مونولوج (وأد) – ربا صالح

ربا صالح

ربا صالح

من قال أنّ الحبّ يموت؟
كلّا إنّ الحبّ لا يموت…
إنّ الحبّ يُقتَل.. يُدفَن حيّاً… يختنق حدّ الموت.
نحن من نقتله…
نقتله خوف جبروته.. نقتله كيما يقتلنا…
عندما يصفع الشّكّ وجه الحبّ.. وتضربه الخيانة خنجراً في الظّهر حتّى اللّبّ يعمي الغضب عينيه.. ويسكن القهر حلقه.. ويزوره الموت عيادةَ مريضٍ ليطمئنّ على أحواله، ليقول:
لا يا موت ما زلت أقوى منك، ما زلت أريد الحياة، ولن أذهب بصحبتك..
لكنّ الحبّ لم يعد كيوبيد البريء، كيوبيد ذي السّهام الحلوة، بل أصبح أخطبوطاً كثير الأيدي والأرجل، أخطبوطاً أسودَ يريد أن يسلبنا كلّ ما قد وهبَنا وكلّ ما لم يهبْنا، وكلّ ما لدينا، يأخذ ويأخذ.. نأبى فيتجبّر.. نبكي فيضحك.. ننسى فيذكّرنا.. ننام فيوقظنا.. نلهو فيستوقفنا…
-هاتوا دموعكم وغصّاتكم.. وهاكم القلق والحزن.
سلاحه الحنين، يعصر به قلوبنا.. والشّوق يحيي به ذكرياتنا.. والنّدم والحسرة.. والبكاء.. البكاء.. البكاء.
ونفتقد، نفتقد يوماً بعد يومٍ… نفتقد السّاعات والأيّام… نفتقد الصّبر والنّسيان.. نفتقد الطّاقة.. إلى أن نقرّر قتله.. بدلاً من أن يقتلنا..
يرمينا بالحنين نرميه بالنّسيان.. يرمينا بالشّوق، نرميه بالنّكران.. يقذفنا بالذّكريات، نقتلها بالجحود.. ثمّ نعقد هدنةً…
-الحبّ: ما رأيكم بإيقاف الحرب والجلوس إلى التّحاور؟
*نحن: لا مانع لدينا.. حضّر أوراقك جيّداً، حدّد موعداً ولنتقابل.
-الآن.. فلنبدأ، أنا في عجلةٍ من أمري.
*لا بأس _دائماً كنت عجولاً_ اطرح أسئلتك.
-لديّ في حوزتكم بضع أماناتٍ، أودّ الاستفسار عنها.
*تفضّل..
– أين زنبقة اللّهفة؟ كنتُ قد زرعتها في ركنٍ فسيحٍ من وجدانكم..
*ماتت بملح الهجران، ماتت عطشاً أيّها الحبّ..
-أين إكليل الشّغف الّذي عصّبت به معاصمكم وجباهكم، أحركّكم كيفما أشاء، وآخذكم حيث أريد؟
* كُسِرَ، كَسَره الجفاء، وبعد العهد جفّ انتظاراً، وتساقط خريفاً أصفرَ..
-أين سوسنة الغيرة؟
*نبتت عليها علائق الخيانة، وامتصّت كلّ ما فيها.
-أين العطر؟
* مات اختنافاً..
-أين الوجد؟
*ضاع هباءً..
-أين الصّبابة؟
*دُفِنت حيّةً..
-أين النّجوى؟ أين البوح؟!!
*صمت ٌ ثقيلٌ يجثم على صدورهم..
-أين الأرق؟
*يغطّ في نومٍ عميقٍ بعد أن تعاطى الأعشاب.
-أين الدّموع الّتي أبثّها في مقلكم؟
*جفّت في صحاري الخداع..
-وأين أين الشّوق؟
*نستعين عليه بالصّبر..
-لكنّي أرسلته خنجراً ناريّاً، يكوي ولا يُخلَع..

غوستاف كليمت

غوستاف كليمت


*لكنّه خُلِع، شطر القلب.. هذا صحيحٌ.. إلّا أنّ الصّبر طبيبٌ ماهرٌ، برفقٍ مدّ بلسم السّلوى، وربط الفؤاد بالتّفاؤل، يضمّد جراح القهر، ويلثم أثلام الغدر، يحمل في حقيبته قواريرَ دواءٍ طعمها مرٌّ، ولكنّها جيّدةٌ، ونظنّ أنّه يعرف ماذا سيصنع.
سكت الحبّ.. ثمّ قال:
-وأنا أين مكاني من كلّ هذا؟
*يوماً ما .. كنّا وحدةً .. كنّا نحلم ببيتٍ جميلٍ، وأفقٍ تغيب عنه الشّمس في حضن البحر، كنّا نحلم بأطفالٍ نسمّيهم من وحيك، ومن وحيك بنينا قلاع الرّمال تلك على شطآن المجهول، على شطآن الغيب.. ولكنّك أنت الّذي تبدّلت، أحلت ألواننا رماداً، وأحلت أحلامنا سراباً، أنت من قلب الطّرق والنّهايات.
-ولكنّني أحمل في ظهري خنجر خيانةٍ، أنا أتألّم ولا يمكن أن أتألّم وحدي..
*أنت ضعفنا أيّها الحبّ، أنت ألمنا المنمّق..
هيّا ادخل حفرتك الّتي أعددناها لك في الطّابق السّفليّ من الوجدان، خذ معك حقيبة آلامك، ونظّارات دموعك، وأكفّ خذلانك، وموسيقا حزنك..
هيّا ارحل سريعاً..
فنحن في عجلةٍ من أمرنا..

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: