هذا الفراغ الذي تركه رحيلك في داخلي (مقاطع من رسائل ماريا كزاريس إلى ألبير كامو) – ترجمة وتقديم: ليليان الورعة

هذا الفراغ الذي تركه رحيلك في داخلي (مقاطع من رسائل ماريا كزاريس إلى ألبير كامو) – ترجمة وتقديم: ليليان الورعة

ليليان الورعة

تقديم:
عُرف ألبير كامو مؤلف رواية (الغريب) بعلاقاته المتعددة وبحبه للنساء، لكن حبه لماريا كزاريس كان له طابعٌ آخر، فهو رجلٌ متزوجٌ وله طلفتان، وهي الشابة الحرة ذات الواحد والعشرين عاماً، تعشق من دون حساب، بدليل أنها عندما التقت بكامو كانت خطيبة الممثل جان سيرفي، أما هو الرجل المتزوج البالغ من العمر واحدٌ وثلاثين عاماً كان حريصاً على طفلتيه، إضافةً إلى شهرته ومكانته ككاتبٍ معروف.

لكن هذا كله لم يطفئ شعلة الحب التي اتقدت مصادفةً، واستمرت سريةً حتى كشتفتها الرسائل التي أرسلها كامو إلى نجمته الساطعة، والتي تجاوز عددها ثمانمائة رسالة، قدمتها ابنته كاترين بعد وفاة والدها لدار غاليمار الذي قام بدوره بنشرها في مجلدٍ ضخمٍ يفوق ١٣٠٠ صفحة.

هذا ما دفع العديد من المترجمين بنقل هذه الرسائل إلى العربية، إلا أن رسائل العاشقة المفجوعة التي أغرقتها الوحدة، بقيت في عهدة المجهول بالنسبة للقارئ العربي، هذا ما دفعني إلى تسليط الضوء عليها آملةً أن أكمل صورة تلك العلاقة الصاخبة المفعمة بالمشاعر، والتي استمرت حتى الموت المفاجئ لألبير كامو، يوم 4 كانون الثاني 1960 إثر حادث سيارةٍ كانت تقله للقاء حب حياته.

ماريا كزاريس و جان سيرفي في أول لقاء لها مع ألبير كامو في دار غاليمار حيث اشتعلت أول شرارة حب بينهما واستمرت اثنتي عشر عاماً انتهت بالموت المفاجئ للكاتب العظيم.

***********************
31 تموز ــ ها أنا أستيقظ مع كلمةٍ صغيرةٍ منك. آهٍ يا لهي ! وكلمةٌ أخرى وصلتني للتو.
إنني مرهقةٌ للغاية. لقد أدركت أني لن أستطيع الصمود شهراً ونصف دون رسائل منك (فهذا طويلٌ جداً!).
لا، لن أستطيع يا حبيبي، يا عزيزي، فأنا أحبك بقوة، بقوة.
[…] أشعر أني محاطةٌ بك تماماً .فما الذي أتمناه أكثر من ذلك؟ لا لا شيء آخر.
عليّ أن أنام. وأنت كذلك.
ولكن ترى ما الذي تفعله الآن؟
سوف أنام فهذا أفضل.
تصبح على خير. فكّر بي.

**************************
[دون تاريخ] ها قد مرت عدة أيام، ولم أكتب لك شيئاً، ومع ذلك لم أتوقف عن التفكير بك.
ولكن، ولكي أكون واضحةً، وبما أنك لن تقرأ كل ذلك إلا في أحد الأيام البعيدة، على أن تطلبه مني، أعتقد أنني أستطيع إخبارك دون خوفي من التسبب لك بأي قلقٍ وأدنى هم.
رغم كل الجهود التي بذلتها للتغلب على الشكوك، والإجابة على جميع الأسئلة التي خطرت لي. كانت تلك الأيام الماضية، مؤلمةً للغاية وقد أمضيت ساعاتٍ عصيبةً ومتواصلةً من الكآبة والثورة حتى أرهقت تماماً.
مع أنني فكرت أن هذا لم يكن ليحدث، وأن الأمر لا يمكن أن يكون عكس ذلك، وخاصةً بعد كل أيام السعادة العارمة والمذهلة التي وهبتها لي. ولهذا من البديهي جداً أن أصبح فجأةً بعيدةً عنك ولو لمرةٍ واحدةٍ، بعد أن كنت معك وبداخلك بشكلٍ مدهشٍ، ولهذا أيضاً كان عليّ وبكل ما أحمله من عنادٍ جاليكي* حقيقي أن أعيد النظر بردة فعلي، فهي حتماً من قادتني نحو أفكار ومشاعر ظالمةٍ وغير منطقيةٍ وحمقاء. لا ينبغي علي الاكتراث بها. أؤكد لك ذلك لأنني ببساطةٍ نسيت أن تلك الحالة اعترضتني، كوني وحيدةً وضائعةً بعض الشيء ومضطربةً (مرتبكةً) أي خارج كل حكمةٍ وكل منطق.
وزد على هذا الفراغ الذي تركه رحيلك في داخلي، وفائي بوعدي لك، بالبوح
لجان سيرفي بما آلت إليه أوضاعي.
لقد قمت بكل شيءٍ، أو تقريباً كل شيء فهو على علم بمشاعري تجاهك ولكن منذ شهر لم يعد يعلم عنا شيئاً.
ومن جهةٍ أخرى أنا لن أخبره عن ذلك إلا إذا أنت طلبت هذا، لأني أحسبه غريباً، ولا طائل من ذلك.
مرّ كل شيءٍ بسهولةٍ وهدوءٍ وبشكلٍ جيدٍ جداً. فقد تنحّى عندما عرف الحقيقة، وعندما استطعت أن أكون وحيدةً، غرقت بحشدٍ من الأفكار المتناقضة، سأحدثك عنها ذات يومٍ إذا أردت معرفتها، فأنا لا اجرؤ على كتابتها.
وبكافة الأحوال، ما أستطيع إخبارك به، أن كل شيءٍ كان يبدو ضدنا إلا شيئاً واحداً فقط: إنه حبي لك المتجدد على الدوام، فهو كانهيارٍ ثلجيٍّ مستعد أن يسحق ويحطم كل شيءٍ لمجرد أن يشعر أنه كفوء ويستحق المكان الذي استوطن فيه ونال رضاه.
إضافةً إلى أن مستودعي الداخلي ـ الغارق بالأشياء التي علي القيام بها وبمعدات السفر ـ حرمني من الوقت الثمين الذي كنت سأقول لك فيه أنا أحبك (…)
[…] عمت مساءً، يا عزيزي ويا حبيبي، أرجوك عانقني كما أحبك.

ماريا كزاريس

******************************

الثلاثاء 3 آب ــ مرَ يومان كاملان دون أن أكتب لك، فلا ساعة ولا فكرة ولا حزن غامض ولا متعة أياً كانت ولا مطالعة ولا نزهة ولا استيقاظ ولا نوم لم يقدني مباشرة إليك.
هل أتألم لغيابك؟ أجل.
هل أنا بائسة؟ لا.
ها أنا أنتظر وأعمل بصبرٍ لم أعتقد أنني قادرةٌ عليه، وكل يومٍ وكل ثانيةٍ تمضي تقربني منك.
وكل لحظةٍ تمر تغمرني بالفرح، فلم يعد هناك ما يفصل بيننا. وكل لحظةٍ قادمةٍ تصبح عذبةً لأنها في طريقي نحوك.
أؤكد لك أن هذه الكلمات ليست أدباً مزيفاً، إنها في داخلي كالجوع والشمس وكذلك ليست رومانسية. فأنا لست الأقل تغيّراً في الكون، وجميع عطلاتي تمضي بهدوءٍ جسديٍّ وروحيٍّ، وهذا ما أعتبره جديداً بالنسبة لي.
وذلك لأنني أحبك بكل بساطةٍ سواء كنت قريباً أو بعيداً، أنت دائماً هنا في كل مكان والسبب الوحيد الذي يجعلني سعيدةً […]
آه! يا عزيزي، لا تتركني ثانيةً. فهذا خطيرٌ جداً حالياً. أرغب في تكوين نفسي، يمكنني أن أصبح شيئاً ما لو أنك بقربي. وأنا وحدي أشعر أنني لا أستطيع القيام بأدنى جهد. تلك هي آخر الأشياء التي سأخبرك بها عني. فمن الآن فصاعداً بات قدري محتوماً. […]

**********************

31 تموز ــ […] أمضي وقتي في محاولة ابتكار وسائل انتظارٍ دون إضجارك، وأتمنى من كل قلبي في كل مرةٍ أن أجد واحدةً منها، حتى لو كانت الأغبى، يوماً ما ستفهم ذلك ولكنك لن ترضى لي ذلك.
أحبك وأستميحك عذراً على جميع هذه القصص. ولكن خذ بعين الاعتبار أنني بعيدةٌ ووحيدةٌ وكل شيءٍ يدور حولك.
أحبك!
___________________________

* الجاليكي: لغةٌ رومنسيةٌ تستخدم في منطقة غاليسيا (اسبانيا).

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: