وهم الفن – عمار حسن

عمار حسن

عمار حسن

دعونا نتوهم أن ما يعنينا هو ما يناسب حقيقتنا الساكنة في كلّ هذا الوهم الذي نعيشه! ولكن عن أي حقيقةٍ نتحدث إذا لم نكن متصلين بالحياة ومؤثرين فيها، فالحقيقة الملموسة واقعياً كمنفعةٍ أو خيرٍ أو جمالٍ هي ليست وهم! وحسب حقيقتنا سيكون هذا الخير والجمال والفن الذي نصدره الى العالم، هذا نحن وهذا وعينا الذي ستظهره اللوحة وهو استمرار لهذه الطاقة فينا، وبقدر ما يكون هذا المعكوس فنيا بقدر ما يصل ويكون مؤثراً، وهذا ينطبق على باقي الفنون، فليس الخير وحده وليس الجمال وحده، بل الشر والانفعالات السلبية، هي طاقةٌ أيضاً وبقدر ما تُعكس بشكلٍ حقيقيٍّ وفنيٍّ بقدر ما تكون مؤثرةً.

لكن هذا الشرّ الفنيّ الواخز للروح والبصيرة، لن يكون إلا هذا المقابل والضدّ للخير والجمال، وذلك عبر هذه الطاقة السلبية، الفن يفعلها، إنه الطريق إلى الحقيقة، بشرط أن نستطيع قولها، فنحن أدوات الفن ولسنا الفن، نحن أدوات الحقيقة وليس الحقيقة، لربما علينا أن ندرك أننا الأداة في يد الحياة، وليس العكس، لنكون في الموقع الصحيح مقابل النبع، نحن لا نرسم الحياة أو اللوحة، هي التي ترسمنا، هذا التمرّد على اللوحة هو الذي يفقدنا الصلة، أن ندرك هذا حتى نتوافق والفن، أن ندرك هذا حتى نكون مع النبع، اللون نبع، وحركة اليد المتصلة بإيقاعٍ واحدٍ مع العين واليد والروح هي نبع، ثمة ينابيعَ صغيرةٌ كثيرةٌ تنز أنغاماً متفرقةً، والفنان هو من يسمعها ويصدقها ويجعلها في إيقاعٍ واحدٍ.

أن تعكس جمالك على ورقٍ أبيض فيغدو لوحةً أو قصيدةً أو على حجرٍ فيغدو منحوتةً، هو وهمٌ، وربّما يكون حقيقياً ما دام ملموساً، ولكن ليس كلّ ملموسٍ حقيقي! الأهم أنه عبّر عن ما تعتقده حقيقتك وحدوسك، في تلك اللحظة، وربما تستمر إلى الأبد، إذا لم تتعرض روحك أو وعيك لما هو أكثر ثراءً.

أن ترى في العيون حزناً أو أطيافاً ملونةً، أن ترى في الظلال حقائق الأشياء، وأن ترى أكثر من المرئي، تلك طاقةٌ ومنسوب وعيٍ وجمال يسكنك ويقض مضجعك، إذا لم تعكسه وتتلقى تأثيره.

ذاك الاتصال بين ذاتك والموضوع هو الوهم الأكثر غائيةً، والذي لن تتبلور حقيقتك دونه، وإذا أدركت أنك لا تتلقى إلا ردة فعل وهم وعيك أو حقيقته المتغيره والمضافة، ماذا ستقول عندها؟! ستقول: أتلقى ما ينسجم مع فكري وحدوسي، لكن هل هذا دقيق؟! نعم إنه دقيقٌ كحقيقةٍ ووهم.

الفنانة فاليا ابو الفضل

الفنانة فاليا ابو الفضل

الجمال هو القرينة أو القرين، لأنه المعنى الذي سيضفي ويكمل وعيك الكينوني، الجمال الخارجي مجرد مرتبةٍ ليكتمل في داخلك ما أنت بحاجةٍ إليه من الجمال! وهكذا اللوحة وباقي الفنون، هي ليست الشكل ولا الأصبغة، بل الضوء والعتمة التي تعبر من داخلك إلى داخله، حتى الخط الذي تحرّكه على السطح الأبيض في داخله نورك وعتمتك، حتى الكلمة والرقصة والموسيقا والأداء التمثيلي، الحس والحدس، المرئي واللامرئي، كل هذه أدواتٌ لتصل إليك لتكون أنت، أو لتأخذك الى هذا الأنت، بهذا المقدار النوعي والحر من الجمال والذي يشكل في النهاية خصوصيتك، وخصوصيتك هذه هي وهمك الجميل وحقيقتك، ولن تكون فناناً ما لم تتساءل بخصوص هذه الأسئلة، هذه الأسئلة هي الفن، والفن كله أسئلة، هذا أحد تعاريف الفن، لكن سأقترح عليكم أن لا تصدقوا أن الفن مجرّد أسئلةٍ، وإلا سنستمر في الفراغ، الفن أيضا إجابات، محسوسٌ وملموسٌ أكثر، ومثل الحب، الحب طريق ومسار، والفن طريق ومسار، يلتقيان في الرأس، ومنهما ينطلقان الى مسامات الحياة، ثم يعود كلّ شيءٍ إلى الرأس حيث الحقيقة والوهم.

كل ما سبق قابلٌ للتحويل ما بين الوهم والحقيقة، إذا لم يصبح في واقعك الحياتي الفردي والذاتي أو العام، هذا الجمال حريٌّ بك أن يكون حيّاً بك، لتصل إلى العالم، لتصل إلى هذا الأنت.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: