العبثية في فن ما بعد الحداثة: دراسة التأثير المتبادل بين “في انتظار غودو” و “صاخب جداً وقريب للغاية” – إليزابيث ل. بوليك – ترجمة: عبير شورى

عبير شورى
عبير شورى

لطالما كان فن ما بعد الحداثة مُشبعاً بالعبثية. حيث ركزت الحركة العبثية ما بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أنّ الحياة بحدّ ذاتها ليست فقط متناقضة إنما لا عقلانية ومنافية للمنطق. إن “مسرح العبث”، والذي أُطلقت عليه هذه التسمية من قبل الناقد المسرحي مارتن إيسلين في كتابه عام 1961، قد حظي بشعبية كبيرة من خلال مسرحية صموئيل بيكيت “في انتظار غودو” وغيره من المؤلفين المسرحيين من نفس المدرسة مثل أوجين أونيسكو وآرثر أداموف.

من جهةٍ أخرى، فقد ساهمت الاضطرابات السياسية والنهضة العلمية والانتفاضة الاجتماعية في تشكيل السياق الثقافي لأعمال كتّاب مسرح العبث، حيث تناولوا تراجع الشخصية الأخلاقية التي بات جليّاً بعد ظهور الفاشية والحرب العالمية الثانية والهولوكوست.

لقد أثّر المفهوم الفلسفي للوجودية (من خلال كيركيجارد، هيدغر، سارتر وكامو الذين يعتبرون من أشهر من عبّروا عنه) حرفياً على الطريقة التي تساءل فيها الكتاب المسرحيون العبثيون عن طبيعة الوجود.

تعتبر “في انتظار غودو” إيذاناً ببداية حركة درامية جديدة تواصل تقديم رؤى جديدة حول العالم ما بعد الحداثي حتى خارج سياق الدراما. حيث أنّ الأفكار التي ابتكرها صموئيل بيكيت وغيره من الكتاب العبثيين الأوائل ما تزال تمتلك أهمية في عالم ما بعد الحداثة.

في رواية “صاخب جداً و قريب للغاية”، على سبيل المثال، يستخدم جوناثان سافران فوير التقنيات البلاغية والهياكل والثيمات العبثية لنقل جوانب “مسرح العبث” إلى عالم أدب ما بعد الحداثة. ولفهم العبثية في رواية “صاخب جداً وقريب للغاية”، يجب على المرء أن يكون على دراية بالأصول اللغوية والثقافية لمصطلح “العبث” الذي يستخدم لوصف الجوانب اللاعقلانية للحياة. حيث تسعى العبثية كحركة إلى استنباط طريقة لعقلنة تلك الجوانب غير المنطقية في هذا العالم الغامض.

تشكك الدراما العبثية في أهمية دور الفرد في حياته الخاصة والأهمية النسبية التي تضفيها أفعاله على العالم بأسره. لقد ركَّز العبثيون على لاعقلانية الحياة و”الحياة التالية” أو “الآخِرة” الوشيكة. لقد عرّف أونيسكو، وهو كاتب مسرحي عبثي، العبثية بأنها كل ما يخلو من الغاية.

“… مقطوعاً من جذوره الدينية، الميتافيزيقية والسامية… أضحى الانسان تائهاً وباتت أفعاله جميعها عديمة الفائدة، عبثية وبلا أيّ معنى. (إيسلين)”

تبنّت العبثية مِزاج الأربعينيات في مفهومها الانعزاليّ للإنسانية. إنّ إيمان العبثيين بأنّ الحياة أو الوجود أمر سخيف، كان متزامناً في الوقت ذاته مع اعتقادهم بأنّ انعدام الوجود أو الموت أو فكرة “الآخرة” غير منطقية بالدرجة ذاتها. إنطلاقاً من فكرة أن كِلا الأمرين سواءً “الوجود” أو “انعدام الوجود” سيؤولان إلى النهاية نفسها، فإنّ الأفراد يفسرون أفعالهم على أنها عبثية وبلا طائل. إنّ مفهوم الوجود ذاته غير ملموس كما أنّ فعل الوجود لا يمكن أن يكون حقيقياً.

منذ أن بدأ العالم يخضع لتغييرات داخلية كارثية، صار الوجود يبدو بلا معنى ومحنة الفرد بلا أي طائل. إن السياق التاريخي الذي نشأ فيه “مسرح العبث” انبثق عن التغيرات والقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية. حيث أنّ ظهور الفاشية وأهوال الحرب العالمية الثانية والهولوكوست كانت بمثابة إلهام للمفهوم الفلسفي للوجودية عن طريق تسليط الضوء على عبثية أفعال الانسان. وقد أوضحت هذه الأحداث كيف أنّ الغرض من الانسان كان استخدامه كبيدق في المخططات السياسية لصالح قوة عظمى؛ وبالتالي لن يكون للفرد نفسه أي غرض متأصل أو أناني في الوجود. بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية بلغ عدد الوفيات ما يزيد عن 52,100,000 شخص.

كان اختراع واستخدام أول قنبلة ذرية من جانب الولايات المتحدة ضد اليابان بمثابة تحول إلى سلوك مختلف تماماً في التعامل مع العدو ومستوى أقل من الاستثمار الأخلاقي في تكتيكات الحرب. هذا التدنيس للأخلاقيات هو ما حاول الفكر الوجودي معالجته في تساؤله حول المفاهيم المتغيرة لأهمية حياة الفرد. لقد أظهر استخدام القنبلة الذرية أن البشر ليسوا سوى ضحايا ضمن إحصاءات ولا يمكن أن يعزى إلى حياتهم أي غرض أو معنى عظيم. أدت الهجمات على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 إلى تسوية مدن كاملة بالأرض وتسببت تِباعاً في مقتل 80,000 و 70,000 شخص. لقد كانت حكومة الولايات المتحدة على علمٍ مُسبَق بأن الحرب ضد اليابان قد تمّ ربحها بالفعل (فقد تمت تسويتها في مؤتمر بوتسدام في 3 أغسطس 1945) قبل ثلاثة أيام من قصف هيروشيما (بيرد وشيروين). وقد كان هذا مثالًا على اختيار تجريب التكنولوجيا الجديدة على الرغم من وجود تداعيات أخلاقية جرّاء التسبّب في خسائر بشرية لا داع لها.

إن صعود أدولف هتلر إلى السلطة، والهولوكوست وما تلاها من مقتل أكثر من 6 ملايين شخص (نورمبرغ) سلطت الضوء على الانحدار العالمي للشخصية الأخلاقية. فقد بات المفهوم الحديث للعبثية يحمل مجموعة مختلفة من القيم الأخلاقية فيما يتعلق بأهمية حياة الإنسان الفردية نتيجة التدهور الأخلاقي الذي برز في الحرب العالمية الثانية. هذا الانحطاط الأخلاقي بدوره قد أطاح بالمواقف المتفائلة تجاه الطبيعة البشرية، وشكَّك بالاعتقاد القائل بأن الناس مفطورون على النوايا الحسنة. في الأساس، لقد حرّض ذلك كله على الشّك في الدين (وبشكلٍ خاص المسيحية الغربية). كان السؤال الأساسي هو: كيف يمكن للإله منطقياً أن يسمح بحدوث مثل هذه الفظائع؟.

إن تراجع الحاجة إلى الدين في المجتمع الحديث وما بعد الحداثي يعود في أصله إلى الحرب العالمية الثانية، “لقد تم إخفاء تراجع الإيمان الديني حتى نهاية الحرب العالمية الثانية من قبل الديانات البديلة مثل القومية، والأباطيل الديكتاتورية المختلفة. لكن هذا كله قد حطّمته الحرب (إيسلين)”. لقد دفعت الحرب العالمية الثانية بالدين إلى الفشل في محاولته تفسيرغاية الوجود بالتزامن مع “القومية والأباطيل الدكتاتورية المختلفة” المذكورة أعلاه. لقد أضحى العالم بعد فشل الدين مكاناً لمستقبلٍ موسوم بالموت والدمار.

في الوقت ذاته، أصبحت الحركة الفلسفية للوجودية، والتي شكَّكت بالمعنى المنسوب للعمل الإنساني فيما يتعلق بالتفاعل ضمن المجتمع، فقد بات الدين والسياسة حاضرين في أي حوار حول مسرح العبث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. يتمحور هذا النقاش حول فكرة أنّ الوجودية لها مكانتها في “مسرح العبث”. كتب ألبير كامو أن “حالة العالَم الراهنة لا يمكن تفسيرها بشكل عقلاني وأن هذه الظاهرة الجديدة تجعل الانسان منعزلاً”. ويضيف كامو: “الانسان عبارةٌ عن غُربةٍ عُضَال، لأنه محرومٌ من ذكريات وطنٍ مفقود بقدر ما هو مُفتقرٌ إلى الأمل بأرضِ ميعادٍ قادمة. وهذا الانفصال بين الانسان وحياته كما بين الممثل وخلفية مشاهده، يشكل حقاً شعوراً بالعبثية”. ها هنا تشترك العبثية والوجودية في فكرة أن بحث الإنسان عن المعنى هو تمرين على اللاجدوى لأن الحياة بطبيعتها بلا معنى والحقيقة لا تعدو كونها أمراً شخصياً.

عندما أعلن نيتشه: “موت الإله”، كان يعني “لقد حان الوقت لكبح جماح الإنسان”.

فقد انتقد نيتشه نكران الحاجة إلى الإله من قبل العالم الحديث والانسان المعاصر. حيث توحي أفكار كامو ونيتشه بأن مفهوم “الإله” لا يمكن أن يكون مهماً في عالم يتم فيه تَبنِّي العبثية؛ الإيمان بالإله يتطلب الخضوع لفكرة أنّ هناك سبيلاً للعثور على تفسير منطقي للوجود. إنَّ العبثية ترفض هذه الفكرة ولأن مفهوم “الإله” لا يمكن أن يتّفق مع العبثية ، لم يعُد للدين مكان في المجتمع. إنَّ هذا المجتمع الذي تبنّى “الإلحاد” حديثاً، والذي قد تمّ تعريفه من خلال الصفات العبثية والنزعات الوجودية هو ما قام صموئيل بيكيت بالترويج له في أعماله. بيكيت هو كاتب إيرلندي ولد في 13 نيسان 1906، واشتهر ككاتب مسرحي عبثي يناقش أزمة الوجود العالمية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. إن القاسم المشترك في أعمال بيكيت هو الشعور الطاغي باليأس والنفور من الحياة. حيث كان للوجودية تأثير كبير على بيكيت كما على نتاجه الأدبي. لقد ساهم السياق الثقافي الذي كان يكتب ضمنه بتشكيل النظريات التي ظهرت في أعماله، يذكر بيكيت طفولته “الرتيبة” بأنها كانت مهمة في تشكيل شخصيته ومنظوره الأدبي. حيث يصف طفولته بالسعيدة ولكنه يقول بأنه “لا يمتلك موهبة السعادة”. هذا النوع من التصريحات مطابق لشخصية بيكيت الذي غالبا ما “يقرن صور الطفولة السعيدة بلمحات منغِّصة من الوحدة والتعاسة، والتي تنتهي بما يُفترض أن يكون تصريحاً إيجابياً يقوِّضه إقحام نبرة دفينة من الميلودراما الكئيبة.

من الممكن رصد الثيمة المرتبطة بالعزلة والوحدة خلال فترة دراسته المبكرة، حيث كان بيكيت مستاءً من منهجية التعليم في أوائل التسعينات، سواء في البيت أو في المدرسة، فقد وجد بيكيت أنّ الانضباط كان يلقى اهتماماً أكبر بكثير من التعلُّم. واصل بيكيت تعليمه في كلية الثالوث المقدس في دبلن ، حيث درس اللغات الحديثة، لكنه وجد إلهامه الحقيقي في الوقت الذي كان يقضيه في الدراسة والتدريس في باريس.

بصفته كاتباً لعب صموئيل بيكيت دور الغريب والمُراقِب الذي يؤرخ كراهيته الخاصة للوجود جنباً إلى جنب مع نُفوره من الآخرين. حيث علّق أحد زملاءه في كلية الثالوث المقدس قائلاً: “كان دوماً يوحي بسيماءٍ طفيف من العزلة، حتى وهو ما يزال طالباً. لا أعتقد أنَّ أحداً قد عرفه جيداً في ذلك الوقت، فهو لم يكن ببساطة “شخصيةً عامة”. كان يبدو كرجلٍ معروف من قبل الجميع، لكن أحداً لم يعرفه جيداً”. هذ التصريح يوضح المقام القصيّ الذي منحه بيكيت لعمله وحياته الشخصية.

لقد كانت علاقة بيكيت الفكرية بجيمس جويس من أكثر الأمور تأثيراً على بيكيت، حيث كان يعمل كباحثٍ مساعد لجويس وقد ظهر انبهاره بمفاهيم جويس وتقنياته اللغوية جلياً في أعماله. لقد كان جويس بالنسبة لبيكيت “واحداً من أعظم كتاب العصر، إن لم يكن كل العصور” لقد شكّل جويس “مثالاً أخلاقياً” بالنسبة لبيكيت الذي قال: “لقد جعلني جويس أدرك معنى النزاهة الفنية.” لقد مرّ بيكيت بفترة من الاضطراب النفسي قادته إلى التحليل النفسي ومن هذا التحليل دخل بيكيت ما يسمى بفترة “الحصار في الغرفة”، وقد شكلت الفترة بين عامي 1946 و1948 حقبة هامة من الإبداع بالنسبة لبيكيت امتدت حتى الخمسينيات من القرن العشرين و”برز ظهوره كواحد من الكتاب الأكثر نفوذاً في القرن الحالي”. في تلك الفترة كتب بيكيت “في انتظار غودو”، المسرحية التي صنعت شهرته والتي تمّ تصنيفها سريعاً ضمن مسرح العبث.

إنّ الحالة الثقافية التي كانت سائدة في العالم وقت صدور “في انتظار غودو” قد فرضت نجاحها، حيث كانت أوروبا واقعة تحت قبضة ما أصبح لاحقاً كليشيهات سياسية: الستار الحديدي، الحرب الباردة، الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والعصر النووي. لقد سيطرت الوجودية في فرنسا وجذبت أتباعاً في بقية أنحاء العالم. لقد وجدوا في بساطة “في انتظار غودو” تعقيد الحالة الإنسانية. لقد عُرِضَت “في انتظار غودو”، التي كتبها صموئيل بيكيت ما بين 1978 و 1949، للمرة الأولى في مسرح بابل ذو الخمسة وسبعين مقعداً في باريس وأخرجها روجر بلين. وقد ركزت المسرحية نفسها على عبثية الوجود الإنساني.

في استخدامه المشوه للشخصية وركاكة اللغة (الإلقاء) وافتقاره للحبكة، كان بيكيت ضمنياً ينتقد شاعرية أرسطو. كمن يدور في حلقة مفرغة، تمضي الشخصيتان الرئيسيتان، فلاديمير وإستراغون، المسرحية بأسرها في حوار حول كونهما ينتظران “غودو” رغم عدم يقينهما فيما إذا كانا موجودين في الوقت أو المكان الصحيحين. حيث أنّ حِسَّ الوقت يكاد يكون غائباً في المسرحية، يكتب بيكيت: “الوقت.. الوقت! هلّا توقّفتَ عن إزعاجي بوقتكَ الملعون هذا؟! نولّدُ في يوم و نموت في آخر.. هكذا تسير الأمور في هذه الأرض القذرة”.

إنّ رفض بيكيت للمبادىء الأرسطوية (نسبةً لأرسطو) يفسّر بشكل أكبر رؤيته للمسرح، “فيما يتعلّق بوحدة الزمان والمكان والحالة على خشبة المسرح. حتى أنه في طريقة استغلاله للخشبة ينزع بيكيت أكثر فأكثر نحو تقييد الحركة، لأنه يعتبر بأنّ لكل ممثلٍ بيته الخاص على المسرح”. بالنسبة له فإن الشخصيات كأفراد ليست أساسية وحتى قابلة للاستبدال (حيث يلاحظ القارئ ذلك التبديل في أسماء إستراغون وفلاديمير حين ينادون باسم جوجو أو ديدي، وغالباً ما يكون من غير الواضح للقارئ من منهم تتم مخاطبته ومن قِبل من). يكمن مغزى المسرحية في انتظار فلاديمير وإستراغون لغودو الذي لن يأتي أبداً، على الرغم من أنهما يعرفان بأنه لن يأتي.

إنهم ينتظرون لأنهم لا يملكون خياراً آخر، ومهما فعلوا فإنّ ما سيلقونه هو أمرٌ محتوم وبالتالي فإنّه لا قيمة لأفعالهم. إنّ خلفية المسرحية قاتمة وغير محددة بموقع جغرافي أو زمان أو مكان معين، وقد تمت صياغتها كصورة عن ما بعد نهاية العالم. لقد صوَّر بيكيت حالةً من العزلة القصوى والعجز التام فيما يتعلق بدور الفرد في العالم ككل. إن “في انتظار غودو” ما تزال وثيقة الصلة بعصر ما بعد الحداثة. كتب الناقد المسرحي مارتن إيسلين في وقت إنتاج المسرحية: “اليوم وفيما يتم مواراة الموت والشيخوخة أكثر فأكثر خلف العبارات الملطفة والحديث الطفولي المطمئن، وبينما تتعرض الحياة لخطر الاختناق في غمرة الاستهلاك الجماعي الآلي والمخدِّر للابتذال، فإنّ ضرورة مواجهة الانسان بحقيقة وضعه باتت أكبر من أي وقتٍ مضى. لأنّ كرامة المرء تكمن في قدرته على مواجهة الواقع بكل عبثيته: أن يتقبله بحرية، بدون وجل أو أوهام وأن يسخر منه”.

إنّ فكرة إيسلين هي أنَّ الإنسان يجد العزاء في القدرة على مواجهة عقلنة لاعقلانية الوجود وغموضه من خلال خلق الفن لتصوير وشرح الحالة المراوغة التي يتسم بها. إن السياق السياسي والاجتماعي لعالم ما بعد الحداثة يفسح المجال للتحليل من خلال تحرّي العبثية.

إن رواية الكاتب المعاصر جوناثان فوير سافران “صاخب جداً وقريب للغاية” تبحث في المجتمع الأمريكي ما بعد الحادي عشر من سبتمبر عبر رؤيتها بعيون صبي صغير يتسلّى بأزمته الوجودية وسعيه للتصالح مع التاريخ. من الناحية الموضوعية، ينظر فوير إلى الحادي عشر من سبتمبر باعتباره شرارة موجة جديدة من جنون العظمة الثقافي والموت والدمار واليأس. بالنسبة لشخصية فوير”أوسكار” فإن الحاجة إلى البحث عن شيء ما تتسبب بفساد الوعي الشبابي في الوقت الذي يقف فيه العالم في طريق منظوره الساذج والسابق لأوانه في آنٍ معاً. إنّ بحث أوسكار مدفوعٌ بالمأساة، بحيث أنّ البحث ذاته يصير الأكثر أهمية، تلك المحاولة لفهم عبثية موت والده و”تأكيد جدارة وجوده”. تمثّل شخصية أوسكار رمزاً للمنظور العالمي الساذج الذي كان لدى الكثير من الأميركيين قبل 11 سبتمبر. يحاول فوير ربط الهجمات الإرهابية بحقائق أكبر عن الطبيعة البشرية، حيث يماثل بحث أوسكار “الانتظار” الذي خاضه فلاديمير وإستراغون في “بانتظار غودو”. بالنسبة لفلاديمير واستراغون فإنّ الانتظار هو فعل وجودي (فكرة وحوار). في حين أن بحث أوسكار تفاعلي مع الأسئلة التي يحاول الإجابة عليها وكذلك مع الأشخاص الذين قد يقودونه إلى الإجابات.

يخرج أوسكار إلى عالمه جاهداً في مطاردة الإجابات، بينما يطاردها فلاديمير واستراغون وهما قابعين في عالمهما الخاص، ومع ذلك لم يعثر أيُّ منهما على ضّالته. في السياق ذاته فإنّ رواية فوير “كل شيء مُضاء” تمثل تجسيداً لعبثية الحياة في عصر ما بعد الحداثة. تبدأ الرواية بسلسلة من الأسئلة والمواقف الافتراضية السخيفة التي لا مبرر لها والتي يطرحها الراوي البالغ من العمر تسع سنوات. يبدأ الكتاب بسؤال: “ماذا عن غلَّاية الشاي؟” في هذه الفقرة نفسها يتساءل أوسكار، “شيء جيد آخر هو أنه يمكنني تدريب شرجي على التحدث عندما أطلق ريحاً. وإذا أردت أن أكون أكثر مرحاً، فسأقوم بتدريبه ليقول “لم أكن أنا!” في كل مرة أطلق فيها ريحاً نتنة”. بينما يعبر فوير عن العديد من لحظات التفاهة الهزلية، لكنه أيضاً يعقب على تلك السخرية الحاضرة بشكل أكثر جدية.

تم وصف الحادي عشر من سبتمبر من خلال تكرار نفس الصور التي تستعصي على الوصف أو التفسير. حيث يبدو أن خطورة الموضوع وشناعته لا يمكن إيصالها سوى بالتكرار. يكتب فوير: “قمتُ بتشغيل التلفاز، ثم أخفضت الصوت حتى بات صامتاً. نفس الصور مراراً وتكراراً. / طائرات تصطدم بالمباني./ جثث تتساقط./ أشخاص تلوح بقمصانها من النوافذ العالية./ طائرات تصطدم بالمباني./ جثث تتساقط./ طائرات تصطدم بالمباني./ أناس مكسوون بالهباء الرمادي./ جثث تتساقط./ مبانٍ تتداعى./ أشخاص تلوح بقمصانها من النوافذ العالية./ جثث تتساقط./ طائرات تصطدم بالمباني.

في الرواية يعمل 11 سبتمبر كمنشأ لأزمة وجودية متجددة للأميركيين بسبب العبثية المفجعة لأحداث هذا اليوم. في مواجهة المأساة يبدأ بطل رواية فوير الشاب بالتشكيك في معتقداته الدينية وجدوى وجوده. يكتب فوير: “على الرغم من أنني الآن لم أعد كما كنت، لقد كنت ملحداً وهذا يعني بأنني لم أكن أؤمن بالأشياء التي لا يمكن رؤيتها. ولكن هذا لا يعني بأنني بتُّ ـؤمن بها الآن لأنني ما زلت لا أؤمن بالأشياء التي لا يمكن رؤيتها. لكنني صرتُ مقتنعاً بأن الأمور معقدة للغاية.” يعتنق أوسكار الغموض والعبثية الموجودة في حياته من خلال بناء منظور وجودي. لقد وضّح موقفه بقوله: “إنّ مدى تفاهة الحياة يصيبني بالتعاسة بشكل لا يصدّق وكيف أنّه حتى وجودي نفسه لا يعني شيئاً بالمقارنة مع الكون والزمان. “إنّ تأكيد أوسكار على لا جدوى وجوده يجسد الفكرة العبثية والوجودية لافتقار الحياة إلى الغاية والمعنى. تختتم رواية فوير بتمسك أوسكار بنظريته العبثية، حيث أن رحلة أوسكار، كما انتظار فلاديمير واستراغون، لا تُسفر عن أي نتائج جازمة. إنّ الفكرة التي يولِّدها أي بحث هي أن التجربة الوحيدة الممكنة والجديرة بالثقة هي الرحلة، سواءً “الانتظار” أو الفعل الفردي نفسه.

إن هذه الفكرة القائلة بأن المعنى المنسوب إلى الفعل الفردي لا يمكن أن يكون مهماً سوى فيما يتعلق بالمصلحة الشخصية للفرد، هي في الأصل فكرة وجودية تتضح من خلال الوقائع التاريخية والأعمال الأدبية التي تمّت مناقشتها أعلاه. من خلال الإشارات و السياق العام للأحداث والعوامل التاريخية التي بشِّرت بالحركة العبثية، بالإضافة إلى استخدام التقنيات الخطابية والهيكليات والأفكار (الثيمات) التي تميز الحركة، فإنَّ “صاخب جداً وقريب للغاية” هي مثال عن كيفية انتقال العبثية إلى العالم الأدبي لما بعد الحداثة. حيث يمثّل بطل الرواية أوسكار رمزاً لحصيلة تعريف فن ما بعد الحداث بالعبثية.

إن الارتقاء من حالة الانحطاط الأخلاقي والمفهوم المتغير للإله الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية والفاشية قد أثرت بطبيعتها على أفكار الوجودية وواضعي النظريات المستقبلية. إن هذا الارتقاء قد تجلّى في “في انتظار غودو” كمثال مطلق على “مسرح العبث” حين يقترن بالسياق مع هذه العوامل والمؤثرات التاريخية، ليخلص بالقول بأن الحياة بالأصل بلا معنى وأن هذا الغياب للمعنى يُعرَف بالعبثية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: