نصوص (البيت) – سامر محمد اسماعيل

نصوص (البيت) – سامر محمد اسماعيل

سامر محمد اسماعيل

-1-
استدر نحوي أيها الوراء
حدّق بي
فأنا إمامكَ الأعمى.!

-2-
وأنت تعلمين أين ينتهي البحرُ
وكيف تدوخُ اليابسة
وأنتِ تعرفين..
لماذا يعوي ذئبٌ وتتمطى غزالة
وتدركين بلا مقدمات
لماذا الذي كان
مات!

-3-
سفرٌ عميقٌ في كؤوس الزهرة..
في أسديتها وتويجاتها..
في مرابضها الملجومة بألسنة النحل المذكّر..
في برعمها السري..
وغبار طلعها وطالعها..
بكمائنِ عطرها الهباء في أوكسجين الهواء..
سفرٌ معقد في تباريحها..
وإغماضات جسمها الجوري..
بالعسل المقهور في قوامِ غصنها..
حين لا نهارات تشبهها..
ولا ليلٌ يقوى على غيّها..
سفرٌ مستطيل في دوائرها..
وزفيرٌ على هيئة شهيق يرددها..
أنا الزهرةُ أوقّعُ على شفاه البستان..
يأخذني رجلٌ على هيئة قطاف..
ويرميني آخر على هيئة زفاف..

-4-
خلي عنكَ يا صاح..
خلي عنك..
أنا سأدفع فاتورة المطر الاصطناعي لصاحب السماء..
اسبقني أنت إلى سيارة العدم..
هاك المفاتيح..
أغلق الأبواب جيداً عليكَ ريثما أحضر..
لا تحرّك ساكناً في انتظاري..
يمكنك استخدام المروحة والكتب والأزقة، وحكاكة الظهر،
تفقّد مفاتيحكَ كلها..
هاتفكَ الجوال.. هل نسيته على طاولة المبغى؟
هيه يا صاح!
لا تنس تشغيل المحرّك حتى آتي لعندك..
فالصقيع أذهل الآلة وأصابها بالطرش..
على فكرة يمكنكَ أن تنام قليلاً
حتى ينهي هذا النادل تخليص شعري الطويل
المربوط بأقدام طاولاته المتشابكة!
نسيتُ أن أقول لكَ يا صاح:
أرجوك لا تلق بالاً لأي شحاذٍ يمر بك..
جميعهم حاسبتهم بالعملة الصعبة..
جميعهم تركوا في ظهري
فأساً شبيهةً بفأس الجريمة والعتاب..

-5-
قبل قليل صعدت المياه إلى بيتي
بكعبها القرمزي وخرير أوكسجينها المهرّج..
قبل قليل زارتني المياه و”كأن بها حياءٌ”
صعدتْ الطابق الثالث
ثم رمتْ بنفسها من شرفة المنزل
كامرأة من هيدروجين.
سمعتُ صوتها في مواسير الجدران..
سمعتُ قلبها الغامض يتخبط في عروقي..
وهي تصرخ: عطشانة!
فسقيتها وشربت!

-6-
سالت العيون على الخدود
وزالت الأنفسُ من مطاراتِ أجسامها..
والتوت عظامٌ على خدِّ عظام..
عظامكِ وأنت تحملين الجورية
من مزهرية الماء إلى إبريق الشاي..
هكذا بعد ألف عام
يمكن لحفيدي العاشر
أن يعرف ولو عن طريق الحدس
أنها عظامُكِ..
عظامُ حبيبة جده..

اسماعيل نصرة

-7-
هذي السماء المعلّقة منذ عام 2007 كانت بالضبط هكذا.
تركتها تماماً هكذا، لا تلوي على شيء.
تركتُها على (حطّةِ يديكِ)!
سماءٌ دمشقية مفرطةٌ في وحلها الأزرق
ناعمةً كوَبَرِ إوزة
ممشوقةٌ وموثوقةٌ إلى جبينها المرمري المعرّق
فيحاءٌ ومجدولة كجبنة مُسمسمة
مشكولةٌ في مزهرية
كعنقِ وردةٍ في أصيصٍ من الأرز.
هذه السماء – اللحظة.
السماءُ المرقطة كقطِّة حلاّقٍ شامي
تركتُها وعدتُ فلم أجدها
لا في صباحات الديكة الأرجوانية
ولا في نساءٍ عبرنها بكعوبٍ مكسورة
هذي السماء وقعت على ساكنيها!

-8-
مؤخراً فقط…
امتنعتُ عن تناول أزرار ثيابكِ كحبوب الأسبرين
وعن التفكير بكِ كامرأةٍ ميتة في شاحنةٍ لنقل الطيورٍ المثلّجة
مؤخراً فقط…
عدلتُ عن النوم في خزانة ثيابكِ ذات الدرفات المخلوعة.
ومؤخراً أيضاً..
عزفتُ عن تقليدِ خطِّكِ على وصفات الدواء
أنا الرجل الملقّب بطبّاخِ روحِه
(مشكولٌ) ظهري
و(مشكولةٌ) كلماتي
ولا (يلتكشُ) بي أحد
سوى هذا الأبد.

-9-
على مسرح الحمراء كان فاوست يظللنا..
هو ينبح..
ونحن نقبّل أصابع بعضنا
الأصابع..
رأسها على كتفي..
وأنفاسها تخفت مع أنين الجمهور..
أطربُ لمنظرها..
لعينيها تومضان في عتمة الصالة..
لقلبها العشريني يرتعش من هسيس حرائقنا السريّة..
هي تعرف جيداً أنني ملطخٌ بشوكولاتها الأسمر..
وأنا أعرف أنها شقيقة نعمان
بلوزتها وشالها وحفيف فخذيها
كلما مرّتْ في كواليس المسرح
ينقطع قلبي إذا لم تنتبه لي
وأنا أمرر يدي خلسةً في ريح جيوشها..
أتقرّى نارها الوئيدة..
أعزف عن عزفي..
فتسترسل في نشيجي..
ثم يصعد منا بخار الوله..
أسألها هل أعجبكِ العرض؟
فتهز رأسها مجيبةً:
أنا الآن في دوختي..
دعني قليلاً أرتّبُ غُرفي الداخلية..
ذرني أتلمسُ أعراسكَ في دمي..
دعني.. دعني أتمالك روعي..
أُسندها كي لا (تتفشكل) بظِلِها
فتسألني: من أنت أيها الشيطان الرحيم؟
فأقول لها: سميركِ ومؤنس وحشتكِ
حوذي أحصنتك..
-وهل ستبقى هكذا تخدمني إلى الأبد؟
فأجيب: أنا قاطع التذاكر ليس إلا..
وأنت بطلةُ المسرحية..(معبودة الجماهير)
رأفتكِ بي تجعلني على قيد الوظيفة..
أسقيها ماءً
وأدلّك لها سلامياتها حتى تهدأ..
فتغفو كشجيرة غاردينيا
في حوض فخّارِ قلبي!

-10-
الطواف حول البيت
أو الخروج من مداره
محاولة كي أعرف أين كان الباب؟
ولماذا بقيت النافذة في مكانها المعتاد؟
وكيف عرفتْ أسنان المفتاح تفاصيل القفل؟
ومتى آخر مرة رنَّ جرسُ الهاتف؟
وآخر مرة صعدت المياه إلى صنابير الشرفة؟
ولماذا؟
لماذا كل نباتات الصالة تعربشت فوق صورنا الضاحكة
دون سبب.؟!

-11-
لولا أنكِ الوردة التي تواجه البلدوزر..
ولولا أنني كنتُ مداناً
بوجهي ونظرة الكآبة التي تسمُ محياي..
لكنتُ فناناً تشكيلياً عريقاً في مقامات ألوانكِ..
ولكان وجهكِ خاتمة المرسلين..
لكن أبجد هوز الجمال
لا يعترف بحطي كلمن الحب..

-12-
غالباً تنتصرين عليّ بقِرفةِ شِفاهِكِ
تضعين النكهة على برتقال القمر
تذرفين السكَّر على مالح سمرتي
تضيفين جسدكِ إلى سلطة الفواكه
كيف أفسر لهم ذلك؟
أنتِ كثيرةٌ كثيرة.. وفوق كل ذلك
تلعبين الغُميضة مع المرايا
تدلقين الفتنة في صحن غزل البنات
ترتدين الهواء
تخيطين الشبابيك بقبلة
تدلّكين راديو القلب كلما لمسني جناحاكِ
فأغفو عند كاحلكِ
كصبي نام عند العاشرة
وبيده (خرجيةَ) عُمره
كيس بطاطا وملعقة شمع ساخن
سكبها في أذن الملك
اشتراها من بقالية الأمل
– أين؟
(آخر حارة على يدك اليمين..
بالصدر فيه بياع توابيت)…

-13-
كان من السهل الإقامة في قطار،
لولا ما فعلته آنا كارنينا بنفسها.

-14-
أحاول الاقتراب من غسالة الثياب..
أرى ها هناك قمصاني
تدور بسرعة في صابون الزمن..
أرى أعداءً مشتركين..
وضحايا..
وأرى آلة المنايا..
أرى بنطلونات زرقاء بلا قدميَّ
تأخذهما المشاوير المديدة
إلى مشاويرٍ مع وحدتي الوحيدة..
أحاول الاقتراب أكثر
فأرى ثياباً لجسدٍ يقف خارجاً ويشاهد..
هذه لحظةٌ تتداعى فيها “أزمنتي الحديثة”..
حيث كل نظيفٍ مني
ملطخٌ بغيابي..!

من نصوص (البيت) – تصدر قريباً عن دار (كاف) ببيروت.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: