“وحديثٌ في الحبّ” 1 – جمال سامي عوّاد

“وحديثٌ في الحبّ” 1 – جمال سامي عوّاد

جمال سامي عواد
جمال سامي عواد

من المؤكّد أنّ الحديث في الحبّ وبه وعنه، ليس غريباً في زمن الحرب، لأنّ الحرب كما أعتقد هي من أكثر مظاهر الحبّ عنفاً.

ربّما يكون الحبّ هو العاطفة الوحيدة لدى الكائنات، العاطفة الأمّ، وما باقي العواطف إلّا تنويعاتٌ أو تجليّاتٌ لهذه العاطفة الأساس، وهو بطبيعته قوّةٌ جاذبةٌ تقرّب طرفي العلاقة الّتي تتشكّل بواسطته من بعضهما، بهدفٍ أساسيٍّ يتمثّل بالاندماج الكامل من موقع المساواة أحياناً، أو موقع التّفاوت في أحيانٍ أخرى، حيث يُقدِم الطّرف الأقوى على احتواء أو ابتلاع الطرف الآخر إمّا عن طريق افتراسه أو دفعه للتّماهي به، بدفعٍ من آليّةٍ نفسيّةٍ معروفةٍ يتصرّف على أساسها الطّرف الأضعف تجاه الطّرف الأقوى.

في حالة المساواة بين طرفيّ العلاقة فإنّنا حيال حالةٍ تعتبر مثاليّةً من الحبّ، حالة الحبّ غير المفضي إلى الاندماج الكامل، بسبب الحفاظ على استقلاليّة وانفصال كلّ طرفٍ ضمن هامشٍ تحدّده عوامل متنوّعةً، حيث لم يستطع أيٌّ من الطّرفين ابتلاع الآخر، ممّا يضمن الحلم الأزليّ لبني البشر في استمرار عواطف الحبّ بين شخصين.

أمّا في حالة التّفاوت، وهي الحالة الأوسع انتشاراً للأسف، فقد كان لدينا مفردتين، أو طرفين قبل الاستجابة لعصف الحبّ، وبات لدينا مفردةٌ واحدةٌ بعد ذلك، لأنّ للحبّ غايةٌ واحدةٌ في هذا الكون، وهي السّعي للرّقم (1) فقط، فنحن لا نستطيع أن نميّز اللّون الأحمر والأصفر بعد مزجهما بتسميتهما أحمر أو أصفر، بل برتقالي، ونفعل ذلك بنفس اليقين الّذي نرى فيه سمكةً كبيرةً ونقول عنها أنّها سمكةٌ واحدةٌ، ولا نحسّ بالسّمكة الأخرى الصّغيرة الّتي استقرّت في بطنها للتّوّ، كما أنّنا لا نقول عن امرأةٍ حامل أنّها شخصان إلّا على سبيل المجاز، عندما نسمح لأنفسنا بتوجيه النّصائح لها بالتّوقّف عن التّدخين أو تناول الأدوية خلال فترة الحمل، باعتبار ما سيكون، والّذي لن يكون أبداً بالنّسبة للأمّ غريزيّاً!
فهي ستبقى طوال حياتها تسعى لإعادة هذا الكائن إلى حيث كان، وستبقى تنظر إليه غريزيّاً على أنّه جزءٌ منها يتحرّك على الأرض خارجاً عن حدود جسدها.

فرضيّة نجاح الحبّ في الوصول للرّقم (1) الّتي تشكّل أساساً لانطلاق محاولة البحث هذه في طبيعة الحبّ، هي حالةٌ يقوم بتمجيدها الكثير من العشّاق والشّعراء، تقودنا إلى ضرورة وجود غلافٍ واحدٍ يغلّف الكائن الجديد المتشكّل كثمرةٍ للحبّ، حتّى يمكن اعتبار الكائن الجديد كائناً واحداً وليس اثنين، وهذه الفرضيّة تجد نجاحاً جزئيّاً في حالة تساوي طرفيّ العلاقة بالقوّة (بالقيمة) بوجود غلافٍ للكائن الجديد ساهم الطّرفان بتكوينه.
أمّا في حالة التّفاوت فهو جسدٌ أو مادّةٌ أو حدود الطّرف الأقوى، وهنا يمكن أن نعتبر أنّ الحبّ وللأسف الشّديد قد نجح نجاحاً كاملاً في الوصول إلى هدفه (الرّقم 1).
وحتّى يحدث ذلك الاندماج الكامل أو الجزئيّ في الحبّ، فلا بدّ من توفّر أبوابٍ وممرّاتٍ لكلا الطّرفين لتسهيل تبادل المكوّنات أو تسهيل التّماهي.
ولكي نقترب أكثر من تجسيد الحالة وربطها بالواقع، يمكن أن نتساءل:
ماذا نفعل عندما نلتقي بموضوع حبّنا؟ سواء أكان ابناً أو حبيباً أو صديقاً، أو حتّى حيواناً أليفاً؟
الجواب الصّادم للمفرطين في الرّومنسيّة هو: إنّنا نتصرّف غريزيّاً بطريقةٍ تشبه تماماً تصرّفنا مع قطعة حلوى!
نعم…
نسعى لابتلاعه، لابتلاعه!
وأنا أقارب الموضوع هنا من النّاحية الغريزيّة الفطريّة، لا من النّاحية الفكريّة الّتي تعطي الحبّ الإنسانيّ قيمةً كبيرةً وساميةً، وهو بالضّبط ما أفعله أنا بطريقةٍ مختلفةٍ الآن.
ولأثبت ذلك، فلا بدّ من ملاحظة الرّمزيّة العميقة لكلّ سلوكنا تجاهه ومقارنتها بسلوكنا تجاه الطّعام.

اسماعيل نصرة

فبالعودة للتّساؤل عن سلوكنا تجاه المحبوب: بالطّبع نحن نضمّه بقوّةٍ، نقبِّله، وفي أبرد الحالات نحاول لمسه أو نبقي على مسافاتٍ قصيرةٍ قدر الإمكان تفصلنا عنه.
فإذا نظرنا إلى عمليّة الضّمّ برمزيّتها النّفسيّة سنكتشف أنّنا نصنع بيدينا دائرةً لها بابٌ واحدٌ بين الكفّين، نحاول إدخال المحبوب إليها ثمّ نغلقها عليه بعد ذلك، ولا نكتفي بذلك فقط إن كان الشّوق كبيراً، بل نضغط عليه ونشدّه نحونا مطبّقين عليه قوّةً فيزيائيّةً عميقة الدّلالة من النّاحية الرّمزيّة، فهي ترمز بشكلٍ أساسيٍّ إلى دمج الجسد المضموم بجسدنا، حيث نقوم بشكلٍ لاشعوريٍّ بمعارضة القوّة الّتي فصلت الجسدين في زمنٍ ما لا نعرفه بدقّةٍ، ولكنّه حيٌّ في أعماق لا شعورنا الجمعيّ.

بعبارةٍ أكثر بعداً عن الرّومنسيّة فقد دفعنا الحبّ لصنع معدةٍ خارجيّةٍ ابتلعت المحبوب بهدف هضمه وإدماجه في بنيتنا النّفسيّة العاطفيّة سعياً للرّقم (1).

ومن هذا المنطلق نستطيع الحديث طويلاً عن القبلة ورمزيّتها النّفسيّة، لأنّها تجسيدٌ أقرب برمزيّته للواقع بالنّظر إلى أنّ الفم والشّفاه واللّسان والأسنان، إضافةً إلى عمليّة المصّ، كلّها عناصر مشتركةٌ بين القبلة الحميمة والأكل، ولإثبات ذلك بمفهوم المخالفة، يمكن أن نسأل أنفسنا سؤالاً مهمّاً: لماذا الإصرار على استعمال الفم تحديداً في القبلة؟

أيمكن للأذن مثلاً، أو الجبهة أو القدم، أن تقوم بهذه المهمّة على أكمل وجهٍ؟
وهذا ما يفسّر الكثير من ضروب الشّذوذ النّفسيّ الجنسيّ الّتي تلجأ إلى طرقٍ ساديّةٍ لإرضاء دوافعها، حيث تتحوّل القبلة إلى عضّةٍ خفيفةٍ أو قويّةٍ، أو عمليّة مصٍّ شديدةٍ تترك آثاراً على جسد الحبيب حتّى لو كان طفلاً، لتعبّر عن تركيزٍ شديدٍ على الفم في التّعبير عن الرّغبة بموضوع الحبّ، وتبقى المبالغة هي المعيار القويّ الصّامد في التّمييز بين الصّحّة والمرض في هذه الحالات.

وهنا أصبح من البديهيّ جدّاً التّطرّق إلى الجنس ورؤيته من زاوية الحبّ، فهو تعبيرٌ طبيعيٌّ عن الحبّ الّذي تكلّمت عنه ويتّسم بكلّ سماته ومظاهره ولكن بطريقةٍ عبقريّةٍ فائقة التّعقيد والبساطة في نفس الوقت، أدّت إلى وجودنا، وسيكون له بحثٌ مفصّلٌ نظراً لارتباطه وأهميّته عند الحديث عن الحبّ، فهو بهذا المعنى كان وسيلةً لوجودنا.

ولأنّ الحبّ بأهميّته كسببٍ لوجودنا، فهو بنفس القدر سببٌ لزوالنا بماهيّتنا الحاليّة الّتي نحسّ بها، وإطلاقنا في شكلٍ جديدٍ من الوجود، لأنّ حبّ اللّجة الّتي أتينا منها، والّتي تحنّ كالأمّ إلى وحدة مكوّناتها الأولى، ستدأب دوماً لابتلاعنا واستعادتنا لدرجةٍ يمكن القول فيها أنّ حياتنا الحاليّة الّتي نحسّها كأفرادٍ ما هي إلّا حالة شذوذٍ عن الأصل (وحدة الكون).

أجرؤ الآن على القول أنّ الحبّ هو ناموس الكون!

فالأرض تحبّ القمر وتجذبه ولكنّه يستفيد من التّوازن النّاتج عن الصّراع بين النّبذ والجذب، مطيلاً فترة استقلاله أمداً!
وكذلك حال الشّمس والأرض، وحال المجرّة والكون.
وكذلك الآلهة في الميثولوجيا، أحبّت مخلوقاتها الّتي خلقتها من جسدها ذاته، فكانت كالأمّ الّتي تسعى إلى توحيد مكوّناتها المبعثرة في أرجاء الكون في يوم حشرٍ لا بدّ آتٍ.

يتبع….

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: