نيكولاي برديائيف: الديمقراطية كعامل انحطاط – فادي أبو ديب

Your ads will be inserted here by

Easy Plugin for AdSense.

Please go to the plugin admin page to
Paste your ad code OR
Suppress this ad slot.

نيكولاي برديائيف: الديمقراطية كعامل انحطاط

فادي أبو ديب

فادي أبو ديب

ربما يكون مصطلح “الديمقراطية” هو المصطلح الأكثر شيوعاً واستخداماً في النقاشات السياسية المعاصرة. الديمقراطية التي لا ريب خلّصت الشعوب التي تؤمن بها من كثير من شرور الماضي واستبداده ومظالمه العديدة، تبدو اليوم كما في الأمس شجرةً عارية في حقلٍ لا يمتلكه أحد، تغري أيّ عابر بشهوة الكتابة والتنظير ونشر كلماته على أغصانها فلا تلبث الريح أن تمزّق أو تخطف صحيفة الكتابة.

والحقيقة أنّ هذا المصطلح الذي يعني اشتقاقياً “حكم الشّعب” أصبح اليوم يعني كثيراً من الأمور وتلتصق به وتلازمه العديد من المفاهيم الأخرى، ليس أقلّها قيم حرية التعبير وتكافؤ الفرص والحريّة الشخصية. لكن ما يهمّني في هذه المقالة هو الإضاءة على جانب من جوانب هذه القيمة السياسية الجديدة القديمة من وجهة نظر الفيلسوف الوجودي الروسيّ نيكولاي برديائيف.

يرى برديائيف في الديمقراطية عاملاً من عوامل نشر العدالة في المجتمع، ولكنه يرى فيها من ناحية أخرى عاملاً في تشظية المجتمع وتفكيكه. وهو يعتبر أنّه يمكن النظر إلى الديمقراطية الاجتماعية (النمط الديمقراطي الاشتراكي السائد عموماً في أوروبا الغربية قبل الأشكال المعاصرة الأكثر ليبرالية) على أنّها “مسعىً جيّد وعادل، كما أنّه نافع وضروريّ، ولكنه يفتقر إلى روحٍ كونية شاملة بحقّ؟ كما أنّها تُظهِر سماتٍ غير متمدّنة في المجادلات السائدة بين أحزابها وشيعها” (ص 10). وينظر برديائيف فإنّ الديمقراطية تتناسى “السؤال الأكثر أهمية: باسم أيّ إله تستحقّ الحياة أن تستمرّ؟” (نفس المرجع السابق).

ما يقصده برديائيف هنا هو أنّ المعاني العميقة التي كانت تسبغها الملكيات الثيوقراطية أو شبه الثيوقراطية على نمطها في الحكم والعيش وعلى قيمها وقراراتها في السلم والحرب زالت جميعها في الدول الحديثة التي جرّدت نفسها من السّلطة المطلقة الكامنة في الحكم الدينيّ سواء أكان ذاك الذي ساد في أيام سلطة الكنيسة أم ما يشابهه من حيث السّلطة في روما أو مصر الفرعونية أو غيرها. في تلك العصور كان الإنسان، الفقير والغني، النبيل والفلّاح، يستطيع أن يعتبر أنّه يعيش من أجل سبب ويموت أو يُقتَل من أجل سبب. فالبسيط وغير المتعلّم كان مضطراً أن يفكّر، ولو بشكل بدائيّ، فيما يتجاوز لقمته اليومية، فهو، شاء أم أبى، عضو في مجموعة بشرية أكبر تجد أنّها مسؤولة مباشرة أمام القيمة الكونية المطلقة.
في العصر ما قبل الديمقراطي كان الإنسان يقف خائفاً أمام مصدر الوجود (الإله) وهو يبحث عن خلاصه وخلاص عائلته، وإذا ذهب إلى الحرب فهو يحارب لأجل قيمة مطلقة غير مشروطة بتفاصيل الحياة اليومية.

نيكولاي برديائيف

نيكولاي برديائيف

لا يتوسّع برديائيف في مقالته “الوعي الديني الجديد” في مقارنة الديمقراطية بما سبقها، ولا في سرد إيجابياتها وسلبياتها وإيجابيات ما سبقها وسلبياته، فالنقطة الرئيسية هنا هي أنّ الإنسان الذي كان جزءاً من منظومة معنوية كبرى وجد نفسه فجأة من دون مرجعية تستطيع تبرير مرجعيّته المزعومة لذاته. وحتى الدولة التي كانت تتحجّج بالسلطة الإلهية وتبرّر أفعالها ووجودها بها لم تعد اليوم تمتلك صفة معنوية غير مشروطة. فإذا كان الحاكم سابقاً يستطيع أن يبرّر حاكميته باستعمال المفردات الإلهية أصبح اليوم موجوداً بلا مبرّر وجوديّ مطلق، وعليه أن يبحث عن بدائل مقنعة. وبالتأكيد يمكن للدولة اليوم أن تدّعي أنّها موجودة من أجل خير المواطنين أو لصالح هذه المجموعة البشرية أو تلك. ولكن هذا الخير وهذا الصالح مقترنان بمعطيات أمنية واقتصادية واجتماعية معيّنة ومقاسة بالزمان والمكان المحدّدين ولا ينتميان إلى سبب مطلق يضفي على وجودها من حيث الجوهر شرعية تكفل وجودها واستمرارها؟ بمعنى آخر، كيف يمكن الخير العام أو الصالح العام مع انتهاء وجود المرجعية المطلقة التي تتحدّد على أساسها معانٍ كهذه؟
يصف برديائيف عصورنا الحالية المتجرّدة من شرعية المطلق بأنّها “العصور الأكثر مللاً وضحالةً وإضجاراً وانعداماً للّون. وحتى الإلحاد فيها مبتذل ولا طعم له بدل أن يكون عميقاً أو مرعباً. وفي أزمانٍ كأزمننا، كل الأشياء الكبرى تضمحلّ وتصبح عديمة القيمة.” (ص 10)

كتب برديائيف هذه السطور في عام 1905، ولنا أن نقارن ما يقوله بما رأيناه ونراه من ابتذال وسطحية في نهايات القرن العشرين بدايات القرن الحادي والعشرين التي أصبحت فيها مسارح الفكر العموميّ تستضيف “مفكّرين” لا يخجلون من أن يروّجوا بقوّة للعبث والعدمية وانعدام المعنى، وأصبح بعض العلماء التقنيين والنظريين من صنف كارل ساغان ولورنس كراوس ونيل دوغراس تايسون وأمثالهم كهنة للفلسفة الشعبية السّهلة وللحشود التي لا تريد أن تصارع بشجاعة في المسائل الوجودية الأهم. هذه الفلسفة الشعبية الديمقراطية (ديمقراطية بمعنى أنّها فلسفة لا تقوم على المعرفة بل على السائد والاعتيادي وعلى ما تدعمه الأكثرية) أخذت على عاتقها مهمّة إراحة الجمهور من عبء التساؤلات الضخمة عن الوعي ومصدره ومعنى الوجود وغاية الحياة، وإقناع الحشود بأنّ الأسئلة الصحيحة هي فقط الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها، وأنّ صعوبة السؤال قد تدلّ على الأرجح ربما على أنّه لم يكن من الواجب طرحه منذ البداية. وهذا يذكّر من دون شكّ بالأقاصيص الشعبية عن الإجابات القمعية أو الساذجة التي يواجه بها بعض رجال الدين الناس الذين ياتون إليهم متسائلين. (محتوى هذا الرابط مثال عن مثل هذا النوع من حكايات الفلسفة الشعبية المعاصرة

Your ads will be inserted here by

Easy Plugin for AdSense.

Please go to the plugin admin page to
Paste your ad code OR
Suppress this ad slot.

ولكن ما علاقة هذا الأمر بالديمقراطية؟
الحقيقة أنّ الأمر على علاقة وثيقة بالديمقراطية، فكما ذكرتُ أعلاه، فالديمقراطية تتلازم مع أساليب تفكير معيّنة. وهي بالتأكيد لم تعد تعني اليوم انتخاب الشعب للممثّلين عنه يمارسون الحكم نيابة عنه، بل تعني التساوي بين جميع أفراد البشر وحقّ كلّ شخص في المجتمع الديمقراطي (وليس خارجه!) في أن لا يتعرّض لسلطة فكرية مطلقة أو حتى أعلى ذات رأي أكثر صواباً من خارج نفسه طالما أنّ هذا الشخص يسير فوق القناعات الاعتيادية للمجتمع (هذا بالتأكيد لا تصرّح به الديمقراطية ولكنها تمارس بكل سرور إقصاء المختلف في الجوهريات في حين أنها تتسامح مع الاختلافات الشكلية). والديمقراطية تعني بالضرورة الانقياد مثلاً إلى تمييع دور “المعلّم” وانتفاء التعليم كعملية يمنح فيها شخصٌ أكثر معرفةً معرفته لشخص أقلّ معرفة. فالديمقراطية لا تؤمن بإسباغ المعرفة أو بالتلمذة، تماماً كما أنّها لا تؤمن بالرحلة الشخصية التي لا تتماشى مع الخطوط العريضة للصالح العام كما سيتبيّن أدناه.

إنّها تؤدّي أيضاً إلى إزالة كلّ المعاني الحرفية أو المجازية للكهنوت وللنبوّة وللشاعر الملهم وللمعلّم القدير وللشخص الفريد الذي قد يؤثّر في أمّة كاملة سلباً أو إيجاباً. الديمقراطية سعيٌ محموم للقضاء على القِيَم النبيلة ولتسطيح كل القمم البارزة ولتحويل الجبال إلى سهول مستوية كما يقول برديائيف (ص 10). إنّها محاولة مليئة بالتناقض لقسر الطبيعة وقمعها لتحقيق المساواة وإلغاء التميّز بين الأفراد والفرادة في الجماعات. هي ليست حرباً ضدّ العنصرية فحسب (وحريّ بها أن تكون كذلك)، بل حربّ ضدّ التميز والتفرّد والجهد لتحقيق المستحيل. إنّها حربٌ على كلّ ثورة فكرية أو روحية، لأنّها حرب على كلّ فكرة راديكالية قد لا تعجب الأكثرية ولا تناسب التوسّط والاعتدال والتقدّم المحسوب بدقّة والمتحكَّم به والموجَّه.

الديمقراطية تبغض الأسئلة الصعبة التي تحتاج إلى اختبار خاصّ لسبر أغوارها أو لتجارب عقلية أو روحية غير متوفّرة بسهولة للجميع، ولذلك فهي تعدّ بشكل لا شعوري المناخ لنبذ هذه الأسئلة واستبدالها بما يمكن الإجابة عنه وعرضه بالوثائق والصور والمخطّطات البيانية وضمان عدم وجود أيّ ثقوب سوداء تفاجئ السائل بخيارات وجودية مهولة أو مرعبة. الديمقراطية تعيش على القانون الصارم وليس على الحريّة (وهذا ضدّان بالضرورة)، ولذلك فمصطلحات كالإلهام والاختبار والرأي والرّحلة الشخصية والمعرفة والحدس وكل ما شاكل من مفاهيم فكرية وشاعرية وروحية لا يمكن أن يُسمَح لها بالوجود الحقيقي والفاعل في نطاق النشاط العام لأنّ كل ما لا يمكن قياسه بدقّة غير موجود أبداً بل تُتَناوَل كحالات شاذّة بالكاد تعبّر عن نفسها في الأدب الروائي أو الفن التشكيلي ولا يمكن أن يُسمَح لها بالتأثير على الاقتصاد ومفاهيم الحاكمية والمُلكية.

يربط برديائيف ببراعة بين الفكر الديمقراطيّ (وهو يطلق هذا التوصيف على المنهج السائد في كنيسته الروسية التي يعلّم شيوخها القناعة والنكوص والقبول بكل ظروف الحياة وبانعدام الفاعلية) ومظهر التواضع الزائف الذي هو موقف الشخص أو المجموع الذي يجرّد نفسه لفظياً من الكبرياء والتميّز والاعتزاز بالجهد المبذول بحجة المساواة والاعتدال. وعلى العكس من هذا الاتضاع المزيّف يجد برديائيف أنّ دعوة الإنسان (ذو الوعي الديني الجديد، وهذا يناقض الروح “الديمقراطية”، كما يصفها، في كنيسته الروسية التي تمثل معظم طبقات مجتمعه الروسيّ آنذاك) هي في أن يسعى إلى الكمال (ص 188) وأن يعي سعيه ذلك ويفرح به، لا أن يتجاهله بحجّة “القناعة” بالاعتياديّ والوسطيّ. فالتواضع لا يكون بكبح التجربة الشخصية خوفاً من تفرّد محتَمَل بل بالانفتاح وعدم الجمود. التواضع المزعوم هنا ليس إلا الوسيلة التي يمكن من خلالها ضمان عدم اقتحام ما لا يمكن قياسه والتنبّؤ به حيّز حياة المجتمع. التواضع الزائف هو تجريد المجتمع من إمكانياته الحقيقية ومن نبضه الحقيقي ومن غمكانية التفاجؤ والتراجع أو الإقدام على الغريب وغير القابل للقياس.

وأزمة الديمقراطية هي أنّها لا تسمح للخاصّ بالخروج إلى العامّ واتخاذه مكاناً في حيّزه، لأنّها في جوهر فكرتها تؤمن أنّ كلّ ما هو خارج العام وهم. قد يقول قائل إنّها تعتبر أنّ كل ما هو خارج العام شأن خاصّ فقط، ولكن الأدقّ هي أنّها تعتبر أنّه وهم وغير موجود ولا يستحقّ الظهور والتبنيّ، لأنّ جوهر فكرة الديمقراطية يقوم على موضوع سياسيّ، وهو يختصر كلّ مظاهر الحياة بالقيمة السياسية للإنسان كمواطن وناخب ودافع ضرائب وعامل في الدولة، فهذا هو الحقيقي والملموس بالنسبة للمجتمع الديمقراطيّ والسّلطة الديمقراطيّة وهذا هو الجوهر الفعلي الذي يجعل كلّ الأفراد متساوين في مجتمع برجوازيّ علّة وجوده تكمن فقط في تبادل المنتجات. الديمقراطية عمياء ولا ترى قيمةً في الخاص، وهي تفترض وجوده عقلياً وتعترف بحقوقه طالما ظلّ مسجوناً في حيّز الفكرة أو بين جدرانٍ أربعة، ولكنها لا تراه على خارطة الواقع ولا تعتبره أكثر من شبح حلميّ يعيشه الإنسان في عالم لا تعرف عنه شيئاً ولا تريد أن تعرف عنه شيئاً.

على المقلب الآخر، لا يعني استدراك خطر الديمقراطية كمنهجية اكتناه للواقع أن ننبذ العاديّ واليوميّ والوسطيّ والقنوع، ولا يعني أيضاً تحويل كلّ ظاهرة إلى راديكالية. فالعاديّ واليومي هو الشرط اللازم ولكن غير الكافي لتجاوز المشروط نحو غير المشروط. أجرؤ هنا على القول بأنّ اختبار المعنى المطلق أو القيمة المطلقة يحصل أمام المشروط والاعتياديّ واليومي شرط أن لا يكون هذا الاعتيادي قيداً ومحدّداً ومطمحاً نهائياً. القيمة المطلقة تكمن إذن -ولا تنحصر- في قلب الاعتيادي عندما لا يكون هذا الأخير غاية نهائية وسجناً للإدراك. فالمرء مثلاً قد يجد نفسه في طرفة عين قد أدرك شيئاً عن الحبّ كسبب لوجود الكون نتيجة اختباره الحبّ الماديّ الاعتيادي الذي يجد موضوعه في شخص ما، أو قد يفهم شيئاً ما عن العقل الكامن ضمن الطبيعة غير الإنسانية كنتيجة لتعامله اليومي العادي مع حيوان أليف أو مع أشجار حقله. ولكن الديمقراطية تجبر المجتمع على اختبار الاعتياد الأبديّ ليبقى غير المعتاد حبيس الغرف المغلقة.

والسؤال الذي يبقى أمام الشعوب التي لم تختبر الديمقراطية وتعاني من الاستبداد والقهر: هل يمكن التخلّص من الاستبداد والظلم وفي نفس الوقت تجاوز الديمقراطية نحو وعيٍ جديد ومختلف؟

كل الاقتباسات في هذه المقالة من كتاب
(Nikolai Beryaev, The Brightest Lights of the Silver Age: Essays on Russian Religious Thinkers. (Semantron Press, 2015
جمع المقالات وترجمها من الروسية إلى الإنكليزية: بوريس ياكيم Boris Jakim

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: