ومضاتٌ في تاريخ سوريا (3) أنطيوخوس الرّابع إيبيفانيوس – الباحث المهندس نهاد سمعان

نهاد سمعان

نهاد سمعان

هو أنطيوخوس الرّابع إيبيفانيوس (المتألّق) ثامن ملوك سوريا (175 ـ 164 ق.م).
لم يظلم المؤرّخون حاكماً أو ملكاً بقدر ما ظلموا وافتروا على أنطيوخوس الرّابع، منهم مَنْ وصفه بغريب الأطوار، ومنهم بالسّاذج والممسوس، ومنهم مَنْ نحا منحى التّوراة فوصفه بالحقير كما ورد في سفر دانيال (فصل 11 عدد 21) (حقير لا يعطى مزية ملك) وفي سفر المكابيين قالوا عنه (جرثومة). كلّ هذا القدح والذمّ لأنّه وضع اليهود أمام الخيار الصّعب عليهم منذ ذلك الزّمان، فقد خيّرهم بين الاندماج في المجتمع كبقيّة الشّعوب أو الرّحيل.

لكنّ لقناعتي بحكمة المتنبّي الّذي قال: (إذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ فهي الشّهادة لي بأنّي كامل) فقد ذهبت في البحث عن سيرة هذا البطل:
أورد لكم ما كتبه عنه بوليب (POLYBIUS) الّذي كان معاصراً له: (كان يحب العزلة عن قصره وأعوانه، فيطوف هنا وهناك في المدينة مصحوباً بخادمٍ أو خادمين فقط، وكان كثير التردّد إلى حوانيت الصّاغة الّذين يصنعون الحليّ الفضيّة والذّهبيّة مُكثراً البحث مع الحفّارين والنّقّاشين مبدياً ولعه بصناعتهم. وكان يودّ مخالطة سفلة القوم (عامة الشّعب بلغة هذه الأيام) ومحادثتهم ويأكل ويشرب مع ضيوفهم متطفّلاً على موائدهم وإذا علم أنّ بعض الشّبان التأموا في موضعٍ للّهو باغتَهم بحضوره بينهم، وكان يستحم في الحمّامات الّتي يستحمّ بها عامّة النّاس وعند تكاثرهم فيها).
والآن وبعد هذا التّوصيف هل كان هذا الملك حقيراً ؟؟؟

إنّ هذا التّناقض في تقييم هذا الملك بين قيمنا اليوم وقيم ذلك الزّمان مثالٌ حيٌّ على أنّ قيم الحقّ والخير والجمال متحوّلةٌ ليس فقط بحسب المكان بل بحسب الزّمان أيضاً، وإنّ الفضيلة شأنٌ نسبيّ وليست مطلقةً، أنّها نسبيّة بحسب المكان والزمان، ويدلّ أيضاً على أنّ ملكنا هذا كان سابقاً لزمانه.

من هو أنطيوخوس ابيفانيوس.
إنّه ابن أنطيوخوس الثّالث الكبير، قضى ثلاث عشرة سنةً في الإقامة الجبريّة في روما كرهينةٍ عندما كان ولياً للعهد وذلك تنفيذاَ لمعاهدة أفاميا بعد خسارة أبيه الحرب السوريّة الرّومانيّة الثّانية.
ماذا فعل أنطيوخوس حتّى أثار هذا الغضب العارم المستمر من 21 قرناً ؟؟
بعد التّدقيق تبيّن أنّ أعماله كانت فعلاً على درجةٍ كبيرةٍ من العمق والتّأثير حتّى أنّ نتائج بعض أعماله ما زالت ظاهرةً في وجه العالم حتّى اليوم.

أهمّ هذه الأفعال برأيي هي:
• الآثار الرّاسخة للحرب السوريّة السّادسة في سبيل فلسطين.
• محاولة إدماج اليهود بالمجتمع السّوريّ وتفكيك عزلتهم وحصارهم.
• احتفالات دفني المميّزة الّتي أثارت غيرة المؤرّخين غير السوريّين.

مشكلته مع اليهود:
كان أنطيوخوس كما قلنا متأثّراً بالفلسفة الرّواقيّة ثمّ انتقل إلى الأبيقوريّة، وكلتا الفلسفتين تتناقضان تماماً مع فلسفة أو دين اليهود الحرفيّ المتزمّت الّذي لا يترك فسحةً لتطوير العقل وتشريف الحياة وتجميلها، لقد كان أنطيوخوس متحمّساً لنشر عقيدته في أرجاء مملكته كلّها، ومن الطبيعيّ أن يكون اليهود عقبةً أمامه في هذا المجال، لقد أراد أن يكون شعبه واحداً موحّداً يعتنق عقيدةً واحدةً فينظرون إلى الفضيلة نظرةً واحدةً، بل ينظرون إلى كلّ جوانب الحياة نظرةً واحدةً فيرون الحقّ واحداً والخير واحداً والجمال واحداً، فيحرّمون نفس المحرّمات ويحلّلون نفس المحلّلات، ولا ينشأ بينهم خلافٌ مفكّكٌ للأمّة ومشتّت للقوى ولا يكون في البيت الواحد سبباً مقنعاً للاقتتال، فأصدر أمراً خطيّاً إلى شعوب سوريا كافّةً وهو كما ورد في التّوراة سفر المكابيّين الأوّل 1 – 43: (وَكَتَبَ الْمَلِكُ أَنْطِيُوكُسُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا بِأَنْ يَكُونُوا جَمِيعُهُمْ شَعْباً وَاحِداً، وَيَتْرُكُوا كُلُّ وَاحِدٍ سُنَنَهُ. فَأَذْعَنَتِ الأُمَمُ بِأَسْرِهَا لِكَلاَمِ الْمَلِكِ. وَكَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ارْتَضَوْا دِينَهُ، وَذَبَحُوا لِلأَصْنَامِ، وَدَنَّسُوا السَّبْتَ. وَأَنْفَذَ الْمَلِكُ كُتُباً عَلَى أَيْدِي رُسُلٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَمُدُنِ يَهُوذَا، أَنْ يَتْبَعُوا سُنَنَ الأَجَانِبِ فِي الأَرْضِ. وَيَمْتَنِعُوا عَنِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبِيحَةِ وَالسَّكِيبِ فِي الْمَقْدِسِ – وَيُدَنِّسُوا السُّبُوتَ وَالأَعْيَادَ،- وَيُنَجِّسُوا الْمَقَادِسَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَبْتَنُوا مَذَابِحَ وَهَيَاكِلَ وَمَعَابِدَ لِلأَصْنَامِ وَيَذْبَحُوا الْخَنَازِيرَ وَالْحَيَوَانَاتِ النَّجِسَةَ، وَيَتْرُكُوا بَنِيهِمْ قُلْفاً، وَيُقَذِّرُوا نُفُوسَهُمْ بِكُلِّ نَجَاسَةٍ وَرِجْسٍ، حَتَّى يَنْسَوُا الشَّرِيعَةَ وَيُغَيِّرُوا جَمِيعَ الأَحْكَامِ. وَمَنْ لاَ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَلِكِ يُقْتَلْ).

وكما هو واضحٌ قبِل بعضُ الشّباب المتحضّرين من اليهود الفكرة، وخاصّة سكّان أورشليم وتحمّسوا للفكر الجديد وأعربوا لأنطيوخوس عن تأييدهم له ورغبتهم في نشر الفكر الهيليني بين صفوف ملّتهم.
وقد ورد في التّوراة: المكابيين 1 (1 – 11) (وَخَرَجَتْ مِنْهُمْ جُرْثُومَةٌ أَثِيمَةٌ، هِيَ أَنْطِيُوكُسُ الشَّهِيرُ ابْنُ أَنْطُيُوكُسَ الْمَلِكِ، وَكَانَ رَهِينَةً فِي رُومِيَةَ، وَمَلَكَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنْ دَوْلَةِ الْيُونَانِ. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ مِنْ إِسْرَائِيلَ أَبْنَاءٌ مُنَافِقُونَ، فَأغْرَوْا كَثِيرِينَ قَائِلِينَ: هَلُمَّ نَعْقِدْ عَهْداً مَعَ الأُمَمِ حوْلَنَا فَإِنَا مُنْذُ انْفَصَلْنَا عَنْهُمْ لَحِقَتْنَا شُرُورٌ كَثِيرَةٌ).

أمدّ أنطيوخوس الشّباب المتحمّس للاندماج بالدّعم الماديّ والمعنويّ، فأقاموا مدرسةً في أورشليم لتعليم الفلسفة الأبيقوريّة والرّواقيّة، وكان من روّاد المدرسة شابٌ اسمه يشوع فبدّل اسمه ليصبح ياسون وهو اسم يونانيّ، وطلب من الملك أن يتولّى رئاسة الأحبار بدل أخيه أونيا، ووعد الملك بزيادة المبالغ الّتي سيدفعها للخزينة سنويّاً، فأجابه الملك على طلبه وعيَّنه رئيساً لأحبار اليهود، وفعلاً بدأ ياسون بتفعيل عمليّة إدماج اليهود بالمجتمع، فأبطل ضرائب الشّريعة، وسمح بل شجّع التّزاوج من الغير، وشجّع الشّباب على التّخلي عن ثيابهم وأزيائهم التّقليديّة وبدأت مظاهر اليهوديّة بالزّوال حتّى إنَّ ياسون نفسه شارك في تقدمة الذّبائح لمعبد هركليس في مهرجانات صور الّتي كانت تقام كلّ خمس سنواتٍ. لكنَّ صراعاً على السّلطة نشب مجدّداً بين هؤلاء اليهود المتحضّرين فتولّى شؤونَهم شابٌ آخر اسمه منلاوس الّذي أقال ياسون وطرده إلى شرق الأردن، وبحسب المؤرّخين اليهود كان منلاوس فاسداً مفسداً أساء إلى شعبه كثيراً وحاول القضاء على كلّ تقليدٍ يهوديّ ممّا أثار في نفوسهم الحقد والضّغينة ضدّ الملك.

عام 170 ق م انتشرت بين اليهود شائعةُ أنّ أنطيوخوس قد قتل في مصر، فعمّت مظاهر الفرح والسّرور عند المتشدّدين، وثاروا على ولاتهم وكهنتهم الموالين للملك، وهاجموا مراكز الثّقافة والفكر (الوثنيّ)، فلمّا سمع أنطيوخوس بالأمر سار بفرقةٍ من جيشه وأمرهم بالقضاء على الثّوار دون رحمةٍ، وكان دليله عليهم منلاووس فقضى على ثمانين ألف منهم في ثلاثة أيامٍ فقط، وبيع في أسواق العبيد عددٌ مماثل، ونهبت كنوز الهيكل الّتي قدّرت بألف وثمانمئة قنطارٍ من الفضّة والذّهب. ورغم المبالغة الواضحة في رواية المؤرّخين الموالين للفكر اليهوديّ فإنّ هذه الصّورة تعطينا فكرةً عن عنف الضربة الّتي وجهها أنطيوخوس لليهود والّتي أدّت فيما بعد إلى نشوب الثّورة المكّابيّة.

وتقول التّوراة إنّه في شهر كانون الأوّل من سنة 168 ق م بنى أنطيوخوس مذبحاً للأصنام على مذبح المحرقات في هيكل أورشليم، وقدّموا عليه الذّبائح للأصنام، كما أشارت التّوراة أنّ أنطيوخوس كلّف عناصر من جنده لمراقبة حُسن تنفيذ عمليّة الاندماج، فمنعوا ختان الأولاد وعاقبوا الأمّهات الّلواتي يحملن طفلاً مختوناً، وأكرهوا الرّجال على أكل لحم الخنزير، وخصّصت التّوراة فصلاً كاملاً يحكي قصّة ألعازر (وهو من علماء سنّة اليهود) والأخوة السّبعة المكابيّين، وكيف فضلوا الموت وماتوا فعلاً قبل أن يبتلعوا لحم الخنزير الّذي كان يوضع قسراً في فمهم.

لكن هذا الإكراه في التّخلي عمّا يفرّق أبناء الأمة وهذا الأسلوب العنيف أدّى إلى اندلاع ثورةٍ بدأها أحد المتشدّدين من الكهنة اليهود هو متاتيا الحشمونيّ، وكان له خمسة أولادٍ فرّ معهم إلى الجبال، فتحلّق حولهم الهاربون، فكانوا في بادئ الأمر عصابةً يغيرون على المدن ويحرقون الخنازير ويطهّرون الأولاد ويقتلون الجنود والعامة من أتباع الملك ممّن ارتضوا بالاندماج، لكن بعد فترةٍ قصيرةٍ تفاقمت الثّورة وتحوّلت العصابة إلى شبه جيشٍ تحت قيادة يهوذا الّذي خلف أباه متتيا الكاهن في القيادة، وأصبح هذا الجيش المتمرّد يحمي مناطق معيّنة في فلسطين ويسيطر عليها، وكردّة فعلٍ محليّة قام بعض قادة حاميات المدن والحكّام كوالي السّامرة بمحاولة القضاء على الثّوار لكنّهم فشلوا في مرامهم، وبعد فترةٍ وسّع الثّوار دائرة نشاطهم، فهاجموا بعض المدن قي شرق الأردن، ممّا دعا تيموتاوس والي تلك المنطقة لاستئجار بعض العرب للدّفاع عن ولايته، لكنهم فشلوا أمام اليهود وتركوه في الميدان وهربوا إلى أحد المعابد، فطاردهم اليهود وأحرقوا المعبد بمن فيه من عرب.

جرّد أنطيوخوس حملةً ثانيةً للقضاء على هؤلاء المتمرّدين المتشدّدين، فأرسل رئيس الجباة أبولونيوس على رأس عشرين ألف جنديٍّ لاحتلال أورشليم والقضاء على كلّ متشدٍّد يهوديّ فيها، وفعلاً لمّا وصل إلى مشارفها انتظر يوم السبت وهو يوم عطلة اليهود ثمّ هاجمها واحتلّها وأهلكَ خلقاً كثيراً على ما ورد في التّوراة (مكابيّين 2/ 5 – 24)، وهدم سورها القديم وبنى حولها سوراً جديداً متيناً وجعلها قلعةً حصينةً لها أبراجٌ دفاعيّةٌ، واستقدم مواطنين من شتّى الملل وأسكنهم فيها، فهرب جميع المتشدّدين إلى الجبال والمغاور وبقيت القدس خارجةً عن أيّ نوعٍ من أنواع السّلطة اليهوديّة حتّى 143 ق م حين احتلّها سمعان المكّابي اليهوديّ.

لا شكّ أنّ أنطيوخوس الّذي كان مشغولاً في تلك الفترة بالإعداد لمهرجانات دفني والإعداد لحملةٍ عسكريّةٍ باتّجاه الشّرق لم يكن يعلم أنّه في إهماله ثورة اليهود هذه سيرتكب أكبر خطأ في تاريخ سوريا الّتي أحبّها وأرادها موحّدة أرضاً وشعباً، فبعد وفاته بعشرين سنة وفي عهد من سيتولّى بعده من ملوك سيتحوّل هذا الجيش الصّغير من المتمرّدين وبدعمٍ مصريّ سريّ إلى جيشٍ استطاع الاستيلاء على أورشليم، والحصول على نوعٍ من أنواع الحكم الذّاتيّ لشبه دولةٍ سميّت في الفهارس بالدّولة المكابيّة الحشمونيّة نسبةً إلى حشمون قرية متاتيا.

وهنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ المكابيّين لم يكونوا مستقلّين استقلالاً تامّاً كما يدّعي اليهود اليوم بدلالة ما ورد في سفر المكابيّين الأوّل فالملك السوريّ هو من كان يعيّن ويعطي الشّرعيّة للحبر الأعظم (مك1 – 11/ 27 ) و(مك1 – 11 /57) وهو من سمح لليهود بضرب نقود خاصّة بهم [وقد أبحت لك أن تضرب في بلادك سكة خاصة (مك1- 15 – 6 )] وكانت نقودهم خاليةً من الصّور مزيّنةً بأشكالٍ نباتيّةٍ، لأنّ اليهود يحرّمون الصّور البشريّة على النّقود لشبهها بالأصنام.

المكابيون: هناك عدّة احتمالات لتفسير معنى مكابيّ:
1– مشتقٌ من كلمة كابا ومعناها بالعبريّة (أباد وأتلف) نظراً لأنّهم كانوا يبيدون أعداء الرّب.
2– مشتقٌ من مخابي ومعناها الجراح والضربات لأنّهم كانوا يضربون باسم الله.
3– مشتقٌ من مخابا: ومعناها مخبأ لأنّهم كانوا يختبؤن في المغاور.
4– كانوا يضعون على أعلامهم وتروسهم أربعة أحرفٍ م ك ب ي تبتدئ بها أربعة كلماتٍ معناها بالعبريّة (من مثل الرّب بين الآلهة).

أمّا في مسألة الصّراع مع مصر على فلسطين:
فلمّا تولّى إيبيفانيوس الحكم كانت اخته كليوباترا الأولى وصيّةً على ابنها القاصر في مصر بعد وفاة زوجها بطليموس أبيفانيوس, وكانت تحسن إدارة أمور البلاد، وكانت علاقتها جيدةً مع أخيها في الشّمال، لكنّها توفيّت عام 173 ق م، فعهد بالحكم إلى الأوصياء الّذين ما إن تسلّموا مهمّتهم حتّى طالبوا ملك سوريا أنطيوخوس بإعادة فلسطين وسوريا المجوفة إلى مصر، أمّا أنطيوخوس الرّابع فكان يجيب كسابقيه المنطقة المذكورة جزءٌ من سوريا بالأساس وهي آسيويّة، وإنّ بطليموس المختصّ بأفريقيا اغتصبها عندما كان سلوقس منشغلاً في الأناضول، وإنّ أباه استردّها بحقّ، لكنّه وعد بها مهراً لابنته عند زواجها من ملك مصر من قبيل كفّ شرّ المصريين مؤقّتاً حتّى يستطيع الوقوف مرتاحاً في مواجهة الرّومان في الشّمال وهذه الهبة باطلةٌ لأنّها تمّت تحت الضغط.

وعندما كانت المراسلات في هذا الشّأن على قدمٍ وساق احتفل المصريّون ببلوغ ملكهم الخامسة عشرة، وهو موعد تتويجه فأرسل أنطيوخوس الرّابع أبولونيوس أحد كبار أعوانه إلى مصر للتّهنئة والتّقصي عن نوايا المصريين، ولمّا عاد الرّسول أبلغ سيّده: إنّ الأمر جديّ وإنّ المصريين يستعدّون للحرب.

حزم أنطيوخوس أمره فسار جنوباً، وفي الوقت نفسه أرسل وفداً إلى روما لطمأنتها أنّ الحرب محدودةٌ، التقى الجيشان في جبل قاسيون الّذي في سيناء قبل (فرما) وهي بور سعيد حالياً وكان اسمها آنذاك (بلوزيون)، ونشبت المعركة في 171 ق م، فكان نصراً سهلاً لأنطيوخوس، ولسببٍ غير معروفٍ اكتفى باحتلال بوّابة مصر (بور سعيد) وانسحب شمالاً، وبذلك اقتصرت نتيجه الحملة على تحصين الحدود الجنوبيّة لسوريا، والقضاء على أحلام المصريين باستلام ثغر مصر.

أمّا الحملة الثّانية فكانت في ربيع 170 ق م حين تبلغ أنَّ المصريين يستعدّون للانتقام، فتوجّه فوراً جنوباً برّاً وبحراً فانتصر ثانيةً بسهولةٍ، وانكسر الجيش المصري. لكنّه هذه المرّة توغّل في داخل مصر، فتوجّه إلى ممفيس عاصمة مصر القديمة ودخلها فاتحاً، وبذلك سقطت مصر بأكملها (ما عدا الإسكندريّة) بيد أنطيوخوس، فاستطاع بنصره هذا أن يسجّل سابقةً لم يستطع أحدٌ من أجداده فعلها. (لقد نقل ساحة المعارك إلى داخل مصر).

وبغضّ النّظر عن طريقة وصول بطليموس مصر إلى بلاط أنطيوخوس أكان أسراً أم طواعيّةً حيث اختلف فيه المؤرّخون، فقد أحسن أنطيوخس ضيافة ابن أخته ملك مصر وعامله معاملة الملوك وجعله يأكل على مائدته أمام الملأ.

لمّا سمع أهل الإسكندريّة الّتي لم تستسلم بأنّ ملكهم يمكث في ضيافة أنطيوخوس ويأكل معه ويسامره في مجلسه اعتبروه أسيراً لدى السّوريين مسلوبَ الإرادة، فقاموا بتنصيب أخيه الصّغير القاصر ملكاً عليهم، وسمّوه بطليموس أوراجات (المحسن)، وعاد الأوصياء إلى الحكم والتّحكم كسابق عهدهم. فاستاء أنطيوخوس كثيراً من عملهم وسار بجيشه باتّجاه الإسكندريّة لإخضاعها، ولمّا رأى بطليموس أوراجات وأخته كليوباترا الثّانية الجيش السّوري مِن على الأسوار سارعوا إلى إرسال وفد إلى روما لطلب النّجدة والحماية منها.

مثلَ الوفد المصريُّ أمام رجال النّدوة في روما (مجلس الشّيوخ) وكانوا يلبسون ثياب الحداد، وبخطابٍ مؤثّرٍ أقنعوا رجال النّدوة بدعمهم وإرسال من يلزم لردع أنطيوخوس وإيقافه عند حده، وتوافق طلب النّجدة هذا مع رغبتهم الثّابتة بعدم عودة السّوريين إلى ساحة الأقوياء، فقرروا إرسال وفد لأنطيوخوس وبطليموس وتهديدهما بأنّ من يتسبّب في الحرب سيكون عدوّاً لروما.

وبعد فترةٍ قصيرةٍ ترك أنطيوخوس ابن اخته بطليموس الملك المخلوع في مصر وانسحب عائداً إلى سوريا، ولم يذكر المؤرخون سبباً واضحاً لهذا الانسحاب، إلّا أنّ بعض الدّراسات الحديثة والتّحليلات تفيد بأنّ اضطرابات داخليّة حصلت في فلسطين افتعلها اليهود وبعض القبائل المشايعة للمصريين كانت السبب في انسحابه الفُجائي، أو أنّه كان يعدّ لحملة باتّجاه الشّرق لتعزيز قواه العسكريّة وخزينته، أو أنّ رسالةً من روما جعلته ينسحب بهذه الصّورة المفاجئة، لكن بغضّ النّظر عن الأسباب كان قد عيّن ولاةً وحكّاماً موالين له ولبطليموس الخامس المخلوع في أغلب المدن الّتي افتتحها في مصر وترك حاميةً عسكريّةً في (بلوزيون) بور سعيد.

أنطيوخوس يحتل مصر ثانية:
لم يكد أنطيوخوس يخرج من مصر حتّى تصالح البطليموسان وأختهما كليوباترا الثّانية، واتّفقا أن يتربّع الثّلاثة على عرش مصر ويحكموا البلد شراكةً. لم يعجب هذا الاتّفاق أنطيوخوس فعاد في ربيع سنة 168 ق م، وأمر جيوشه بالتّقدم تجاه الإسكندريّة، ولمّا كان ملوك مصر عاجزين عن المواجهة فقد أرسلوا يسألونه عن مطالبه فربّما استطاعوا تسليمه سِلماً ما يريده بالحرب، وأعربوا له عن عدم رغبتهم في المواجهة، فأفادهم بأنّه لن يسحب جيشه وأسطوله إلّا بعد الاعتراف له بجزيرة قبرص والإقليم المجاور لفرع النيل الشّرقي، وحدّد لهم مهلةً لتلبية طلباته. ولمّا لم يكن في وسع بلاط الإسكندريّة الموافقة على مثل هذه المطالب، فقد أرسل استغاثةً إلى روما في الوقت الّذي تحرّك فيه أنطيوخس باتّجاه ممفيس حيث توّج نفسه فرعوناً ومنها إلى الإسكندريّة الّتي ضرب عليها الحصار.

ورداً على استغاثة الإسكندريّة قرّر مجلس الشّيوخ الرّومانيّ إيفاد بعثةٍ برئاسة (بوبيليوس لايناس) لإبلاغ أنطيوخس مطالبهم القاضية بالانسحاب الفوريّ من مصر، وفي ضاحيةٍ قريبةٍ من الإسكندريّة حدثت المقابلة المشهورة بين أنطيوخس ولايناس الرّوماني، فعندما مدَّ أنطيوخس يده للسّفير الرّومانيّ الّذي كان يعرفه سابقاً عندما كان في روما لم يقابله السفير بالمثل بل وضع في يده رسالة مجلس الشّيوخ وطلب إليه أن يقرأها، وعندما قرأ أنطيوخس الرّسالة أعلن بأنّه يطلب مهلةً للتّشاور مع حاشيته (حسب قاعدة البلاط السوريّ في العصر الهيلنستي) فلم يكن من السّفير الرّومانيّ إلا أن خطّ بعصا كانت في يده دائرةً حول الملك وطلب إليه أن يردّ على الرسالة قبل أن يخطو خارج تلك الدّائرة، فاستاء أنطيوخس من هذا المسلك الغريب وتردّد لحظةً ثمّ أعلن أنّه يوافق على ما جاء في الرّسالة، وعندئذٍ حيّا السّفير وأعضاء الوفد الملك تحيّةً وديّةً، وبدأ أنطيوخس بإصدار أوامره للانسحاب من قبرص ومصر. ولكنّه ثبّت بحملاته هذه سوريّة فلسطين والسّاحل السوريّ.

هذا هو أنطيوخوس الرّابع ايبيفانيوس، هذا الّذي رأيت وميضه بعد 22 قرناً، سمّوه جرثومةً وأنا رأيته رائداً بطلاً مستشرفاً، ونحن حتّى اليوم لم نستطع اكمال ما بدأ به من فعلٍ مضادٍ لهؤلاء الّلصوص.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: