يومَ اكتشفت الخوف – رغد كبيبو

في الآونةِ الأخيرة وتحتَ هذيانِ الذّاكرة كلّ ما كان يخطر لي هو جملةٌ قرأتُها في كتابٍ تقتضي «بأنّنا أقبَلنا على العصورِ العقيمة، العصور الّتي يرفضُ فيها الأطفال أن يولدوا».

جملةٌ خانقة مُوجِعة للرّوح والذّاكرة بشكلٍ لا يمكن نسيانه أو اغتفاره.

وماذا عن الّذين يرفضون الموت؟ عن الّذين أرادوا الحياةَ بشدّة؟ في لحظةٍ خاطفة أُقيمَ تحتَ مسامِ جلدي مسرحاً، وكان هؤلاء يتراقصون عليه بأجسادِهم المُتعبة رقصةَ الجائعِ للحياة، وكأنّه قد نما لجسدي التّائه ذي الظّلّ الوحيد المنطوي فجأةً ملايينٌ من الظّلال وكلُّ منها يريد الابتعادَ في اتّجاهٍ مختلف، وكان الخوف… هذا ما أعتقد، لم يكنْ شعوري الأوّل به بكلّ تأكيد ولكنّه كان إدراكي الأوّل له.

الشّعورُ بالخوف أمرٌ عابر سينتهي بانتهاءِ السّبب أمّا إدراكك له فهو أن تعي أنّه لم يفارقْكَ يوماً كمن استدارَ مباغتةً ليصبِحَا وجهاً لوجه، كلٌّ يُحملقُ في عينيّ الآخر.

ومنذ إدراكي هذا سيحدثُ كثيراً أن أسألَ نفسي مِن أين يأتي الخوف؟ وحاولْتُ جاهدةً أن أسترجعَ المرّة الأولى الّتي شعرتُ بها بالخوف، نقطة البداية؛ وحقيقةً لم يكنْ أمراً سهلاً أن أستحضرَ كلَّ مخاوفِي دُفعةً واحدة.

ذاكرةُ الطّفولة عادَتْ بي لدمياتي؛ كلٌّ منها يحملُ خوفاً خاصّاً به، كنت أفكّر بما سأهبها من مخاوفَ قبلَ أن أسمّيها حتّى، وإن سألَني أحدُهم عن السّبب سأجيبُ ببساطةٍ دونَ تفسيرٍ منطقيّ: وهل يمكنُ خلق إنسانٍ بلا خوف؟

وستتدفّقُ مخاوفي وسطَ هذا الهذيان كتدفّق الرّمالِ بينَ الأصابع مُباغتةً ومُسرِعةً مُتسرِّبة من كلِّ الجهات؛ (الخوفُ من المدرسة ، من الامتحان… الفشل، الخوفُ من الظّلام، الخوفُ من الصّوتِ المرتفع، الخوفُ من أن تحملَ أفكاراً معارضة للتّكوين من حولِك، الخوفُ من أن تعترفَ لأحدِهم بالحبّ، الخوفُ من الفقدان، من الرّفض الاجتماعيّ، من الفقر… الغربة.. الموت والحياة، الخوفُ من أبسطِ الرّغبات كأن تمشي وحيداً بالّليل في مدينةٍ يستيقظُ فيها خفّاش الذّعر والقلق بعدَ ساعةٍ مُحدّدة، الخوفُ من أتفهِ الأشياء كأن تفقدَ زرَّ قميصِك المُفضّل أو ألّا تجدَ مقعداً بالباص عندَ عودتِك مُتأخِّراً).

كلّا لا يمكن خلق أيّ كائنٍ بلا خوف.

عصفٌ ذهنيّ أشبهُ باستيلادِ الذّاكرة.. كُلّما فَرِغتَ من واحدة تُخلَق ذاكرة أشدّ ذعراً وارتعاشاً، وإنك سَتُفاجَأ من أنّ جملةً قد كتبَها أحدُهم ومضى باستطاعتِها نكشَ قبورِ سُلالةِ الخوف هذه المُمتدّة إلى زمنٍ ساحق القِدَم، يسبقُ ميلادَك بملايينِ السّنين.

وكمحاولةٍ لاكتشافِ الخوف في هاتف ليليّ محفوفٍ بالقلق سألت أخي المغترب عن الخوفِ هناك في الجانبِ الآخر من العالم؟

-هنا لا يُوجد خوف

*وهل سأتخلّصُ منه إن ابتعدْتُ عن هذه البلاد؟

– ويأتي صوته حائراً لا أعلم… سيخفّ ولكنّه لن يزول.. يتحوّلُ إلى قلقٍ ربّما، قلقَ الطّيور المُهاجرة.

الطّيورُ الّتي وإن هجرَتْ غابةَ الذّعرِ، سترزحُ يوماً مُثقلةً بفيضِ العاطفةِ والخوف.

الجرحُ الشّرقيّ الرّافض الاندمال!

كنت في اكتشافي للخوفِ كالّذي أدركَ مُصادفةً عمقَ الهوَّةِ بداخلِه وهو لا يعلم مَن حفرَ له هذه الحفرة حتّى تجاوزَت بعمقِها شغافَ القلب؟ وكمحاولةٍ للنّجاة تراكَ تحاولُ القفزَ فوقَها، تدورُ حولَها وفي كلّ مرّة تكتشفُ بُعداً جديداً يجعلُها أكثرَ عمقاً ممّا تظنّ، وإن وصلْتَ يوماً للضّفّة الأخرى ستكون موسوماً بوهلةِ العبور كمن اجتازَ خطَّ النَّار، بساقين مُقوّسَين مُتعبَين، وظلُّك النّاقص أبداً يرتعدُ مُتكوّراً على نفسِه كالزّوبعة.

وفي إحدى ذواكرِ الذّعر المُتّقِدة كالنّار في الرّأس؛ طفلةٌ تخطُّ في دفترِها بعدَ خوفِها من عصا المُعلّمة الّتي تلوحُ أمامَ وجهِها “هنا الخوفُ سيّدك ومانحُ الوجود” وإنّها سوف لَتُكمِلُ هذه الجملة عندما تكْبُر “هنا الخوفُ يطفو كإلهٍ فوقَ الرّؤوس”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: