقاً أن أمنا الكبرى كانت ربّةً كونيةً تجتمع بها كل عناصر الحياة، فقد كانت أفعى كونية يرمز لها بأفعى دائرية الشكل (الأوروبورس) تعض على ذيلها كربّةٍ للخلود وربّةٍ للبداية والنهاية وربّةٍ للشفاء بشارتها على واجهة الصيدليات. يبحث خزعل الماجدي في كتابه المعتقدات الأمّورية جذر اسم طائر (إمدوكود) تحت عنوان “الآلهة الأمورية الأم” المؤلف من مقطع (إم) التي تعني إلهة الريح والهواء لأن الأموريين من بيئةٍ صحراويةٍ كما الأراميين ساكني المرتفعات لا شيء سوى الهواء والريح تعصف بهم. أما كلمة (دوكود) فهي كلمةٌ مركبةٌ من مقطعين هما (دوكو وإد) وتعني كلمة (دوكو) في السومرية (الجبل المقدس) وفي البابلية معبد (مردوخ)، أما كلمة (أد أو أدّو) فتعني (إله) أو إشارةً إلى نوعٍ من الجنّ الطيبة، وعليه يكون معنى كلمة (أمدوكود) إله ريح الجبل المقدس، المعنى الذي يشي بصفة أنليل (إله الهواء والريح)، وأن لا مكان للقفار والأشرار والريح في بيئة شجرة الصفصاف التي تعيش على ضفاف الماء، فتعلن إنانا نفسها ربةً على عرش خصب طبيعةٍ حيّةٍ هي موطن السومريين.

الفنانة سلام الأحمد

الفنانة سلام الأحمد

ليليث في ديانة الصابئة المندائيين:

تسافر ليليث وتسكن عموم جعرافيا المنطقة وشواطئ المتوسط وأوروبا بوجهها السومري القفاري والليلي كشيطانةٍ للقفار وقاتلةٍ الأطفال، لكن مع الديانة المندائية لها وجهٌ نورانيٌّ خصبيٌّ لأنها ترعى النساء في الحمل وبعد الولادة ولا تفارق سرير الميلاد، لأنها إلهةٌ حاميةٌ وراعيةٌ للأطفال، يصفها الكتاب المندائي (دراشة ديهيا) كروحٍ نورانيةٍ رحيمةٍ، ورفيقة النور أو النار، تبقى بجانب سرير الولادة ثلاثة أيامٍ لتحمي الأطفال من الشياطين والأرواح الشريرة، وتتوسع وظائفها لتكون مسؤولةً عن رعاية العروسين والطقوس التي يؤديانها، لدرجة أنها تأخذ بذرتهم المعطلة لتظهر منها الأرواح الشريرة ناقلة الطاعون، فهي بذلك ذات وظيفةٍ ثنائيةٍ ترعى الخصب والحياة وتحمي من الشرور والشياطين، لذلك صورها الفن المندائي مع الجن والشياطين لما لها من فعلٍ سحريٍّ لامتصاص القدرات الشريرة وتعطيل السحر الأسود. لقد تأثرت المندائية بالعقائد المجوسية بخصوص ليليث وأخذت منها الزرادشتية، أما صفاتها الخيرة فينطق بها (أهورا مزدا) بذاته.

ليليث اليهودية:

لنا مع يهود السبي قصةٌ جديدةٌ عن ليليث تنسجم مع لاهوتهم الصحراوي القفاري الذكوري، إذ نراها في التوراة بالوجه المظلم الليلي لإنانا / عشتار، ورموزها كالحمامات تتحول إلى بوماتٍ وغربان تمثل خفق القلوب والرعب، وتبشر بالفراق والشقاق والموت. يروي (علي الشوك) أن الله التوراتي خلق ليليث من طينة آدم وزوجةً له، لكنها رفضت أن تنصاع له فرفضت الاستلقاء تحته لأجل الوصال مدعيةً أنها تساويه ومجبولةٌ من نفس طينته، وعندما حاول آدم تطويعها بالقوة هجرته هاربةً من جنة عدن لتستقر في مكانٍ قفرٍ (البحر الأحمر) لا يستطيع أحد اجتيازه إلا البجع والقنفذ وطائر البوم والغراب، كي تجد الهدوء برفقة القطط المتوحشة، والضباع، والساتير، والحية السامة، والنسور. يتبعها ثلاثة ملائكةٍ كي تعود لكنها تأبى ذلك وترتبط بالشيطان وتلد منه 100 طفلٍ في كل يومٍ فتتوعدها الملائكة بقتل أولادها، أما هي فتأكلها الغيرة من حواء وتحقد عليها وعلى آدم وتغويهما بصفة حيةٍ ليأكلا من الشجرة المحرمة، وتتوعد بقتل أطفالهما لأنها من حواء التي خلقت من طين لتكون بديلاً لها مع آدم، وتتحول إلى شبحٍ ليليٍّ تمتصّ قدرات الرجال الجنسية وتحرم المرأة فرصة إطفاء رغبتها وتلعب دوراً مهماً في تعطيل الحياة.

ارتحال ليليث وتوطنها:

قلنا سابقاً أن ليليث الشيطانة وربّة القفار والدمار ارتحلت وسكنت في بوادي وخرائب عموم المنطقة وسواحل المتوسط وأوروبا، تقتل الأطفال وتمتص الرجولة وتصيب النساء بحمى النفاس، فنجدها إما “اللات” أو “الغولة” أو “السعلاة” التي يُخَوف الأطفال بها في الليل عند العرب، كما وكانت الأمهات يصنعن تمائم أو حجب لأطفالهن وخصوصاً حديثي الولادة منهم تحوي أسماء الله الحسنى وآياتٍ قرآنيةٍ لطرد الأرواح الشريرة. وفي أوروبا ظلت أسطورة (ليليث) شائعةً بين الناس حتى نهاية القرن الثامن عشر قبل أن تنحسر، وكانوا كما العرب تصنع الأمهات تمائم وحجب تحوي أسماء الملائكة الثلاث المذكورين في الاعتقاد اليهودي. لقد ألهبت ليليث خيال الأدباء والشعراء وكتب لأجلها مسرحياتٍ في أوروبا وصوروها بوجهيها الليلي والنوراني، ومنهم من اعتبرها رمزاً للمرأة الحرة التي ترفض أن تُظلم.

ليليث / حواء:

نستنتج اعتماداً على ما سبق من بحثنا في أبعاد أسطورة ليليث ومضامينها أنها في تفاصيلها ترميزٌ لقلقٍ وخوفٍ من التناقضات التي تبدو عليها حقيقة الذات الأنثوية، ومحاولةٌ لفهمها إن كان من خلال التقرب بها أو تتطويعها، لذلك نُظر إلى ليليث كأمٍّ بصفة عاهرة ترفض أن تكون أقل شأناً من الرجل، لأنها ترى في نفسها مساوية له في المنشأ، وفاعلة مثله جنسياً، ومستقلة برغباتها وماقتة للدونية القضيبية، ثم المرأة الكارهة للأطفال الرافضة للأمومة. أو أم مبجلة وأنثى ترعى مظاهر الخصب والعطاء الأنثوي، وشفيعة وحامية للحوامل والأطفال. يقابل ليليث التي تمردت على هيمنة الذكر واختارت الحرية، وكسبت لعنة اللاهوت الذكوري، الأنثى الأم (حواء) التي احتقرتها ليليث، حواء رمز المرأة الخنوعة والسلبـية جنسياً والزوجة والأم المضحية وسيدة المطبخ والعبادة وتربـية الأولاد والخدمة. وعليه فإننا نـتعرّف في كل من ليليت وحوّاء على وجهين من الوجود الأنثوي، منفصلان عن بعضهما ومتـنافرين على الأغلب، ويمتلكان مشاعر عدائية تجاه بعضهما البعض. بحيث يمثلان نمطين مختلفين من النساء: المرأة الحُرّة العاهرة، والمرأة والعبدة القديسة. لذلك نقول أن في النمطين السابقين فهمٌ إشكاليٌّ لم يرتقِ لمستوى إنصاف المرأة كي تكون (أنثى حرة مقدسة) واعطاءها حقها الوجودي والكوني كقوةٍ عظمى تؤنسن وتهب حياتنا الدفء والحنان.

وأخيراً ليليث (من آويها.. إلى لي لي ليش)
تسكن ليليث في وجداننا أبداً، طالما تصدح باسمها حناجر النساء بهناهين الأعراس وزغاريدها التي تبدأ بكلمة “آويها” بمعنى “الغواية والإغراء”، وتنتهي ﺑ “لي لي ليش” صيحة اطلاق الصوت المُحتَقَن في حلق المزغردة في الأفراح والأعراس، أو في استقبال الموتى الشهداء والمطر والحروب، وكأنها تجمع تناقضات الحياة والموت بطريقة غريبة، كغرابة “ليليث” المُستنجد بها لحماية العروسين من شرها، وهي تقودهم إلى فراش الزواج كربّةٍ للغواية بوصفها يد إنانا أو إنانا البغي المقدسة ذاتها، والطلب منها أن تهبهم الخصوبة، بوصفها راعية الخصوبة. وعليه فإن “لي لي ليش” هي تعويذة سحرية تُطلق في الأعراس لحماية العروسين من شر ليليث من ناحية، ومن أخرى تدعوها بصفتها “يد إنانا” و”بغيها المقدس” لتقود العروسين إلى فراش الزواج لتمنحهما بركاتها، بعد أن أرضتها النسوة في العروس بذكر اسمها المتكرر “لي لي ليش” أو “ليليث”.

آويها العيون عيون المها وسنان لولو ضمّ
آويها والخد زهر الورد من خلفها نفر دم
آويها يا ريت جسمي معك عالفرش ينضم
آويها يا وردة جورية هي النظر والشم
لي لي لي لي ليش
هنوهنة للعريس:
آويها حبيبي مع أميال الهوا يمشي
آويها خصره رقيق وزنّاره ذهب محشي
آويها من نار قلبي اندهت العفو يا ربي
آويها كان القمر بالسما شو نزّلو يمشي
لي لي لي لي ليش

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: