هل كان إندي وارهول يحدُس بموته؟ – ألاستير سوك – ترجمة: نور طلال نصرة

هل كان إندي وارهول يحدُس بموته؟

ألاستير سوك

نور طلال نصرة

نور طلال نصرة

في كانون الثاني عام 1987 بدأ إندي وارهول يشعر بتشنجاتٍ شديدةٍ في بطنه أثناء افتتاح معرضه في ميلان، ولم يكن يثق بالدواء التقليدي في ذلك الحين حيث كان أصدقاؤه يموتون بالإيدز.
كان الألم حاداً جداً لذلك عندما عاد إلى نيويورك بحث عن طبيبٍ ماهرٍ ليساعده، وقد شخّص طبيبه حالته على أنه مصابٌ بمرضٍ معدٍ في المرارة وأنه مُعرّض لخطر الغرغرينا.

ارتاب إندي من أمر العلاج وقال لأصدقائه: “لن أجري هذا العلاج”، لكن بعد مضي أسبوعٍ على وضعه أشياءَ ثمينةٍ تخصّه ومن بينها وصيته في مكانٍ آمنٍ في قصره، دخل المستشفى تحت اسمٍ مستعارٍ هو “بوب روبيرت”. وقد حدّد الطبيب الجرّاح موعداً لإندي في اليوم التالي الذي كان يوم السبت. استعاد ذلك اليوم فينيست فريمونت -نائب إندي في الشركة والذي تولى إدارة الاستديو الفني المعروف بـ (الفاكتوري)- قائلاً: “إنه يومٌ مؤلمٌ في ذاكرتي، لقد علمنا متأخراً جداً أنه ما كان يتوجب عليه القيام بعملية في عطلة نهاية الأسبوع”.

لم ينجم عن العملية بحدّ ذاتها أيّة مضاعفاتٍ، لكن وارهول لم يتلقَّ الرعاية اللازمة بعد العملية، وكان واضحاً في وقتٍ مبكرٍ من صباح اليوم التالي أن الأمور أخذت تتدهور بشكلٍ رهيبٍ. ففي الساعة السادسة إلا ربع اكمدّ لونه، وأعلن عن وفاته عند السادسة والنصف. كان السبب الرئيسي للوفاة هو جلطةٌ قلبيةٌ تعرّض لها أثناء نومه.
” لقد كانت هجمةً محكمةً من الأمور السيئة التي أتت دفعةً واحدةً، لم يكن يجب أن يموت إندي، لقد كان عمره 58 عاماً ويتمتع بصحةٍ جيدةٍ، ربما كان نحيلاً جداً لكن لطالما كان وضعه هكذا”. هذا ما قاله فينيست.

بالرغم من مضي ثلاثين عاماً على وفاة وارهول المفاجئة، إلا أنّه الفنان الذي لعب القدَر دوراً كبيراً في إنضاج شهرته بسرعةٍ بعد أن أطلقت عليه النار إحدى معارفه الناقمات عام 1968، وقد بدا وكأنه تنبأ بذلك.
” لقد كان إندي يتمتع بحدسٍ كبيرٍ” هذا ما صرّح به فريمونت، الذي أضاف: “ولهذا ربما كان لديه حدسٌ قويّ تجاه الموت”. القتامة المُنذرة بالشؤم كسِمَةٍ جديدةٍ ألقت بظلالها على أعماله التي قام بها خلال العقد الأخير من حياته. في تلك السنوات، كانت فكرة الموت فكرةً مهمةً وحاضرةً دائماً في أعمال وارهول وأصبحت بلا شكٍّ موضوعه الرئيسي.

لقد أضاء معرض وارهول الذي أقيم العام الفائت في متحف أشموليان في أكسفورد على تلك المرحلة المنسية من حياة هذا الفنّان، مع أكثر من مائةٍ عملٍ فنيٍّ، تمت استعارتهم من المجموعة الخاصة به في فلوريدا، لقد كان هذا المعرض الذي أقامه مدير صندوق التحوّط البريطاني أندرو هول وزوجته كريستين جسراً لأعمال الفنان وخاصةً القوية منها في الثمانينات. أحد الأسباب التي دفعتهم للقيام بهذا هي السخرية أو التهكم التي لازمت أعمال وارهول الأخيرة حيث كان الحصول عليها أمراً يسيراً نسبياً فيما مضى. واستثنائياً تكدست قاعات المعرض بمجموعة منتقاة من اللوحات المرغوبة والمدهشة بالأبيض والأسود التي رسمها وارهول 1985- 1986.

في تلك الصور المنذرة بالشؤم عاد وارهول لعمله الأصلي كفنانٍّ شعبيٍّ، بتكرارٍ مبتذلٍ أشارت له الصحف في نشراتها اليومية. تضمنت هذه الأعمال رسماً رخيصاً ومتوهجاً لتمثال المسيح بسعر 9.98 دولار فقط، ورسمة الهامبرغر بهالة قداسةٍ عائمةٍ تظهر الخلاص كنوعٍ من الطعام الجاهز المقدّس.

جسدّت لوحات الأبيض والأسود التي صدرت في الأعوام الأخيرة النمط القاتم لأعمال وارهول. ففي عام 1978 بدأ أيضا برسم سلسلة الأشباح خاصته ضمن مجموعته “الظلال”، ثم بدأ في بداية الثمانينات العمل على رسوماتٍ جديدةٍ وهي لوحاتٌ تصوّر المسدسات وسكاكين المطبخ، وتعبر عن العنف في الحياة الأمريكية المعاصرة الذي كان يتصدّر الساحة آنذاك. بعد ذلك بقليلٍ في 1985 قام برسم لوحةٍ ضخمةٍ لكلمة ” إيدز” بحروفٍ كبيرةٍ مرسومةٍ.
“لقد خسرنا العديد من الأصدقاء العظماء مع انتشار مع مرض الإيدز، لقد كان ذلك نوعاً من الرؤيا التنبؤية لدى إندي -تقريباً كالحرب- عندما تقرأ في الصحف قائمة المصابين والوفيات كل يومٍ، لقد أثر به كل هذا” كما قال فريمونت.

ومع أن وارهول كان مستهلكاً في عالم الفن إلاّ أن نجوم البوب كانوا يدعمونه خلال الستينات. وعوضاً عن ذلك كان يكرس كل طاقته بوضوح لكي يكون أحد أهم راسمي البورتريهات الناجحين في المجتمع.
في 1974 اشترى منزلاً من ستة طوابق وبنهاية هذا العقد كانت لوحاته تحصل على 2 مليون دولار بالعام كأكبر أجرٍ. وفي نهاية الأمر أصبح للوحاته مناصرين.
” لقد أرّخوا ذلك العصر” فقال نورمان روسينثال الذي عمل مع وارهول في الثمانينات: “لقد كان وارهول رسام بورتريه عظيماً كعظمة جوشوا راينولدز في عصره”.

ومع ذلك عندما عرض وارهول لوحاته بدولار واحد عام 1982، شعر ليو كاستلي بالارتباك. لقد كان كاستلي بائع لوحاته لوقتٍ طويلٍ، وقام بنقل اللوحات وعرضها في الطابق السفلي من معرضه في نيويورك، وشعر أن هذا تبريراً سيئاً عندما لم تُبَع ولا لوحة. ” لم يكن بمقدور أحد فينا مواساة إندي بكلمة واحدة” هذا ما قاله التاجر البريطاني “أنتوني دي أوفيي” الذي عمل أيضاً مع إندي في الثمانينات.

في عام 2009 وضع ” دي أوفيي” مجموعةً كبيرةً من لوحات وارهول إلى جانب رسوماتٍ تضمنت لوحةً من مجموعته “دولار ساينز” وقام بإهدائهم للدولة كجزءٍ من مشروع غرف السياحة الفنية. “أذكر الهلع الذي لاقته لوحات مجموعة “دولار ساينز” في الثمانينات”، ثم أضاف: “لقد قال الناس حينها أنّ نجمه قد خفُتَ، لكنها الآن تبدو كلوحات الأنبياء”.

لقد كان “دي أوفيي” مقرباً من وارهول في فترة معرض الكاستيلي حيث قال له حينها: من دواعي سرورنا أن نعرض أعمالك في لندن، فردّ إندي: إنه أمرٌ عظيمٌ.
وعندما سأله “دي أوفيي” عن الأعمال التي يرغب بعرضها كان رد إندي: هذا الأمر يعود لك، وسأفعل ما ترغب به أنت.
لقد كان ردّه فاتراً وغير حماسيّ وبدا وكأنه ردُّ مبتذلٌ لفنّانٍّ تجاري، إلاّ أن ذلك ما كان يتفرّد به إندي من خصوصيةٍ حسب رأي “دي أوفيي”.
“هل يوجد فنانٌّ آخر في تاريخ العالم يقول لتاجر: أخبرني ماذا تريد وأنا سأقوم بذلك؟ من المؤكد لا يوجد” قال دي أوفيي، ثم أردف: “مرّت بضع سنوات ثم لمعت ببالي فكرة، يا إلهي، لقد خطر لي فجأةً أنّه الشاب الوحيد في النصف الثاني من القرن العشرين الذي امتلك سر البورتريه حقاً”.

بعد يومين، كان “دي أوفيي” على متن طائرة الكونكورد في طريقة إلى نيويورك حاملاً اقتراحه إلى وارهول الذي تحمّس للفكرة وبدأ في العمل. والنتيجة كانت معرضاً خاصاً لصور وارهول التي رسمها بنفسه، والتي تعرف الآن بسلسلة “فرايت ويغز” أي الباروكات المُخيفة نسبة لباروكة وارهول الشعثاء والمنفوشة.

لقد تم افتتاح المعرض في غاليري دي أوفيي في لندن عام 1986، “أعتقد أننا بِعنا خمس لوحات للمتحف” قالها دي أفيي بابتسامةٍ. كان ذلك شيئاً مبهجاً للغاية بالنسبة لإندي” بعد عقدٍ من الركود. وقد استطاع أن يحقق نجاحاً ملفتاً.
ثم حمل دي أوفيي مشروعاً آخر لآندي وهو مجموعة صورٍ لصموئيل بيكيت، “لقد اتصل بي آندي قائلاً إنّه سيدخل المستشفى يوم الجمعة. بيكيت شخصيةٌ حماسيةٌ جداً. سأقوم بالتقاط الكثير من الصور وسأرسم لوحات هذا المعرض بألوانٍ حقيقيةٍ وجميلةٍ من أجلك يا أنتوني”. صمت “دي أوفيي” لبرهةٍ ثم قال: توفي إندي بعد ذلك.

على الرغم من خبر وفاة إندي المفاجئ، إلاّ أن “دي أوفيي” لم يكن مصدوماً بشكلٍ كبيرٍ لأنه علِم أنّ فيض الإبداع النهائي لوارهول قد تزامن مع استحواذ فكرة الموت عليه”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: