في الحب – رفيف المهنا

د. رفيف المهنا
د. رفيف المهنا

في كل منزل، هناك مرآة إلى جانب باب الخروج نقف أمامها لإلقاء النظرة الأخيرة على حالنا وأحوالنا، ثيابنا، نظرتنا، جمالنا، جسدنا ككل وجسدنا ببعض تفاصيله، ضحكتنا، أسناننا، أقنعتنا، وجهنا، عيوننا، قبل أن نخرج للحياة الواسعة، للقاء الناس وامتحانات الناس اللامنتهية، مرآة تقف على باب المنزل كمن يعطي لنا إذناً بالخروج والعبور. وهناك مرآة في الغرف الداخلية لتصفيف الشعر والاهتمام بالوجه، وهناك مرآة في الصالون ترانا ولا نراها في أغلب الأوقات، كلصّ أو كسهلٍ يسرق من الجدار بُعداً إضافياً.وهناك مرآة في السيارة نعيد فيها إلقاء النظرة الأخيرة الأخيرة على لوحة الوجه قبل أن نقدمها على الملأ.وهناك مرآة في حقيبة نسائية تخرجُ في أوقات خاصة عندما تحب المرأة أن تعيد ترتيب فوضى روحها فترتب تفاصيل زينتها.


وهناك مرآة في الشوارع وهي الواجهات الكبيرة لمحلات التسوق التي وفي غمرة انشغالنا بأفكارنا لا يمكن أن نتخيل وجودها وتصدمنا بأنفسنا ونحن نمر بجانبها مسرعين -وقد نبطئ- ولا نتوقع أن نلتفت فجأة لنرى جسدنا بالطول الكامل، نعبر كنجم سينمائي تمر صورته الآن في شاشة عملاقة.


مرآة الشوارع تلك هي الشغف، هي أول الحب بين الرجل والمرأة حيث لا موعد ولا توقع بل صدمة واستغراب واضطراب. يكبر رويداً ويتحرك ليصير أكثر اهتماماً وحضوراً كمرآة المنزل أو السيارة التي نراقب فيها تفاصيل جمالنا بدقة ورعاية. ثم يصل إلى ذروته عندما يصير كمرآة حقيبة اليد، مهتماً في اللحظات الحارة والأكثر ضرورة وحدّة. ليستقر بعدها على ثبات وتوقع ومعرفة وتكرار وسرعة وثقة أخيرة تماماً كما تفعل بنا تلك المرآة على باب الخروج.


الحب مرآة، بل مرايا لا نهاية لحضورها.


عيون الناس مرايا، دموعهم مرايا، وحزنهم مرايا، فرحهم مرآة تتثبت في القلب، مطر الربيع مرايا، بحيرة على جانب الطريق مرآة لتحب السماء نفسها.


الحب مرايا، وهل أجمل من أن يخبرنا أحدٌ عنّا بالحد الأقصى من الأمانة، بدون أن نطلب منه.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: