ناقص ستة – قصة قصيرة – رغد جديد

لقد وصلَت إلى المقطعِ الذي أحبُّ، ها هي ذي الملكةُ الإغريقيّة “صفاء” تستحلِفُ ابنَها “أورستيس” بالحليبِ الذي أرضعَتهُ إياه كي لا يقتلَها.

تقعُ، وتنهضُ، وتبكي، ويداها تطيران في كلِّ الاتجاهاتِ، وأنا أتابعُ المسرحيّةَ خلف مقعدي، وأمسحُ دموعي، ثم أصيحُ بـ”أورستيس” أن ترفّق بالآنسة “صفاء”، أقصد بأمّك، سامحها فالأمُّ تظلُّ أمّاً.

انتهت حصّةُ المسرح على خير، الحصّة فقط وليس المسرحية، لأن “أورستيس” قتل أمه التي كانت قد قتلَت أباه، ولكنّ الخيرَ كان عندما قرّرَت الآنسة “صفاء” أن تعتمدَ هذه المسرحيّة؛ مسرحية “الكترا” كي يقدّمها صفُّنا نهاية العام في المهرجان المسرحيِّ للمدارس الثانوية.

ها قد حان موعدُ امتحان الفيزياءِ، لا أستطيعُ إلّا أن أتملّى جمالَ وجهِ “جمال” رغم أنه يجلِسُ خلفي بسبب ما فعل، تخيّلوا أنّ “جمال” الذي اعتدتُ على خنادقهِ التي يحفرها بأصابعِه في ظهري كي أمدَّ له أصابعَ العونِ لم يُرِد أيّةَ إجابةٍ، التفتُّ إليه كي أطمئنّ على حاله الغريبةِ لكنه رفع أصابعه نفسَها كي يشيرَ إليّ أنه مكتفٍ بمعلوماتهِ ولا يحتاج أن أمرّر إليه أيّ جوابٍ.

أين أنتَ يا “نيوتن” لترى جاذبيّتهُ وهو يرفضُ مساعدتي بكلّ رجولةٍ وشهامةٍ؟ إنه جمالٌ مطلقٌ يا “آينشتاين” لا مجالَ للنسبيّةِ فيهِ.

لطالما كنتُ أستغربُ في أفلامِ المراهقين تركيزَها على أروقةِ المدارسِ فأنا أعلمُ أنّ المدارسَ تقومُ على ركنينِ معماريّين أساسيّين فقط: الصفوف والباحات، لكن الآن أنا متيقّنةٌ حقَّ اليقين بأني مخطئةٌ لأن العمارةَ لا تستطيعُ بيتوناتها المسلَّحةُ إلّا أن تلينَ أمام سطوةِ الفلسفةِ، ففي أروقة المدارسِ “رواقيّون” من نوع آخر: ابتساماتٌ خجولةٌ طائرة، عناقاتٌ حارّة غير خجولة، وجوهرُ الفلسفةِ يكمنُ عند المعلّمين والمعلّمات لأنهم الوحيدون الذين يُسمحُ لهم بتبادلِ القبلاتِ في الأروقةِ على عكسِنا نحن الطلاب: نظَرات، ابتسامات، غمزات، عناقاتٌ مسروقةٌ، هذه هي حدودنا التي يطيبُ لنا تجاوزُها واختراقُها رغم اتساعِ مداها بالمقارنةِ مع مَن سبقونا من الأجيالِ الماضيةِ.

أمشي في الرواقِ كي أصل إلى الباحةِ، إنها بضعةُ أمتارٍ فحسب ولكنها مفروشةٌ بسرمديّةٍ من المشاعر والقصص والأساطيرِ:

مدرّسةُ اللغة العربية “رباح” مع أستاذ الموسيقا “عماد” يمشيان بأيادٍ متشابكةٍ تتشابكُ معها كلّ القصائد بحبال السلّمِ الموسيقيّ حتى لأكاد أسمع صوتَ قصيدتهما المغنّاة يصدحُ عبر مكبّراتِ الصوتِ المنتشرةِ في الباحةِ.

على اليمينِ تفيضُ الآنسة “رويدة” –مدرّسةُ العلوم- بكلِّ ما في غددها الصّمِّ من حاثاتٍ، لكنّ الأستاذ “نائل” –مدرّس الرياضيات- يعرِفُ جيداً كيفَ يتحصّنُ داخل دائرةٍ متينةٍ بأقطارٍ وشيجةٍ، لكن… لكن… يبدو أنّها ليست كذلك بعد الآن، نعم… ها هي ذي الآنسة “رويدة” تصبُّ كلّ غددها الصم في قناتهِ الفمويّةِ، أظنُّ أنّ قُبلتَها سيكون لها تأثيرٌ هندسيٌّ غير قابلٍ للتعديلِ وفق ما أراه الآن من مستجدّاتٍ.

إنها بضعُ دقائق فحسب تفصلُنا عن أداءِ تحيّة العلمِ المسائيّةِ، أنقلُ حدقتيَّ بين الطلابِ، عادةً أتمشّى مع “جنى” لكنها اليوم غائبةٌ بسبب زفافِ أختها.

أحثُّ الخُطا نحو “هبة” كي أُريَها على هاتفي صورة هديةِ حبيبي التي ابتعتُها لعيد ميلادهِ غداً، ولكن يظهرُ لي أنّ “عدنان” ينبّهها إلى أمرٍ ما يخصُّ تصرفاتها الطّائشةَ مع حبيبها، أصابعه التي تنقر على صدغها توضّحُ لي ذلك، هكذا هم شبّان مدرستنا غيورون على بناتها ويميلون إلى نصحهنّ وإرشادهنّ.

أقتربُ أكثر منهما ومشاعرُ الامتنانِ تتدفقُ عبر قضبانِ قفصي الصدري، وأنا في طريقي أسرقُ نظرةً إلى شابٍّ آخر يقفُ إلى يمينهما وهو يصيحُ بفتاتين موجِّهاً كلامَه إلى ذات الشعرِ القصيرِ والساقين الطّويلتين:

“لمَ هذه الحركات التي لا معنى لها؟ سأمسحُ مقطعَ الفيديو الذي بعثتِه عن جهازي، وامسحيه أنتِ أيضاً عن جهازكِ تحسُّباً”.

أصلُ إلى “هبة” و”عدنان” وقد غرقت قضبانُ قفصي تماماً بسيلِ الامتنانِ ذلك، لكن… لمَ تنظرُ إليّ “هبة” بمثل هذه النظرة؟! لماذا انعكست الأدوار الآن بنقرها على صدغ “عدنان”؟

يصدحُ صوتُ الموجّهة التربويّة عبر المكبّرِ:

“من فضلِكم يا طلاب، فلتصطفوا لأداء تحية العلم”.

يا لَرقّةِ صوتها! يا لَعذوبتِه!

كلّ فيضان العذوبةِ والسلام والامتنانِ ذلك تقاطعه “هبة”:

“انظر يا عدنان إلى لجين، انظر إلى ابتسامتِها البلهاء، لقد نسيَت نظارتَها في البيتِ مجدّداً، والربّ وحدَه العليم أيّ واقعٍ تراه الآن، لربّما يُخيَّلُ لهذه المجنونة أن صياحَ المرشدةِ موسيقا، أو لربما عادت إليها حمّى حصّة المسرح، أو حمّى شهامة الشبّان المبتزّين ورجولتهم، أو…”

لم تُكمل جملتَها لأنها لم تستطِع مقاومةَ نوبةِ الضحكِ التي دقّت بجذعها –هي وعدنان- الأرضَ.

-النهاية-

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: