نهاية الرأسمالية والاشتراكية والدخول في العصور الوسطى الجديدة (*) – الترجمة عن الروسية: فادي أبو ديب

فادي أبو ديب
فادي أبو ديب

لقد قادت الفردانية وتشظِية المجتمع والشهوة غير المقيدة للحياة والنمو غير المحدود لعدد سكان الشعوب والنمو غير المحدود للحاجات واضمحلال الإيمان وإضعاف الحياة الروحية- قادت كل هذه الأمور إلى خلق المنظومات الصناعية-الرأسمالية التي غيرت كل سمة الحياة الإنسانية، وكل أسلوبها ونزع الحياة الإنسانية من إيقاع الطبيعة.الآلة، التقنية، تلك القوة، التي تجلبها [التقنية] معها، تلك السرعة في الحركة التي ولّدتها، خلقت الغوامض والهوامات التي توجّه الحياة الإنسانية نحو الخيال، والتي أنتجت انطباعاً بشدة واقعية الواقع.


فهل يوجد كثير مما هو حقيقي أنطولوجياً في التبادل النقدي والبنوك والأوراق النقدية وفي المصانع العملاقة والأشياء الكمالية التي يتم إنتاجها أو في أسلحة تدمير الحياة والترف الخارجي وفي خطابات البرلمانيين والمحامين وفي المقالات الصحفية، وهل يوجد الكثير مما هو حقيقي في نمو الحاجات التي لا يمكن إشباعها؟ في كل مكان تتجلّى الحلقة المفرغة التي لا تعرف الاكتمال، وكامل المنظومة الاقتصادية الرأسمالية هي ابنة شهوتها المفترسة والمدمّرة.
هذه الحلقة لم يكن بإمكانها أن تنشأ إلا في المجتمع الذي ابتعد أخيراً عن السماء واستسلم بشكل حصريّ للملذات الأرضية (وهذا ما أتعلمه من جميع أنواع الزهد المسيحي). فمن المستحيل بشكل مطلق أن ننظر إلى الرأسمالية كاقتصاد مقدَّس، فهي بالطبع نتيجة علمنة الحياة الاقتصادية. وفي هذه المنظومة يتشوّش الخضوع الهرمي الحقيقي للمادّي إلى الروحي.


إن اقتصادانية حقبتنا التاريخية هذه هي انتهاك للهرمية الحقيقية للمجتمع البشري وخسارة للمركز الروحي.[1] إنّ استقلالية الحياة الاقتصادية قادت إلى سيادتها على كامل حياة المجتمعات البشرية. لقد أصبحت عقيدة مامون هي المحدِّد لقوة هذا القرن والذي يعبد بالدرجة الأولى العجل الذهبي.[2] أما الأكثر فظاعة من كل هذا فهو أنّ عصرنا يرى في هذه العبادة المفضوحة لمامون فرصة عظيمة لمعرفة الحقيقة والتحرر من الوهم.[3] إنّ المادية الاقتصادية هي التي شكّلت هذا المشهد بالشكل الأكمل، وقد اعتبرت كامل الحياة الروحية للإنسان محض أوهام وأكاذيب.
أما الاشتراكية فهي مجرد تطور إضافيّ للمنظومة الصناعية-الرأسمالية، ومجرّد انتصار أخير للمبادئ التي وضعتها وانتشارها على المستوى العالمي. وقد أخذ الاشتراكيون من المجتمع الرأسمالي البرجوازي مادّيته وإلحاده وتنويره السطحيّ وكراهيته للروح والحياة الروحية وطمعه بالحياة ونجاحاتها وملذاتها وصراعه من أجل المصالح الأنانية وعجزه عن التركيز الداخليّ. فالرأسمالية والاشتراكية يصاحب كلاهما انحدارٌ في الإبداع الروحي وتلاشيه وانحسار الروح في المجتمع البشري. وهما لا ينشآن على أساس فقدان الروح كنتيجة لمسار تاريخي طويل من الارتداد عن المركز الروحي للحياة، أي عن الله.


لقد توجهت الطاقة بكاملها نحو الخارج وذلك في سبيل تحوّل الثقافة إلى حضارة مما يُلاشي كل الرمزية المقدسة للثقافة. لقد ظهرت هذه الروح سابقاً في الثقافات الغابرة وقد أدانها أنبياء العهد القديم. لقد كانت ثقافة مصر القديمة أو ثقافة القرون الوسطى أكثر سمواً وروحانيةً وأخرويةً من الثقافة المعاصرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
وأمامنا تتمثّل حقيقة لا شكّ فيها: في التاريخ الجديد [المقصود عصر العقل والتنوير] الفخور بتقدمه، ينتقل مركز جاذبية الحياة من المجال الروحي إلى المجال المادي ومن الحياة الجوّانية إلى الحياة البرّانية، كما أنّ المجتمع يصبح أقلّ تمحوراً حول الدين؛ فليست الكنيسة الآن بل سوق الأوراق المالية هي التي أصبحت الحاكم والمنظم لطبقات الحياة، والجماهير العريضة لم تعد ترغب في القتال والموت من أجل أية رموز مقدسة، والناس لم تعد أصلاً تتجادل حول عقائد الإيمان وليست مهتمة كثيراً بأسرار الحياة الإلهية كما في الأزمنة القديمة، فهم يعتبرون أنفسهم أحراراً من الجنون المقدس. هذا هو أسلوب عصرنا الرأسمالي الاشتراكي. ولكن هذا العصر يتقدم نحو نهايته بأشكال عديدة.
لقد تبيّنت هشاشة العصر الصناعي-الرأسمالي، فهو ينفي نفسه بنفسه مولِّداً الكوارث؛ فالحرب العالمية [الأولى] بفظاعاتها غير المسبوقة هي وليدة هذه المنظومة، كما أنّ الإمبريالية المعاصرة نمت في أحضانها أيضاً، وهي تلتهم نفسها بنفسها.


لقد بدأت أوروبا الرأسمالية تفني نفسها عسكرياً. والطبقات العاملة التي عاشت في سبات المنظومة الصناعية انتهى سباتها بعد كوارث الحرب العالمية. لن تذعن الشعوب بسهولة مرة أخرى لانضباطية العمل التي سادت في المجتمعات الرأسمالية، وسيكون من الصعب استعادة إنتاجية العمل السابقة. الاشتراكية أيضاً غير قادرة على ذلك؛ فالأساسات الروحية للعمل تحلّلت ولم تنشأ حتى الآن أساسات أخرى جديدة. إن نظام العمل عبارة عن سؤال حياتيّ للمجتمعات المعاصرة، ولكن هذا بالفعل سؤال عن العمل المبرَّر والمقدَّس. وهذا سؤال ليس مطروحاً أبداً لا في الرأسمالية ولا في الاشتراكية، حيث أنّهما كلتاهما غير مهتمتين على الإطلاق بالعمل في حد ذاته. ولكي تستمر فترة أطول سوف ينبغي على الشعوب المفلسة أن تتخذ طريقاً أخرى ربما، وهو طريق الحدّ من شهوات الحياة وتقييد النمو اللانهائي والحاجات والنمو السكاني، أي اتخاذ طريق النسك الجديد، وبالتالي نفي أساسات المنظومة الصناعية الرأسمالية. وهذا بالتأكيد لا يعني نفي الابتكار البشري والتقنية، ولكنه يعني تغيير دوره وإخضاعه للروح البشرية.


سوف يكون علينا أن نلتفت من جديد إلى الطبيعة وإلى الاقتصاد الزراعي والحرف. سوف يكون على المدينة أن تقترب من الريف، وأن ننتظم في اتحادات وتعاونيات اقتصادية، وأن يُستبدِل مبدأ التعاون بمبدأ التنافس.[4] أما مبدأ الملكية الخاصة بأساسه الأبدي فسوف يحافَظ عليه ولكنه سوف يُقيَّد ويُرَوحَن. والثروة الخاصة الهائلة التي سادت التاريخ الجديد لن تبقى أبداً، كما أنّ المساواة أيضاً لن تتحقق ولكن لن يكون هناك جائعون أو أناس يموتون من العَوَز. ينبغي أن نصل إلى فكرة الثقافة المادية الأساسية المبسَّطة وإلى ثقافة روحية أكثر تعقيداً. إنّ نهاية الرأسمالية هي نهاية التاريخ الجديد وبداية العصور الوسطى الجديدة.ومشروع التاريخ الجديد الضخم يجب أن يتم إنهاؤه لأنه لم يحقّق النجاح. ولكن قبل أن يكون هذا ممكناً سوف يقوم [هذا المشروع] بمحاولات إضافية لتطوير الحضارة التقنية إلى حدودها القصوى، إلى السحر الأسود، وإلى الشيوعية أيضاً.

(*) مقطع من مقالة “العصور الوسطى الجديدة” الواردة في كتاب “العصور الوسطى الجديدة: تأمل في مصير روسيا” للفيلسوف الروسي نيكولاي برديائيف، والصادر عام 1924، الصفحات 26-30.
Николай Бердяев, Новое Средневековье:


Размышление о судьбе России (Москва, 2018)[1]
الاقتصادانية أو الاقتصادوية economism بحسب قاموس ميريام- وبستر هي “نظرية أو وجهة نظر تمنح أهمية حاسمة أو رئيسية للأهداف أو المصالح الاقتصادية.” وهي بحسب قاموس كولينز “نظرية سياسية تعتبرالشؤون الاقتصادية هي العامل الرئيسي في المجتمع، وتتجاهل العوامل الأخرى في المجتمع مثل الثقافة والجنسية… إلخ أو تختزلها باستعمال مصطلحات اقتصادية
تبسيطية.” (المترجم)
[2] عقيدة مامون أو كما يسميها برديائيف “المامونية”. ومامون هو [إله] المال الذي تحدث عنه يسوع المسيح في عبارته الإنجيلية الشهيرة: “لا تستطيعون أن تخدموا الله والمال… إلخ.”
[4] على عكس الشائع، الأصح في اللغة العربية هو إلحاق الباء بالعنصر المتروك جراء عملية الاستبدال؛ فنقول استبدل السيارة بالقطار، أي ترك القطار واستعمل السيارة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: