الأبواب! – سامر محمد اسماعيل

سامر اسماعيل

ليالي الشتاء الطويلة والباردة ألهمته باقتلاع أبواب بيته، كي يستخدمها لتدفئة أطفاله وزوجته المصابة بالربو.. أول مرة اقتلع باب المطبخ.. ما فائدته أصلاً؟ هو مجرد باب لمطبخ.. وما هي سوى أيام حتى دفع بآخر أخشاب الباب الأول إلى أحشاء مدفأة الحطب.. ومن ثم التفت نحو أطفاله يدرسون على ضوء الشمعة.. نهشه سعال الزوجة الشابة التي فقدت جمالها مع الفقر والبرد.. فقرر اقتلاع باب غرفة النوم.. ذلك الباب بكناره الأخضر وبلوره المحجر.. الباب الذي كان يغلقه بينه وبين غرفة الأطفال للفوز بليلة مع شريكة عمره.. ها هي أضلاعه الآن تحترق في بيت نار الصوبية.. ليكن.. قال.. إنه مجرد خشب أصم.. خشب يا الله خشب..

يوماً بعد يوم كانت أبواب البيت الريفي تتهاوى وتصير جمراً في مدفأة الحطب التي طحنت نيراها بلا رحمة كل أبواب البيت.. باب غرفة الأطفال، والجلوس، والباب المفضي إلى ممر الحديقة.. وحتى باب الحمام وبقي باب واحد فقط.. هو باب البيت.. لك هذا لا يمكن اقتلاعه.. فسوف يتسبب بتسرب البرد والرياح والثلوج إلى داخل المنزل.. عندها صرخت زوجته وهي تقاوم سعالها الديكي المتقطع.. لا يا خالد.. إلا هذا الباب.. لقد سمحتُ لكَ بإعدام سبعة أبواب حتى الآن.. كان قلبي ينقلع مع كل صرير واحدٍ منها.. هذا ليس فقط باب بيتنا.. إنه الباب الذي ودعتكَ على عتباته وأنتَ تذهب إلى الحرب.. الباب الذي انتظرتكَ عليه وأطفالي والباب الذي طرقته يداك وأنتَ تعود من الحرب سالماً وباسلاً.. لا يا خالد.. لن أسمح لكَ.. إلا هذا الباب.. خذ كل الأبواب واترك هذا الباب..

أطرق برأسه وكتم دموعه في غدته الدرقية.. ثم نهض وركع عند فراش زوجته المريضة.. ضاماً إياها وأطفاله إلى صدره.. وتدفؤوا جميعهم على صوت فيروز يغني: وبواب بواااب.. شي غرب شي صحاب ولا يحزن ولا بيت ولا يتسكر باب.. آه آه البواب!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: