Snowhuman – رغد جديد

رغد جديد
رغد جديد

-“لا بد أنّكُم سمعتُم عن أشخاصٍ تعبوا كثيراً في حياتهم لكنّ الحظَّ لم يكُن حليفَهم، أمّا قصّتي فهي تختلفُ عمّا سمِعتموه لأنّ الحظَّ كان صديقي الصّدوقَ على الرّغمِ من اجتهادي وتعبي المتواضِعَين.

تبدأُ قصّتي من لحظةِ قراري دخولَ كليّةِ التمريضِ، أو بالأحرى؛ قرار والديَّ فأنا كنتُ تائهةً لا أعرفُ ما أريدُ ناهيكم عن علاماتي المتدنّية في الشهادةِ الثانوية التي أدت بدورها إلى تدنّي منسوب الاحتمالاتِ المتعلّقة بالفروع الجامعيّة، دخلتُ كليّة التمريض لتبدأ الرحلةُ، رحلتي ورحلةُ لقبي (الفتاةُ الحديديّة).”

-تباً لهم، ها هي ذي قصة محفّزةٌ جديدة تعبثُ اليومَ أيضاً بذرات الغلاف الجوي الذي يغلّفُ هذه المدينة البائسة، لا مجالَ للهروب، مكبّراتُ الصوتِ مزروعةٌ في كل شارع، وفي كل حيٍّ، وفي كل زاوية، وفوق كل بناءٍ، وهذه ُالقصةُ الغبيّة -بلا شكٍّ- تبثُّها كلُّ محطةٍ إذاعيّةٍ، وكلُّ موقع تواصل اجتماعي -هو موقعٌ واحد فحسب لم يتمَّ حظرُهُ وهو يحمِلُ اسمَ المدينةِ البائسة- وهناكَ مكبّرٌ أيضاً داخلَ كلّ ذرة أوكسجين نتنفسُها، وكلّ لقمة خبزٍ نمضغُها –في حالِ توفّرت هذه اللقمةُ-.

-“نعم، نعم…لا تستغربوا من لقبي هذا، لقد كان السببَ الأول لتأقلُمي السريع خلال سنواتِ الدراسة في كُلِّيّة التّمريضِ، إذ إنني لم أكن أحتاجُ إلى ساعاتِ الدراسةِ الطويلةِ وإلى مشاعرِ الخوفِ من الامتحانِ، كان كلُّ شيءٍ سهلاً، ومُستساغاً، وسريعاً، لا… لا تفسروا ذلك بكونه رغبةً شديدةً امتلكتُها، لم يكن التمريضُ خياري أساساً كما كنتُ قد أخبرتُكم، لا إرادةٌ، ولا تنافسٌ، ولا أيُّ شعورٍ آخر، كنتُ ببساطةٍ أستوعبُ بسرعةٍ وأدرسُ قليلاً؛ أي إنها عمليّةٌ عقليّةٌ بحتة، والمشاعر بعيدةٌ كل البعد عن فعلٍ آليٍّ كهذا، سار كلُّ شيءٍ بشكلٍ طبيعيٍّ حتى حدثَ ما هو سببُ شهرتي وسببُ تحدّثي إليكم الآنَ”.

-آآه، ألم يسأموا بعد؟ كلَّ يوم قصة سخيفة أخرى تسمعها المدينة كلّها: الشوارعُ، والحدائقُ، وسطوحُ الأبنيةِ، وواجهات المحلّات، وقطار المدينةِ المهترئُ، والقططُ المتثائبة تحت السيارات، والغيوم التي ترافق الطيور في هجرتها، والبحر المُصمت فلا موج ولا زبدٌ يجعلانه مائياً بحقّ، كل ما في المدينة يسمعُ هذه القصة الآن إلا… إلا سكانَها.

-“ماذا يعني أن تكون الممرضةُ المشرفةُ على صحّةِ الممثل الفرنسيِّ (فرانس لوران) غير قادرةٍ على فهمِ اللغةَ الفرنسيّةَ؟ ماذا يعني إن لم تستطع ترجمةَ الكلماتِ الفرنسيّةَ التي تمتمَ بها قبيل أن يلفظَ أنفاسَه الأخيرةَ؟ لو أنّ الإعلامَ يسلّطُ الضوءَ على همومنا ومشاكلنا بمقدار ربعِ اهتمامه بالمسيو فرانسيس لكُنّا بألفِ خيرٍ، وهنا اسمحوا لي أن أشكر إذاعتَكم المُحترَمة التي تفهّمت سخطي على شهرتي المزيّفةِ هذهِ، وعلى البلبلةِ الإعلاميّة التي تسببَ بها موقفٌ لا أهميّةَ له على الإطلاق وسط حشدٍ هائلٍ من الهموم الحياتيّة التي جعلت الناس يلفظون أنفاسَهم الأخيرةَ كلّ يوم”.

– لم أستطع سماع صوت زمّور السيارةِ وأنا أعبرُ الشارع لعلوّ صوتِ الممرضة الحديديّة الذي يشقّ الهواءَ، لو لم أنتبه في آخر لحظة، لربما كانت الممرضة تُشرفُ على حالتي أنا الآن.أصلُ بسلامةٍ إلى الجهةِ المقابلة، أقفُ منتظراً عند محطةِ الحافلاتِ، شخصٌ آخر ينتظرُ؛ صبيّةٌ جميلةٌ جالسةٌ وحدَها تلوح لي من خلفِ واجهة المطعم الصغير الذي يصطفُّ وغيرَه من المحلات خلفي، لقد انتظر كلانا طويلاً، كانت تتفقدُ الساعة مراراً وتنفخُ، أما أنا فلا يهمّني الوقت، ورئتاي صغيرتان أساساً لا تستطيعان أن تنفخا وتغضبا، وصل أخيراً مَن تنتظرُه؛ شابّ ذو ملامحَ بلهاءَ، ابتسمَت له بدفء دون أن تعاتِبَه ولو بكلمةٍ أو حتى نفخةٍ، أما هو فلم يعتذرْ حتى، ما لبث أن ألقى السلام ببرودة وبلاهة حتى تناول هاتفه ليُجري مكالمة، مكالمة طويلة جداً وكأنّ شيئاً لم يكن.

-“لقبي الذي لطالما تباهيتُ به بين زملائي من الممرّضين لم يَعُد ملكي بعد حادثةِ المسيو فرانسيس، أنا الممرضةُ الحديديّةُ التي لم تكن بقع الدماءِ أو الأجسادُ الممزّقةُ تحرّضُ أيّ شعور لديها، قد أصبحَ قلبُها الآن ينبوعَ مشاعر الأرضِ وأحاسيسِها كلِّها، وهنا تحديداً مضمون رسالتي التي أودُّ إيصالها إليكم أعزّائي المستمعين، رسالتي لكم هي أن تقدّروا مشاعرَكم، وأن تتبيّنوها وتحبّوها فهي بصمتُكم وهويّتكُم، نعم… ما حدث معي خلعَ الدرعَ الحديديّ عن قلبي وعاد حيّاً ينبضُ وينتفضُ ويغضبُ، لقد كنتُ سابقاً ممرضةً فحسب، أما اليوم فقد أصبحتُ إنسانةً ممرّضةً، لذا فلينطلق كلٌّ منكم من موقعه، وليسبقِ انطلاقتَه بكلمةِ إنسان”.

-عبثاً يبثّون هذه القصص التحفيزيّةَ ويحاولون إثارةَ انتباهنا إلى ما كان يوماً كلَّ اهتمامنا، لو أن واحداً من الذين فَطنوا مؤخراً إلى حالنا الجديد بعد فوات الأوان يخالطُ الناسَ بحقّ، لتيقّنَ أن هؤلاء الناسَ صاروا مجرّد رجال ثلجٍ عديمةَ الإحساس، لو أنه جالسٌ الآن مكاني في الحافلة لفهمَ ما أقصدُ، ولرأى الطفلَ الذي وقع منذ لحظاتٍ وهو يصعد درج الحافلة دون أن يكترث له والدهُ، فقد ظلّ رأسُه مدفوناً في شاشةِ هاتفه واتّخذ مقعدَه بكل برودٍ في حين أنّ الطفلَ ظلّ يبكي وهو ينهضُ بصعوبةٍ كي يلحقَ بأبيه، لم يساعده أحدٌ من ركاب الحافلةِ.

-حتى أنا رغم محاولتي الجادّة-، لم يهدّئ من روعه أحد، لم يلقِ أحدٌ عبارةَ لوم واحدةً على مسامع أبيه، هم مجرد رجال ثلج تتابعُ فعلَ ما تفعلُه وكأنّ شيئاً لم يكن.

توقّفتِ الحافلةُ عند محطّة كي ينزل أحد رجال الثلجِ ويصعدَ غيرُها، صوت مكابحَ ضعيفٌ، رجلُ ثلجٍ آخر لم ينجح في كسر الجليد داخله رغم محاولته فعلَ ذلك، والنتيجة هي رجل ثلج يقود سيارةً لم تَستطع تفادي الاصطدامِ برجل ثلجٍ عجوز، العجوز ممدد الآن في الشارع فاقداً وعيه، أما السائق فتابع طريقه والمارّةُ أيضاً وكأن شيئاً لم يكن.

لن أسمحَ لألواح الجليد أن تستعمرني على هذا النحو، لن أدع ذلكَ العجوزَ مستلقياً كعارضةٍ في مضمار سباقٍ يقفزُ فوقها المارّةُ والسياراتُ ولا يعيرونها أدنى درجة من درجات الإنسانيّة، سأنهضُ عن مقعدي الآن قبل أن تتابع الحافلةُ سيرَها، سأطلبُ سيارة الإسعافِ وأرافقُه إلى المستشفى، نعم… أحسنت، ها هي ذي قدمي الأولى ترتفع عن الأرض، نعم… دفعة أخرى وسأنهضُ بجذعي، أسندتُ يدي على ظهر المقعد أمامي كي تعطيني دفعة إضافية، تنهض مؤخرتي عن المقعد، نصفُ انحناءة، تقدّم مبهرٌ، سأتابعُ كي أقف باستقامة، هيا… أحسنت، ولكن… ولكن هنا، عند هذه اللحظة، يجتاح داخلي غزوٌ لأطنان من الألواح الجليديّة، فأتهالك جالساً على المقعد، وأعود إلى وضعيّتي السابقةِ وكأنّ شيئاً لم يكن.

-النهاية-

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: